تصميم: يوسف أيمن - المنصة

مظاهرات فبراير 1968: ثلاثة مشاهد بعيون تحب عبد الناصر

التحقت بكلية التربية في جامعة عين شمس بعد أشهر قليلة من هزيمة 1967، محمَّلًا بوعي سياسي اكتسبته من قراءات متفرقة وعززته بالانخراط في صفوف منظمة الشباب الاشتراكي مع تأسيسها عام 1966 لإعداد القيادات والموجهين السياسيين. كانت الثقافة في جيلنا متاحةً للجميع.

في الكلية، انقسمت الدراسة إلى قسمين كبيرين، قسم ضم التخصصات الأدبية كالتاريخ والفلسفة وعلم النفس والجغرافيا واللغتين الإنجليزية والفرنسية، وآخر للتخصصات العلمية مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات والجيولوجيا والأحياء وفسيولوجي النبات. ووفقًا للتخصص الذي اخترته في الثانوية العامة كنت في القسم العلمي، ولكن ظل حضوري المحاضرات اليومية لمواد تخصصي من جيولوجيا وكيمياء وفيزياء وغيرها التزامًا لا مفر منه، لم يمنعني يومًا عن حضور محاضرات القسم الآخر، حيث أسهم الأساتذة مراد وهبة وصلاح مخيمر وعزيز حنا وإبراهيم كاظم وغيرهم، في زيادة وعيي الذي بدأ يتشكل قبل ذلك بعدة سنوات.

كان طبيعيًا أن تسبق درجة وعينا؛ أعضاء منظمة الشباب وعددنا كان يقدّر بعشرات الآلاف من الطلاب والعمال والفلاحين وشباب الموظفين، غيرنا ممن لم يلتحقوا بعضوية المنظمة. ومن هنا جاءت مشاركتنا للجموع الحاشدة في مظاهرات 1968 تعكس وعيًا بتداعيات الهزيمة العسكرية، وضرورات الصمود والتحدي في مواجهتها.

في خريف 1967 وبعد أشهر قليلة من الهزيمة المريرة، بدأت محاكمات بعض أركان النظام والمسؤولين عن أخطر مؤسساته وكان أبرزها المحكمة العسكرية لقادة سلاح الطيران، الفريق محمد صدقي محمود وزملائه، برئاسة الفريق صلاح الحديدي، التي انتهت في فبراير/ شباط 1968 إلى أحكام لم تُرضِ أحدًا صدرت بصورة لا تتناسب مع حجم الكارثة، بعد أشهر من الجلسات السرية والمداولات والمرافعات.

كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام المٌقرب من عبد الناصر، مجموعة من المقالات الخطيرة في مساحته الأسبوعية كل جمعة "بصراحة"، تحت عنوان "نظرة على نكسة سلاح الطيران"، وفي ظني أن تلك المقالات لم يكن بمقدور أحد الإقدام عَلى نشرها بما فيها من انتقادات حادة طالت النظام وأركان الحكم دون ضوء أخضر من الرئيس، بل وأكاد أقول دون تنسيق معه. فقد وجه النقد المُباشر والصريح والدامغ لقادة هذا السلاح وجوانب الإخفاق الكارثية، والفرص الضائعة، ووقائع مُذهلة وقع فيها قادته، رغم تحذيرات مُسبقة من عبد الناصر في اجتماع القيادة العليا للقوات المسلحة يوم الجمعة 2 يونيو/ حزيران 1967، وحضره عامر وباقي القادة ومن بينهم الفريق صدقي محمود قائد سلاح الطيران وكل معاونيه.

كان الرأي العام إذن على دراية كاملة بكارثة الطيران على النحو الذي سرده هيكل فضلًا عن مشاهدتهم واستماعهم لخطاب عبد الناصر أمام المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي يوم 23 يوليو/ تموز في قاعة الاجتماعات الكبرى بجامعة القاهرة، وتحدث فيه لنحو ثلاث ساعات عن وقائع وخبايا الهزيمة من الناحية السياسية والعسكرية، وتحديدًا لوقائع اجتماع يوم الجمعة، الثاني من يونيو، قبل اندلاع الحرب بأكثر قليلًا من 48 ساعة.


على وقع ذلك كله إذن اندلعت مظاهرات فبراير الغاضبة في المدن المصرية الكُبرى، وخصوصًا تلك التي توجد بها جامعات حيث حضر الطلبة بقوة في هذه المظاهرات. لاحقًا، وبعد أسابيع عندما هدأ الغضب في الشارع، سيصدر الرئيس جمال عبد الناصر بيان أو برنامج 30 مارس، ثم يبدأ رحلته في عموم البلاد من أسيوط الى الإسكندرية والمنصورة وكفر الدوار وحلوان والقاهرة، يشرح برنامجه للتغيير، ويصف حركة الطلاب بـ "الظاهرة الصحية"، وأن حالة عدم الرضّىّ عند الشعوب هو دليل حيويتها، وحالة النقد الصحي والبّنّاء عند الشباب لبُرهان أكيد ودليل حاسم عَلى وجود طاقة للأمل في مستقبل الوطن، وأن الثورة لا يمكن أن تتناقض مع شباب مصر، وإذا تناقضت مع الشباب فالثورة ليست في الطريق الصحيح.

وعاد عبد الناصر لاحقًا، بعد مظاهرات طلابية اندلعت في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه، إلى تحليل أسباب الغضب الطلابي أثناء اجتماع المؤتمر القومي العام للاتحاد الاشتراكي، حيث يورد محضر جلستها على لسانه "أنا في رأيي إن إحنا مش قادرين نقود الطلبة، ولازم نواجه الأمور بصراحة وبوضوح إذا لم نكن قادرين على القيادة".

لم نتفق أنا وزملائي في وحدة منظمة الشباب على طريقة للتعامل مع هذه المظاهرات التي خرجت بشكل عفوي يعكس غضبًا مسؤولًا، يشبه غضب الأبناء من أبيهم دون أن يعني ذلك أنه فقد احترامه وتقديره لديهم. فقط انخرطنا فيها بتلقائية وشاركنا بحماس وهتفنا بصدق، ولكنَّ ثلاثة مشاهد كنت جزءًا منها، ستظل محفورة في مكانة مميزة في الذاكرة.


مشهد أول

في كليتي التي تقع في منشية البكري بالقرب من بيت الرئيس، وإلى جوار مدرسة الطبري التي اعتاد أن يدلي بصوته أمام لجنتها الانتخابية، انطلقت التظاهرات الغاضبة وجال آلاف الطلبة مُحاطين بأسوار مُحكمة وجدران عالية. كان للكلية مدخلان، ما جعل محاصرتها من جميع الجهات بقوات أمنية كثيفة أمرًا سهلًا، فالاعتبارات الأمنية كانت لها حساباتها القصوى، إذا أخذنا في اعتبارنا وجود مؤسسات ومنشآت عسكرية كبيرة وكثيرة تعج بها منطقة مصر الجديدة، بما فيها منطقة منشية البكري، حيث بيت الرئيس.

توقف آلاف الطلاب، شبابًا وفتيات، عن محاضراتهم، وكنت واحدًا منهم مع عدد كبير من زملائي في وحدة منظمة الشباب بالكلية، التي كانت تتميز بنشاط ملحوظ. كفّت المحاضرات إذن ليخرج الطلاب من مدرجاتهم وقاعات دروسهم ومعاملهم، محاولين تحطيم البوابة الرئيسية التي تُطل على ميدان روكسي، وتجاور خط المترو الرئيسي الذي يخترق منطقة مصر الجديدة، تحت حصار قوات الأمن الكلية من جميع الجهات.

بعد أن أحكم الدكتور صلاح مخيمر المدخل الرئيس للكلية بجسده ليجد آلافًا من الطلاب يندفعون نحوه لإبعاده عن طريقهم، تّجلت عبقرية الرجل.

