نقل العفش قبل ليلة الفرح في أحد الأحياء الشعبية. الصورة: فابيان كروننبرجر، فليكر- برخصة المشاع الإبداعي

نظرة على أغاني المهرجانات والراب: أين ذهبت الضحية؟

الغناء من موقع الضحية، هو واحد من التيمات المحببة للغناء الشعبي، كبكائيات حسن الأسمر في كتاب حياتي وأنا مين. امتدادًا إلى سنوات قليلة خلت، كانت تيمة طاغية تضمن النجاح والانتشار أزاحت في طريقها تيمة الغناء الشعبي من موقع الناصح، كمووايل محمد طه في خمسينات وستينات القرن الماضي والتي تعمل على تكريس قيم أخلاقية كالصبر على المكاره، والجدعنة، والصداقة، واختيار الشريك، ومعاشرة الكرام وتجنب الأندال، وهي امتداد طبيعي للراوي الشعبي في السيَر، الذي يحمل مجموعة من أكواد الحكمة التي تربط المجتمع ويعبر فيها عن خلاصة خبرته ويشير إلى طوق نجاة أفراده.

أزيح موقع الناصح تدريجيًا لصالح موقع الضحية، التي تعاني من غياب الأخلاق ونذالة الآخرين وشرورهم، رغم أن الضحية نفذت كتاب الأخلاق كما أرسل لها من موقع الناصح كاملا، ولهذا السبب تحديدا هُزمت كما تتغنى: " لم أبع صديقي، لكنه باعني" "قدرت الناس فخسرت" "كنت وفيا فتعرضت للخيانة" " لم تعطني الدنيا رغم نزاهتي وأعطت الخسيس"، كأن مضمونها تبرؤ من ثقل الأخلاق ووطأتها، وربما زيفها؟، لكن تحت ذلك السطح من البراءة، تختفي نبرة من النفاق، تحافظ على الأخلاق لنفسها وتنفيه عمن سواها، لكن بمنطق من يحمل فوق ظهره عبئا لا وسيلة للنجاة، يضحي من أجل الحفاظ على الكود الأخلاقي، رغم كل تحول وكل هزيمة، لا من أجل الحفاظ على نفسه.


تيمة الضحية، هي أيضا تيمة تفوق عبر ادّعاء المثالي، لكنها أيضا تمهيد لشر مطلق مكتوم، إذا ما كنت دومًا صادقًا في مجتمع كاذب، نقيًا وسط مزيفين، إذا ما شيّئت الآخر كشيطان مع إسقاط الظروف التي تدفع الجميع للتلاعب، إذا ما رأيت مَن حولي عبر عين الجريمة، فما هي الخطوة التالية سوى ارتكابها بدم بارد مع شعور بالاستحقاق والعدالة؟

عند نقطة ما يتلاشى الفارق بين عين القاضي وعين المجرم، حيث لا سبيل لاثبات جريمة إلا عبر ارتكاب واحدة، إنها انعكاس أيضًا لمجتمع فاسد، كاذب، قاس، متوحش بالضرورة، يتجهز لاستباحة بعضه عبر ادعاء تفوقه الأخلاقي، لا يستثني في ذلك المغني ولا المستمع، ينكر ذلك المجتمع أن تركيبته تتسارع في التغير، لم يعد هو نفسه يؤمن بأن النجاة تكمن في مثله المتهاوية.

هل يمكن مد الخط على استقامته والحديث عن ما تفتعله المثل الذكورية المهترئة من محاولات التشبث اليائس بمواقعها والذي يدفعها إلى مزيد من العنف و البلادة والقسوة، تعالي المنتمي لدين والذي يشعره أن لديه الحق في محاصرة المختلف إلى درجة استباحة قتله، بل حتى الحرب غير الأخلاقية رغم تذرعها بالأخلاق والتي خاضها هاني شاكر ضد مغني المهرجانات، كاستعمال الضبطية القضائية، كي يخفي هدفه الأساسي: الهروب، غير العقلاني، من موته وموت جيله من المطربين، ولن يملك في هزيمته سوى استعمال صوت الضحية "لم تعطني الدنيا رغم التزامي بالطرب الأصيل وأعطت للخسيس"، لكن من داخله يتمنى لو تمكّن من فهم عدوه ومحاكاته، بل ربما يحلم سرًا "أن يغني مهرجانات، لكن بعد أن يطهرها من شرورها ويقومها على مازورته الفنية"، متجاهلًا في الوقت نفسه أن رغبته السرية تعني الخضوع لقانونها وأحكامها.


تشي أغاني الضحية برغبة خفية في التخلص من حمولة الأخلاق، الوعد الوحيد الممكن للانبعاث من جديد، فالضحية ليست فقط غير جذابة في جوهرها، بل أيضا متذللة، محنية الرأس، مهزومة، قد نبكي مع ادعاءاتها أو حتى لأسبابها الصادقة لفترة لكن دون احترام حقيقي، فعاجلا أو آجلا ستقع في فخ صناعة أساطير حول الظالم، ستنسب إليه جرائم لم يرتكبها فعلًا، هنا مكمن نجاته وإفلاته بجريمته، وستنسب إلى ذواتها براءة مضخمة تفقد حقيقتها كلما تغنت بها، مع التعزي بوعود تحقق العدل ذات يوم من تلقاء نفسه، وعود هشة تقع كلها في سراب المستقبل وخياله، بينما يزداد الظالم قوة ويغرس قدميه أكثر وأكثر في موقعه، ربما جزاء اجترائه على الالقاء بحمولة الأخلاق أسرع من سواه، يتقوقع المظلوم أكثر وأكثر داخل خيالاته وأوهامه، دون أن يدرك أن كل يوم يمر يمحو الفارق بين الظالم والمظلوم، تُفرغ قضيته من معناها لتصير نكتة، لا حل لاستعادة جديتها إلا عبر قبول موقعه الجديد ثم المناورة بروح أخرى، روح الظالم.

