صورة برخصة المشاع الإبداعي. Andrea Dutto- فليكر

" أعوام" نجيب محفوظ: نواة تحطمت في الانفجار العظيم

في كتابه الأحدث الصادر عن دار الشروق أعوام نجيب محفوظ.. البدايات والنهايات، لا يكشف محمد شعير عن خبيئة جديدة لم يسبق نشرها لمحفوظ فحسب، بل يعيد قراءة الكثير من أعماله، ويواصل ما كان بدأه من قبل في كتابه أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة الصادر عن دار العين 2018، من تناول محفوظ وإعادة قراءته على نحو مختلف، فهو ليس ناقدًا أدبيًا يضيف إلى ماكُتب عنه من هذا المنظور، وهو كثير، ولاهو مؤرخ أو مشتغل بعلم الاجتماع، بل ببساطة يتناول إرث محفوظ الروائي الثري من منظور مختلف.

أود أن أشير في البداية إلى أن هناك في الأفق ما يشبه الظاهرة تلوح من بعيد، ومن خلال عدد من الكتب الصادرة في السنوات الأخيرة، لا يمكن تصنيفها باعتبارها كتبًا في النقد الأدبي أو التاريخ أو السياسة، بل تضيف إلى أجناس الكتابة جنسًا آخر، في سبيله للتشكل والاستقلال.

يمكن للواحد أن يذكر عناوين تلك الأعمال التي تشكل الظاهرة، حتى يكون مفهومًا ما أقصده.

سأورد على نحو عشوائي بعض العناوين وليس كلها، منذ المولودة لنادية كامل، وليس انتهاءً بـ الغرفة 304 لعمرو عزت، وما بينهما من أعمال مثل سيرة عنايات الزيات لإيمان مرسال، أو كتاب شعير السابق نفسه سيرة الرواية المحرمة. فـ"المولودة" ليست سيرة ماري روزنتال المسيحية ذات الأصل الإيطالي، ولا سيرة الأب اليهودي المصري، ولا سيرة سعد كامل اليساري المصري، ولا سيرة منظمات الحلقة الشيوعية الثانية فقط، بل هي جدارية كبرى لبلادنا وهويتنا ولانتصاراتنا وهزائمنا على مدى مايقرب من قرن من الزمان.

وسيرة عنايات الزيات ليست مجرد استقصاء لكاتبة أنهت حياتها في منتصف القرن الماضي، بعد أن أصدرت روايتها الأولى، بل هي أيضًا تفكيك وتضفير وتساؤل حول الواقع الأدبي والسياسي، وتقليب وإعادة حرث واكتشاف واستعادة، بينما كانت سيرة عمرو عزت الغرفة 304 تعبيرًا مختلفًا عن حقبة كاملة يتم تناولها من زاوية تخص راوي السيرة، وإضافة مهمة وشكل جديد من أشكال الكتابة، يواجه بها جيل كامل اختيارته وأسئلة وجوده. بينما كان كتاب شعير أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة، تحقيقًا وإعادة فحص ومحاكمة لواقع أدبي وسياسي، كان مسؤولًا على هذا النحو أو ذاك عن المناخ الذي تردينا فيه، وأفرز تحريمًا وتجريمًا للرواية، إلى الحد الذي دفع صبيًا لم يقرأ حرفًا لمحفوظ لطعنه بسكين في رقبته، وهو شيخ تجاوز السبعين.

أريد أن أصل إلى أن أيًا من هذه الكتب لا يمكن إدراجه وتصنيفه، بل هو ببساطة كتابة مختلفة. وإن كان ليس ضروريًا إطلاق اسم محدَّد عليها، فإن من المهم التأكيد على أنها كتابة مختلفة؛ كتابة عن كتابة، عن المتن وفي المتن، وليس على الهامش. وربما عدتُ فيما بعد للكتابة حول هذه النقطة تحديدًا، لكنني أؤكد الآن أنها إضافة وأنها تفتح أفقًا جديدًا. بالطبع ليس مطروحًا الآن البحث عما هو مشترك بينها، أو محاولة إيجاد سياق أو سياقات تجمع بينها، وإن كان كل هذا واردًا بالتأكيد.

غلاف كتاب أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرمة

على أي حال، أظن أنه من الواجب أن أشير، قبل تناول كتاب شعير الأخير، أن كتابه عن الرواية المحرَّمة لايقدم شرحًا أو تفسيرًا أو نقدًا أدبيا لـ أولاد حارتنا، بل يقدم متنا مستقلًا وموازيًا لمتن الرواية على مدى سبعة عشر فصلًا. يتضمن متن شعير تأريخًا ووصفًا وتقريرًا ضافيًا للأحوال السياسية والاجتماعية التي صدرت في ظلها أولاد حارتنا، ثم يتابع مراحل ووقائع الرفض والمصادرة والهجوم على محفوظ حتى محاولة اغتياله في أكتوبر/ تشرين الأول 1994 في ذكرى حصوله على جائزة نوبل 1988.