وبرغم عدم انخراط وحدة منظمة الشباب مع تلك الاحتجاجات على مستوى التنظيم، فإننا في ذلك الوقت كنا تجسيدًا واعيًا، إذا جاز التعبير، لحالة "الغضب المسؤول". فالاحتجاج والغضب مشاعر إنسانية ضرورية وطبيعية لمن هم في سنوات المراهقة، لكنَّ حدود الغضب عندي وعند زملائي لم تخرج عن رحاب الكلية، ولا تتعدّى أسوارها. كان غضبنا من عبد الناصر طبيعيًا، فرغم إعجابنا بشجاعته في الإعلان أكثر من مرة عن مسؤوليته عن الهزيمة، فإن الأحكام الصادرة بحق قيادات سلاح الطيران جددت مشاعر غضب تشبه غضب الأبناء من أبيهم؛ نعرف قدره، ونحبه، ولكن من حقنا "الزعل منه". ولذلك بدا ضروريًا أن يظل احتجاجنا داخل حرم الكلية، لنعبّر بالهتاف وبأي صورة سلمية أخرى عن غضبنا دون تخريب أو تدمير، فضلًا عن الحرص، كل الحرص، على عدم الصدام مع قوات الشرطة.

في ظل تلك الاعتبارات، لاحظت أن من أخذ هذا المسلك الواعي كانوا الغالبية العُظمى من الطُلاب، سواء من كانوا زملائي في المنظمة أو غيرهم، وفي تلك اللحظة لا أنسى ما حييت طوال عمري، هذا المشهد الرائع الذي كان بطله الدكتور صلاح مخيمر، فالرجل كان من أبطال حرب فلسطين عام 1948، التي أصيب أثناءها في عينيه وفقد بصره، رفيق سلاح لعبد الناصر. وبعد أن خرج من الخدمة العسكرية ذهب إلى فرنسا للحصول على درجة الدكتوراة من جامعة السوربون في علم النفس.

اتجه الرجل، الذي كان إلى جانب ذلك كله خطيبًا مفوهًا وصاحب شخصية قوية إلى حد الأسطورة، اتجه بسرعة نحو البوابة الرئيسية للكلية يحيط به زميلاه الدكتور عبده ميخائيل أستاذ علم النفس، الذي عادة ما كان يعتمد عليه في حركته، والدكتور عزيز حنا، وعدد من المعيدين والطلاب، يحمون الرجل العظيم الذي كان كل هدفه الحيلولة دون خروج الطلاب إلى الشارع. كان يخاف على أبنائه من الاصطدام بقوات الأمن.

وهنا، بعد أن أحكم الدكتور صلاح مخيمر المدخل الرئيس للكلية بجسده ليجد آلافًا من الطلاب يندفعون نحوه لإبعاده عن طريقهم، تّجلت عبقرية الرجل.

كنت أقف بالقرب منه، إلى درجة استطعت معها رؤية ملامح الرعب وهي تعتري وجهي مرافقيه عبده ميخائيل وعزيز حنا الذي كان أصغرهم عمرًا، لقد تملكهم الخوف من اعتداء الطُلاّب عَلى أستاذهم الكبير، الذي كان، بدوره، رابط الجأش، ورغم إحساسه بتدافع الطلاب نحوه، فقد أدرك للحظة، أن نفس هؤلاء الطلاب أحاطو به من كل جانب لحمايته، وفرضوا عليه طوقًا قويًا للذود عنه.

هنا بدأ هجومه المُعاكس، وتجلت مهارته كأستاذ لعلم النفس، فقد أطلق هتافًا قويًا، وكان رحمه الله يتميز بقوة الصوت بجانب قوة شخصيته، بسقوط أحكام الطيران، مُشككًا في نزاهة ووطنية قادة هذا السلاح المسؤولين عن الهزيمة، وظل يهتف ونرد عليه، أو نهتف نحن ويشاركنا هو، إلى أن اطمئن هذا الرجل العظيم إلى ابتعادنا عن الباب الرئيسي للكلية، ليعتلي أكتاف عدد من زملائنا أصحاب البنيان القوي، ويُفاجئنا بهتاف أقوى؛ "أنور أنور يا سادات أين قانون الحريات".

يدرك الرجل الذي لم يتوقف عن الهتاف أن المسرح الرئيسي للكلية الذي يستوعب نحو ألفي طالب تم تجهيزه، فاتجه إلى هناك بمن معه ثم اعتلى خشبة المسرح مُمسكًا بالميكروفون.