العنف الجديد

خلال العام والنصف الأخير، انزاح الغناء من موقع الضحية كتيمة طاغية، وحل محله عنف البهجة المطلق الذي لا يحده حد من أجل بسكوتاية مقرمشاية، بهجة مقدامة، متحللة من خجل الذات وضعفها، تكتسح محبوبها بغزل كالإعصار، أو أغاني تستحضر ثقة مفرطة بالنفس في مواجهة الجميع كعدو، كضحايا، أينما تلتفت لن تسمع إلا أغاني المهرجانات والراب المصري، التي تغني الآن من موقع القوة، هل أقول من موقع الظالم، رغم أن لا شيء من كلماتها يعكس الواقع، فالأجواء من حولنا لا تزداد إلا كآبة، الحب مازال مطاردًا كأفراده، الأنثى ليست محلا للعشق الذي يحمل معه الاستحقاق والتقدير لها كشريك مساو، بل للمقاومة والتحقير والاستعمال، ضغط أمني واقتصادي يزداد وطأة ويستنزفنا كأفراد ماديا وروحيا، لا ثقة في الغد أو في الذات أو الفردية المهانة عند كل ناصية، خاصة من الطبقة التي تنتج تلك الأغنيات، وبالطبع من يستقبلوها، هل يفلت أحد من دائرة البطش؟

إذن هذا هو الموقع الجديد للضحية، لم تعد هي من تغني، بل يُغنى ضدها، ولم يعد العدو الغامض يتسم بالشر أو النذالة، بل العجز الصارخ عن المنافسة أو ارتكاب الشر، عدم ارتقائه لمنازلة المغني الذي يعيد تشكيل نفسه كأسطورة لا تقهر.


أدرك بالطبع تأثيرات نقل الثقافة الموسيقية الأمريكية إلى الراب المصري، ومحاكاة لغة العصابات، بل أدرك أيضا أن التيمة ليست جديدة، بل يمكن إرجاع أصول الفخر والتباهي على المنافس، لا فقط إلى رواة السير الشعبية بل لبيت بشهرة "الخيل والليل والبيداء تعرفني..."، ما يشغلني ليس وجود التيمة التي لم تنشأ من عدم ولم تمح التيمات الأخرى، ما يشغلني هو اكتساحها الحالي للأذن، استسلامنا أخيرًا كأفراد أمام سطوتها، المفارقة أن بهجتها تزداد في تناقض كلما ازدادت الأوضاع سوء ، ثقتها وعنفها واحتقارها الكامل لدور الضحية، يتضاعف كلما فركت أرواحنا طاحونة جبارة تدعي إنها الوطن وقيمه.

هل هو بحث تلقائي عن توازن؟ صرخة غريزية، بلا تعقيدات، في مواجهة الرأس المحنية؟ أم استعارة لقناع لظالم، التنافس على الهروب من سطوته، تعويذة للهروب قد تخفينا عن عينيه؟ محاولة لصناعة ثقة وبهجة ضد عتمة الكآبة؟ اعتراف بأن مفهوم الأخلاق مهترىء وكاذب؟ أم لاستعادتها الجامحة للقدرة على التعبير عن العالم بلا مصفاة أخلاقية أو ثقافية ودون معايير الصوابية السياسية؟

كل الأوصاف ذكورية، حتى طريقة محبة الأنثى أو مجابهة العدو، عنف وغزو واكتساح وسكاكين مشهرة وقرابين، لكن مع ذلك نرقص عليها بلا تفكير أو تردد، ربما لصدق التعبير وتشكله من حوشية لا تزيف نفسها.

هل يبحث المثقفون أيضا عن مهرب من وطأة أخلاقية؟ هل هو استرداد للكلمة المفقودة المأخوذة مباشرة من فم الدارج واليومي، كما فعل سيد درويش في أغانيه مع بديع خيري، قبل أن يصير لدينا أدبين ولغتين موسيقتين: أحدهما متعالي وأنيق، والآخر محاصر بسطوة الرسمي، مدان بذنب غامض، ذنب وجوده.

تمرد للضحية أم إنكار للواقع؟ تمثيل عنيف بجثة المهزوم وقناعه، أملًا في انبعاث جديد، ميلاد قد يكتسح كل خيبة كالطوفان، أم تمهيد مماثل للغناء من موقع الضحية عبر تشييء الآخر كعاجز دنيء لا يليق بمنافستنا، ومن ثم سهولة قتله ونبذه، دون الاضطرار لمواجهة المنبع الحقيقي للظلم؟

لا أعرف.

لا أملك إلا أسئلتي، ولا أقنع هنا أن الأمور قد تكون أبسط من ذلك إلا من جهة الدافع الذي يحرك مغنيا يفك الخط بصعوبة ولا يقوده، ربما كالفنان في جوهره، إلا روحًا حوشية متوهجة، أما من جهة جمهوره فأشك، ثمة شيء يلبى. جني يستعد للهروب من قمقم أخلاقه التي طالما أنكر تحللها، أو للاختباء طويلًا داخله على أنغام إيقاعات وحشية راقصة، كهذه: