لوحة إغريقية لولادة هرقليز- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

حفرة زبيدة: كيف يُقتل الأب في أدب الرجال

"علاقة الأب بابنه علاقة غامضة على الرغم من وضوحها السطحيّ، أحيانًا يتدفق منها الحنان وأحيانًا تتجمد بالقسوة، عَرَجي هذا الذي تراه ما هو إلا عاهة صنعها أبي في ساعة غضب، أما أخلاق الرجل الحقيقية فتُقيَّم على ضوء علاقته بالآخرين...".

مُقتطَف من رواية قلب الليل لنجيب محفوظ

حين لجأتُ إلى جوجل لأرى ما ستُرشدني إليه كلمات مُفتاحية، مثل:الأب/الرواية المصرية/ الرواية العربية؛ وجدتُ النتائج تتمحور في معظمها حول مقالات ورسائل ماجستير تناولت صورة الأب في الأدب الذي تكتبه المرأة، وتظهر في كثير منه أقرب للآلة المُدمِّرة المعروفة باسم الذكورية أو البطريركية في معركتها المعهودة ضد المرأة أكثر منها صورة النوع البيولوجي المحدد لكل جنس، لكن ما أرغب في تقصيه هو صورة الأب السلطوية من وجهة نظر كُتّاب ذكور، حيث يتخذ الصراع أبعادًا مختلفة عن الصراع النوعي، وتكون المعركة أشبه بسقوط المعبد على ذاته.

في كتابه سيكولوجية الشعوب يوضِّح جوستاف لوبون أن احترامنا للقادة والرؤساء على منصّاتهم ينبع في أصله من تبجيلنا للأب العادي الذي ألفناه في بيوتنا، وفي المقابل يرى سيجموند فرويد في كتابه الغريزة والثقافة، أن الأبناء الذين يستطيعون في مراحل مُبكِّرة الاشتباك ضد الرمز الأبوي وتحطيمه، يُعزز لديهم فيما بعد الحِسّ الثوريّ في شتى مجالات الحياة؛ فهُم يرون في المديرين والمؤسسات والمُنافسين صورة الأب الذي قتلوه، وكأنه يتحول لمسخ وكل قطعة منه تُوزَّع على كل خصم جديد يقابلونه"فالطفل الصغير يعتبر والديه السُلطة الوحيدة في البدء... لكن يتضح هنا تأثير جنس الطفل، بحيث أن الصبي يميل إلى الانفعالات العدوانية إزاء أبيه أكثر من أمه".

حفرة زبيدة

لم يكن نموذج السيد أحمد عبد الجواد في الثلاثية المحفوظية مُحيِّرًا في غطرسته بقدر انقلابه إلى أعجوبة حين يحدث التماهي بين الأب والابن وقت تجمعهما نزواتهما تحت سقفٍ واحد في أحد بيوت الدعارة، فالابن الأكبر يدخل ويجد أباه في حضن زبيدة العالمة بل والأدهى أنه يتحزّم ويرقص كالغوازي، فيُقتل في لحظتها ذلك الغول الذي رباه وغذّاه أولاد أمينة في مُخيلتهم ويتهكم ياسين في سره قائلًا "إن كان رب البيت بالدف ضاربًا".

هنا يخسف نجيب محفوظ في رمشة عين بصورة الأب المُهاب ويجعله شريكًا للابن تحت مطلب اللذة، بل إنهما حين يُحاصرا في الشارع مِن قِبل جنود الاحتلال البريطاني ويُأمرا بالعمل بالجواريف، يتشاركان نكتة إباحية يقارنان خلالها بين مقاس الحفرة المطلوب ردمها و"حفرة" زبيدة، والنكتة هنا ليست مجرد مزاح وإنما الدرجة التي يرتقي إليها ياسين في علاقته مع أبيه حين وُضِعا في خندقٍ واحدٍ، وهي مهربهما من العجْز المُشترك.

غلاف رواية "التلصص" لصنع الله إبراهيم

تظهر الصورة التقزيمية نفسها للابن في سرديات الأجيال التالية، فنجدها مثلًا في الصياد واليمام لإبراهيم عبد المجيد حين يشرد الابن ويناجي أباه في سره قائلًا "خذني معك أصطاد، أنت كبير تصطاد اليمام وأنا صغير أصطاد العصافير"، ونجدها متبلورة عند صنع الله إبراهيم في التلصص (الرواية التي استطاع فيها أن يُضفِّر علاقته الذاتية مع أبيه بنبرته الحكائية التي تتجاوز فعل تدوين المذكرات) حتى أن الغلاف يعبّر بصريًا عن هذا التضاؤل، وهذا ليس بغريب عن مشروع الكاتب برمته الذي تأثّر في مناحي كثيرة بالمعضلة الكفكاوية، ففي رواية التحول يظهر الأب وهو ينهال على ابنه الذي صار حشرة بالمكنسة في محاولة لسحقه، لكن صنع الله يتجاوز محفوظ وكافكا ويكسر قدس الأقداس بالتلصص في أحد فصول روايته على عورة أبيه فيُشبّه عضوه الذكري الظاهر من تحت جلبابه برأس القط، وتنضوي طبيعة التشبيه وقصدية المشهد نفسه على تجرؤ كبير، ليس أخلاقيًا وإنما يسعى إلى خلخلة عنصر الإهابة.

وكرر صنع الله ثيمة الأب لكنها اتخذت صورة الحارس في تلك الرائحة حين كانت الغارات تتوالى على بيوت المواطنين العُزل فيأخذهم أبوهم إلى القبو، ثم كررها ولكن في صورة القائد/الزعيم الذي يظهر شبحه في الزنازين والشوارع والمقرات في رواية 67، وهي الصورة التي تبدو مسيطرة على الكاتب نفسه، الذي صرّح في حوارٍ صحفيّ بأن "عبد الناصر شخصية روائية من الطراز الأول"، وتتجلى في أحدث أعماله 1970، حين يتحول فيها الرئيس من قائد سياسي لصورة الأب الجمعي التي تحدث عنها جوستاف لوبون، ومثل كل الآباء، يضرب الزعيم بيدٍ من حديد وحين يموت ينكسر مُعاقَبوه ونراهم أوّل المحزونين.

غياب الفحل

يشكِّل موت الأب نقطة الانطلاق في كثير من الأعمال السردية المؤثرة، فرواية بداية ونهاية، مثلًا، يبدأ فصلها الأول باستدعاء الابنين من فصلهما لإخبارهما أن أباهما توفي، ليبدأ مسلسل جحيمي طويل ينتهي بمصائر سوداوية لهما ولأختهما، وتتكرر المرثية الأبوية نفسها في أنا وهي وزهور العالم ليحيى الطاهر عبد الله "قالت كان كذا، وكان كيت، وكان وكان، أشياء تعرفها هي وحدها دون سائر البشر، كانت نكدة وكان يحبها أكثر مما أحبته، لهذا مات".

وفي السراب، التي تدور حول ابن مُدلل من عائلة باشاوات يُدعى كامل رؤبة لاظ، يتنازل الأب عن دوره في تربيته على عكس الأم التي أسبغت على علاقتهما شكلًا "أوديبيًا" صانعة منه دُميتها، فينتهي تكوينه الرجولي حاملًا شيئًا من الخنوثة والعنّة يُرجِعهما كامل في أحد حواراته الذاتية لوالدته مُقرِّرًا أنه راح ضحية هوسها به، وهنا يتحوّر موت الأب عند نجيب محفوظ من المعنى الماديّ للوقع النفسانيّ، وبعد أن حطّم مصير أُسرة صار يحدد ميول الابن الجنسانية.

وفي الرواية المصرية المعاصرة، ثمة حوار ذاتي شبيه عند حاتم رشيد، الصحفي المِثلي في رواية عمارة يعقوبيان لعلاء الأسواني، حيث يرثي حاتم، المُنحدِر من عائلة أرستقراطية، حالة التضييق والتنمُّر التي يتعرض لها من قاطني العمارة وأصحاب المحلات بسبب هويته الجنسية فيُرجِع كل شيء لوالده الذي لم يجد وقتًا ليرعاه، وكيف أن إدريس الخادم اعتنى به وتحت ستار هذه العناية أباح لنفسه التحرش بالولد، وهناك مشهد مُقارِب جدًا للحالة نفسها في طيور العنبر لإبراهيم عبد المجيد حين يموت الأب ويذهب الغلام ليبيت في دكان الأعرج، فيستغل إيواءه ويمسّده في نومه.

ثم تتجدد الحبكة نفسها عند محمد عبد النبي، فالبطل في روايته في غرفة العنكبوت مِثليّ دون مواربة أو تلميح، يترك له الروائي بحبوحة في التعبير عن شهيته للرجال، وفي أحد حواراته مع نفسه يطرح نفس النظرية التحليلية (تعويض الفُقدان الأبويّ بعُشّاق ذكور) مع فارق أنه على عكس الشخصيتين السابقتين (عند محفوظ والأسواني) يسخر من ذلك الطرح ويتجاوزه، والمُهم عنده ليس النتيجة لأنه لا يعتبر مثليته شيئًا مُشينًا بل يراه يُكمِّله فيبحث عن طرقٍ آمنة ليُمارسه بعيدًا عن رقابة الأخلاق والدولة، وفي أحد الفصول يُدهشنا وهو يتساءل إن كان عريس أمه يصلح له هو أيضًا، وهنا غياب الأب يقلب المُعادلة وينقلب الابن نِدًا لأُمه في مشاركة فريسة واحدة.