كان السادات وقتها رئيسًا لمجلس الأمة، أي البرلمان، الذي كان يناقش مشروع قانون يتعلق بالحريات العامة والشخصية منذ نهاية عام 1966، ولكنَّ التطورات المُتسارعة للأزمة التي أدت في النهاية إلى الحرب، حالت دون استكمال دراسته، ومن ثّم الموافقة عليه وإقراره.

اتجه الدكتور صلاح إذن بالآلاف من الطلاب إلى الساحة الرئيسية بالكلية حيث الملاعب الرياضية، مستمرًا في هتافه تحيط به الحشود من أبنائه، حتى نال منهم التعب مبلغه بينما كانت الشمس توشك على المغيب، ليدرك الرجل الذي لم يتوقف عن الهتاف أن المسرح الرئيسي للكلية الذي يستوعب نحو ألفي طالب تم تجهيزه، فاتجه إلى هناك بمن معه ثم اعتلى خشبة المسرح مُمسكًا بالميكروفون، ملقيًا خطابًا سياسيًا وطنيًا رائعًا مع قدرته المُذهلة عَلى تطويع مفردات اللغة العربية الثرية والغنية.

بدأ خطابه مُطالبًا السادات بقانون الحريات، ومنتهيًا بضرورات التحالف الوطني، معلنًا للرئيس عن استعداد الجامعات المصرية بطلابها وأساتذتها للتطوع في صفوف القوات المسلحة. وبعد أن انتهى، دعا من يريد من الطلاب الذين أشاد بوعيهم، إلى مشاركته الحوار ليمارس كل طالب حقه في إبداء رأيه بكل حرية، وبالفعل اعتلى المسرح الكثير زملائنا يبدون رأيهم بكل شجاعة، ولم تخرج مطالبهم عن ثلاثة: التطوع في الجيش لمواجهة العدو، ثم إطلاق الحريات السياسية وتحديدًا حرية الصحافة، ثم سرعة محاكمة قادة الطيران وإنزال أشد العقوبة عليهم.

وفي النهاية دعا الدكتور صلاح مخيمر الطُلاب إلى إصدار بيان باسمهم، موجه إلى الرئيس، يناشدونه عدم التصديق على الأحكام الصادرة من المحكمة العسكرية، وإحالة قادة الطيران إلى دائرة جديدة للقضاء العسكري، وتطبيق الرئيس مبدأ الحساب والعقاب بحق كل القيادات السياسية والعسكرية والمدنية، وتعميم أخلاقيات "الطهارة الثورية" التي تحدث عنها الرئيس في خطاب 23 يوليو 1967.


مشهد ثانٍ

في صباح اليوم التالي، حيث قضيت ليلتي نائمًا في بيت أخي الأكبر المهندس محمد زكي رحمه الله في المنيل، وبعد أن تأهبت للذهاب إلى كليتي التي تبعد نحو عشرين كيلومترًا، وجدت شارع المنيل الرئيسي يمتلئ عن آخره بآلاف طلاب وطالبات كلية طب قصر العيني، ومثلهم من طلاب جامعة القاهرة الذين جاءوا عبر كوبري الجامعة متجهين إلى جامعة عين شمس، ينضم إليهم عشرات الآلاف من عمال المصانع القادمين من مناطق حلوان ووادي حوف.

كان عمال المصانع الحربية، وخصوصًا عمال مصانع الطيران، هم وقود الغضب وشعلة تلك الانتفاضة، وكأن لسان حالهم يقول "كيف سمح لكم ضميركم يا قادة سلاح الطيران أن تذهبوا بجهودنا إلى موضع التهلكة لنا ولمصر؟" لقد بدا في ساعات الصباح الأولى، أي في نحو الثامنة والتاسعة، أن العمال القادمين من مناطق حلوان مصممون على دخول القاهرة، غير أنه عُرف بعد ذلك أنه تم الاتفاق بين قياداتهم ووزارة الداخلية، بأن يُسمح لهم بالتحرك حتى محطة "باب اللوق" دون الذهاب أبعد، خشية وقوع أي أعمال تخريبية تضر بالمنشآت العامة أو الخاصة، فضلًا عن الحيلولة دون انضمام جموع العمال إلى حشود الطلاب.

نجح وزير الداخلية حينها شعراوي جمعة في إبرام هذا الاتفاق مع عمال حلوان كما عرفنا في نهاية ذلك اليوم العصيب، من خلال بيانه أمام أعضاء مجلس الأمة الذي قال فيه إنه ذهب ومعه زميله محمد فائق وزير الإرشاد، أي الإعلام، وسامي شرف سكرتير الرئيس للمعلومات، إلى مواقع العمال في مصانعهم، والتقى بجموعهم في مناطق وادي حوف وطرة والمعادي وكورنيش النيل، وبعد ذلك توجه المسؤولون الثلاثة إلى مستشفى حلوان العام لعيادتهم والاطمئنان عليهم، حيث أُصيب عدد محدود منهم بإصابات غير خطيرة بسبب صدامات مع رجال الشرطة الذين استخدموا ما يُعرف بطلقات الرش في مواجهة الجموع الغاضبة.

في هذا اليوم كُنت واحدًا من بين هؤلاء الآلاف، وكان واضحًا بالنسبة لي استحالة الوصول إلى الكلية بينما شوارع القاهرة مُغطاة بعشرات الآلاف من المتظاهرين.

كان لافتًا أن تلك الجموع الهائلة لم تقترب بهتاف معادٍ للرئيس، باستثناء مجموعة صغيرة كانت قريبة من مسجد صلاح الدين القريب من كلية الطب تقول "لا صدقي ولا الغول عبدالناصر هو المسؤول"، وكان المقصود بـ"صدقي" الفريق صدقي محمود قائد سلاح الطيران، والغول هو اللواء صدقي الغول قائد الفرقة الرابعة المُدرعة في الحرب، ولكن سرعان ما انحسر الهُتاف وانزوىّ أصحابه.

بدا لي هذا الهُتاف مُستفزًا، وفيه من التزّيد والتطرف ما يجعل رفضه منطقيًا؛ فمنذ متى تهرب عبد الناصر من مسؤوليته عما حدث؟ لقد تحمّل الرجل مسؤوليته بكل شجاعة فور وقوع الهزيمة، وأنه المسؤول عنها ولا يسمح لأحد ممن شاركوه القيادة بأن يتحمل نصيبه منها، قال هذا في خطاب التنحي في يوم التاسع من يونيو، وأكده مرة ثانية في خطابه يوم 23 يوليو من العام نفسه.


كانت الهتافات جميعها تُطالب بالحريات ومحاسبة المسؤولين العسكريين عن الهزيمة، وإذا حاول طالب أو مجموعة من الطلاب الخروج عن هذا المسار، كان غالبيتهم يقومون بتصحيح الهُتاف والحفاظ على التظاهرة دون استفزاز قوات الأمن، التي لاحظتُ أنها كانت تأخذ مواقعها بعيدًا عن شارع المنيل الرئيسي، وتبيّن بعد ذلك، ومن واقع شهادة شعراوي جمعة* أنه فوجئ وقيادات وزارته بمظاهرات مُعادية للنظام لأول مرة منذ قيام ثورة يوليو، حيث كانت التظاهرات السابقة مؤيدة لعبد الناصر ونظامه. لم تكن القوات التي وجدت نفسها في الشارع أمام جموع بهذا الحجم مؤهلة للاضطلاع بتلك المهمة الصعبة، ومن هنا كانت الأوامر المُشددة لتلك القوات بعدم الاقتراب من الجموع الحاشدة، وهذا ما أدى إلى انخفاض أعداد المُصابين سواء من الطلاب أو العمال.

مّرت التظاهرة بسلام واتجهت جموع الطلاب إلى شارع قصر العيني نحو مجلس الأمة، وعند وصولهم إلى هناك خاطبهم السادات من نافذة مكتبه، وطلب لقاء عدد محدود منهم، نحو عشرة من قياداتهم، للتباحث والوصول إلى حل لوقف هذه المظاهرات ومعرفة مطالبهم.

كانت الهتافات تُندد بأحكام الطيران، وتطالب بمزيد من الحريات، غير أن المُفاجأة التي عرفناها بعد ذلك أن غالبية هذه القيادات من الطلاب كانوا أعضاء في منظمة الشباب، ومجموعات التنظيم الطليعي في الجامعة، التي كانت في مراحل تكوينها الأولى، أسماء مثل محمد فريد حسنين طالب هندسة القاهرة ورجل الأعمال فيما بعد، وعبد الحميد حسن طالب طب القاهرة ورئيس اتحاد طلاب مصر، وأحمد شرف الطالب بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية عضو اللجنة المركزية لمنظمة الشباب، وأحمد عز الدين الطالب بكلية الزراعة والقيادي في التنظيم الطليعي بقطاع الطلاب وقتها وأحد أبطال حرب أكتوبر فيما بعد.