سجن الرب

في الستينيات طوّر نجيب محفوظ فكرة الاختفاء الأبوي وأسبغ عليها شكلًا لاهوتيًا في عمله شديد التفرد أولاد حارتنا، ثم عاد ومارس اللعبة نفسها في قلب الليل، ففي الأولى يُعاقِب الجبلاوي (الأب) أبناءه لمجرد كسرهم وصيته واقتحِام مخدعه بالطرد خارج بيته الكبير، ثم يعتكف في حجرته لآخر الأحداث بينما تتعاقب في الحارة أجيال ويُقتل فتوات وهو في عزلته رابضٌ، حتى يُخيّل للقارئ أنه هو المسجون وليس أبناءه المطرودين.

إذا دقّقنا في اختيار محفوظ لطبيعة اسم الشخصية سنجده مُشتقًا من فعل "جبلَ" بمعنى "خلقَ". ونموذج الأب هنا يتزحزح، رغمًا عن أي قارئ مُتحفِّظ وبحُكم تكنيك "الأمثولة"، من كهف الإنسان إلى عرين الإله في سفر التكوين، الذي تكررت تجلياته لاحقًا في بقية المذاهب الإبراهيمية "وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ"، ولم يكن لمحفوظ أن ينغمس في هذا الاتجاه (الذي اعتُبِر كُفرًا وعرّضه لمحاولة اغتيال) لولا اطّلاعه على التوراة وتأثُّره بفكرة الثالوث المسيحي الذي يربط مفردة "الأب" بمطلح "الآب" أي الله ضابط الكون.

فريد شوقي في دور "جعفر الراوي" من فيلم في قلب الليل

أما في قلب الليل، فالحبكة لا تختلف كثيرًا وإن كانت تأخذ طابعًا أرضيًا، فالجد الكبير "الراوي" يطرد ابنه لأنه وقع في غرام فتاة جميلة لكنها بلا نسب شامخ وأُمها مجرد دلّالة من حارة "مرجوش"، ثم يطرد الحفيد لأنه قرر التزوج من غجرية راعية أغنام، فالأب المُعاقِب واحدٌ والمُعاقَبون مِنه هُم مَنْ يتغيّرون، وبنفس التُهمة إياها، حتى تصف الخدّامة حال البيت في أحد الفصول قائلة"كأنه مع بدء الأفراح فيه تبدأ المصائب" والطرد تبقى آثاره باقية أبد الدهر، فالأبناء ينشأون مهزوزين كأغصان طرية سريعة الاستثارة والغيرة، يتوهّمون المنافسة في كل مَنْ يخطو لدائرتهم.

والمتاهة الأبوية هنا تأخذ بُعدًا مُخيفًا عن أولاد حارتنا، فهي تُرسّخ لقاعدة مفادها أن الأبناء لا يرثون من آبائهم فقط التشوهات الجسدية كالصلع والكرش والزوائد الجلدية، وإنما يأخذون الطباع الداخلية أيضًا، وهو ما ألمح إليه محفوظ أيضًا من خلال شخصية ياسين في الثلاثية، حين يتشارك مع أبيه للمصادفة المومس نفسها، فيما يتوقف فعل الاختفاء الجبلاوي وينقلب في قلب الليل لمطاردة سيزيفية يقتفي فيها شبح الأب الابن حتى ينصاع له ويُقلِّد خطواته كنوع من الاستنساخ والفوز ببقاء الصورة الأولى، ولمرة وحيدة يتفق الاثنان أو قُلْ يمتزجان ببعضهما فلا نعود نُفرِّق بين أحدهما والآخر، ولعل هذا ما ينطبق عليه بالحرف قول نيتشه "مَنْ يُصارع بوحشية وجب عليه أن يُحاذر من أن يصبح هو ذاته وحشًا، وإذا نظرتَ في الهوة طويلًا، فإن الهوة تنتهي بأن ترى من خلالك".

إذًا، وعلى خلاف الصورة البطريركية التي تظهر في كتابات النساء، منبعثة من حيواتهن الشخصية مع الوضع في الاعتبار موضعهن كإناث ونظرهن للمشكلة حسب نوعهن المضاد، فإنها تتحوّل في سرديات الأدباء الذكور إلى ما يشبه قُبلة يهوذا الخشنة على وجه الأب الذين من صُلبه خرجوا، ونفس تشريحه الجسماني حملوا، لكنهم صرخوا في مخادعهم صرخة مدوية مُحال أن تكتمها صفحاتهم مهما كانت بكماء.