غير أن مفاجأة غير سارة كانت في طريقها إلينا عقب اجتماع السادات بالقيادات الطلابية على الفور، فقد ألقي القبض عَلى عدد منهم فور خروجهم من مكتبه، مما زاد من أسباب الغضب، ليتجه الآلاف إلى ميدان التحرير القريب من مجلس الأمة ويعتصمون في القاعدة الجرانيتية الهائلة التي تتوسط الميدان، والتي أسماها الشاعر أمل دنقل خلال مظاهرات الطلاب في شتاء عام 1972 بـ "الكعكة الحجرية".


كان شعراوي جمعة وزير الداخلية في الشارع هو وزميليه محمد فائق وسامي شرف يقنعون جموع العمال بالتوقف عن الزحف إلى القاهرة، عندما ترددت أنباء القبض على الطلاب باعتبارها اجتهادًا خاصًا من رئيس حرس مجلس الأمة، ودون معرفة السادات. ترك هذا القرار أثره الخطير وانتهى الأمر؛ لقد قرر الآلاف الاعتصام في ميدان التحرير والمبيت فيه حتى يتم الإفراج عن زملائهم.

عند السابعة مساءً وصل شعراوي جمعة إلى المجلس الذي كان في حالة انعقاد دائم، وألقى بيانًا عاجلًا ومُرتجلًا، بيانًا عاطفيًا، كان موضعًا لانتقاد عبد الناصر فيما بعد، لأنه استخدم اسمه في بيانه غير مرة، وفي مواضع غير مُلائمة، حيث قال في أحد فقرات البيان إنه ينقل إلى الرئيس "تحيات القيادات العمالية التي التقاها في مستشفى حلوان العام أو في تجمعاتهم".

لاحقًا حكى شعراوي جمعة في إطار شهادته خلال برنامج وثائقي عن ثورة يوليو قمت بإعداده وإخراجه في منتصف الثمانينيات، أن الرئيس أخبره أنه "مع افتراض صحة تلك التحيات من القيادات العمالية، وأنا أصدقك فيما تقول، فإنّ الأمر يبدو في هذه الظروف وحالة الغضب العامة التي تشمل كل الناس، نفاقًا غير مقبول ولا معقول".

كان مجلس الوزراء برئاسة عبد الناصر مُجتمعًا في مقره بالقصر الجمهوري بالقبة، وظل الرئيس على اتصال بالوزراء المعنيين، غير أن التطورات اتجهت إلى التصعيد، فعند سماع خبر إلقاء القبض على القيادات الطلابية زاد الأمر اشتعالًا في ميدان التحرير، وبدا تصميم الطلاب على المبيت في الميدان لا رجعة فيه.

أما في جامعة الإسكندرية فكان الموقف أكثر خطورة؛ لقد ذهب المحافظ، وبقرار خاطئ منه، إلى حرم الجامعة حيث آلاف الطلبة المحتجين، فاحتجزوه. كان الموقف عصيبًا.

استشاط شعراوي جمعة غضبًا عندما عرف بخبر اعتقال قيادات الطلاب الذين التقوا بالسادات، وأمر بالإفراج الفوري عنهم، وأخذ بعضهم إلى ميدان التحرير لإقناع الآلاف بضرورة فض الاعتصام، والتحذير من خطر البقاء في الميدان.

أما في مجلس الوزراء فطلب الفريق محمد فوزي استخدام حقه كوزير للحربية في إحالة محاكمة قادة سلاح الطيران إلى دائرة جديدة، ولم يصدّق عَلى تلك الأحكام التي رفضتها جموع الشعب، واتخذ المجلس قرارًا بفرض حظر التجول عند الساعة الثانية عشر ليلًا وحتى الخامسة صباحًا، في كل من القاهرة والإسكندرية، مع تعطيل الدراسة في الجامعات الى أجل غير مُسمى.


المشهد الثالث

ساهمت قرارات مجلس الوزراء في الليلة السابقة بقوة في تهدئة الموقف رغم أن الطلاب باتوا ليلتهم في ميدان التحرير ولم تفض الشرطة اعتصامهم، بينما بدا حرصهم في المقابل على عدم مواجهة الشرطة أو التوجه إلى الشوارع المؤدية للميدان قرارًا وطنيًا عظيمًا يعبر عن وعي لا تخطئه العين.

كان مشهدًا مؤثرًا ونادرًا وعظيمًا، سرت معهم إلى منطقة غمرة، غير أنني كنت مُلزمًا باللحاق بموعد قطار "سبعة وعشرة" مساءً، وهو آخر قطار بإمكانه أن يعيدني إلى مدينتي، الزقازيق.

ورغم التهدئة، كان عشرات الآلاف من طلاب جامعة القاهرة يتوجهون من جامعتهم إلى جامعة عين شمس في ثالث أيام التظاهرات، فعند ساعات العصر وقبل قدوم المغرب، كان عشرات الآلاف من طلاب جامعة القاهرة يتوجهون من جامعتهم إلى جامعة عين شمس عندما شهدتُ، في ميدان رمسيس، مشهدًا جليلًا وعظيمًا من أيام مصر الخالدة.

لقد أجمعت هذه الجموع النادرة والهادرة على ترديد نشيد وطني واحد، خالٍ من أي هتاف. "مصر مصر مصر أمنا، ومجدنا وفخرنا وعزنا، نيلها الحياة، شعبها الأبي وجيشها فداه...." إلى آخر هذا النشيد العظيم والرائع والمُعبر، لم أسمع صوتًا مُخالفًا أو نشازًا، ولا همسًا، وبدون أي مُبالغة لم أرَ في حياتي هذا الهدوء والسكون والجلال الذين يشملون هؤلاء العشرات الآلاف من البشر، سوى في ظلال الحرم المكي، وحول الكعبة المُشرفة، عندما كنت أؤدي فريضة الحج في صيف عام 1990، مع حفظ اعتبارات القداسة للحرم بطبيعة الحال.

سرت في هذه المظاهرة القادمة من التحرير إلى شارع رمسيس والمتجهة الى العباسية حيث جامعة عين شمس، سرت معهم نُردد هذا النشيد، ويختلج صوتي بالبكاء، فالنشيد مُعبر حزين الكلمات واللحن، وإذا أضفنا الى ذلك هذا الجو الكئيب الذي صنعته النكسة، فالمشاعر كانت جياشة حزينة، ولكنه حزن نبيل وجليل. لم يخرج طالب واحد في تلك التظاهرة العظيمة عن ترديد هذا النشيد، والدموع تملأ العيون والوجوه الغضة النقية الشريفة، طلابًا وطالبات، تكسوا ملامحهم حالة من العزم والتصميم ومسحة من الحزن الذي يهز الأعماق تبتلًا وجلالًا.

كان مشهدًا مؤثرًا ونادرًا وعظيمًا، سرت معهم إلى منطقة غمرة، غير أنني كنت مُلزمًا باللحاق بموعد قطار "سبعة وعشرة" مساءً، وهو آخر قطار بإمكانه أن يعيدني إلى مدينتي، الزقازيق، ولم أكن راغبًا في العودة مرة ثانية إلى بيت أخي في المنيل، حيث دخلت عليه قبل الواحدة صباحًا في الليلة الماضية بعد أن تركت اعتصام ميدان التحرير، قبل نحو ساعة من بدء ساعات حظر التجول. وعندما وصلت إلى منزلنا في الزقازيق، كانت السلطات بدأت فعلًا في تنفيذ قراراتها بوقف الدراسة في الجامعات المصرية الأربعة حينذاك؛ القاهرة وعين شمس والإسكندرية وأسيوط.


* وردت المعلومة في وثائقي سنوات التحدي والكبرياء إعداد وإخراج كاتب هذه السطور، وأيضًا في كتاب مذكرات شعراوي جمعة: وزير داخلية عبد الناصر من إعداد محمد حمّاد، صادر عن مركز الترجمة والنشر في الأهرام.