فعلى سبيل المثال، وحتى يتعرّف القارئ على مدى الدقة التي يتحلى بها المؤلف، ألتفتُ إلى أول هجوم تعرضتْ له الرواية قبل اكتمال نشرها مسلسلة في الأهرام، من جانب شاعر وكاتب أغان منذ أيام الملكية هو صالح جودت، نشر على صفحات مجلة المصور التي كان يعمل فيها، رسالة من قارئ "مخترَع" اسمه محمد أمين، يهاجم الرواية ويتهمها بالخوض في سيرة الأنبياء. الطريف أن الرسالة "المخترَعة" كان بها عنوان الراسل في أحد شوارع بنها، فسافر شعير إلى المدينة، وسأل كبار السن في الشارع الذي ورد اسمه في الرسالة إياها، وتأكد أنه لم يكن يقيم في ذلك الشارع، في أي وقت من الأوقات شخص بهذا الاسم، وكل ما في الأمر أن صالح جودت أراد أن يكون سبَّاقًا في الهجوم على الرواية وكاتبها، فلجأ لحيلة رخيصة وشهيرة في الصحافة الصفراء لذلك الزمان.

ويتسع الكتاب أيضًا لحصر كل الصدامات وأشكال القمع والمصادرة والهجوم على محفوظ، منذ هجوم مشايخ الأزهر عليه بسبب روايته عبث الأقدار 1939، ورفض الرقابة رادوبيس 1943، وإحالته للتحقيق بسبب روايته القاهرة الجديدة 1945 ، ورفض مجمع اللغة العربية لـ السراب 1948.

ومن بين الوقائع المؤكدة في هذا السياق أن عبد الحكيم عامر، الرجل الثاني في نظام عبد الناصر حتى هزيمة 1967، أرسل مرتين سيارة محملة بالجنود والضباط للقبض على محفوظ وتـأديبه. الأولى بعد أولاد حارتنا، والثانية بعد ثرثرة على النيل، وفي المرتين أوقف جمال عبد الناصر بنفسه القبض على محفوظ في اللحظة الأخيرة.

وإذا كانت تلك هي ملامح الواقع الذي استقبل محفوظ، فإن اكتشاف الخبيئة ذاتها، نص الأعوام، لم يكن خاضعًا للمصادفة.

أما في البدايات والنهايات فهو يتابع بالدقة نفسها سيرة محفوظ، ويربط بين بداياته، ممثلة في الخبيئة التي اكتشفها بعد رحيل محفوظ عن دنيانا، وهي رواية قصيرة كان كتبها في أثناء دراسته الثانوية، ووضع لها عنوان الأعوام، متأثرًا بسيرة طه حسين الأيام، وبين مجمل أعمال محفوظ التالية، وحسبما ورد في جملة لافتة على ظهر غلاف الكتاب "أن هذا النص، الأعوام، يشبه نواة تحطمت في الانفجار العظيم إلى عشرات الأعمال الإبداعية العظيمة، وصولًا إلى نصوص أصداء السيرة الذاتية، التي قطع فيها محفوظ نفسه رحلة بحث معكوسة عن طفولته".

وبالدقة نفسها أيضًا، يبدأ كتابه بفصل عن المسرح الذي استقبل محفوظ يوم مولده في 11 ديسمبر/ كانون الأول 1911 ، ولا يقتصر على ما كان يقدَّم من عروض على خشبات المسارح، بل أيضًا ما كان يقرأه المصريون آنذاك، وكيف كان يقضي سمو الخديو المعظم عباس حلمي الثاني يومه، وأيضا كيف كانت مصر تعيش في استراحة بين ثورتين؛ ماضية لم تُكتَب وقائعها بأمانة، وهي ثورة عرابي المهزومة، والأخرى هي ثورة 1919 التي كانت لا تزال في رحم الغيب، لكنها ستعيد تشكيل الحياة السياسية والاجتماعية بعد سنوات قليلة من ميلاده.

البحث عن خبيئة محفوظ

وإذا كانت تلك هي ملامح الواقع الذي استقبل محفوظ، فإن اكتشاف الخبيئة ذاتها، نص الأعوام، لم يكن خاضعًا للمصادفة، إذ لاحظ شعير، وهو ينقِّب ويبحث، أن هناك إشارة من محفوظ نفسه للنص منذ عام 1963 في أحد حواراته مع مجلة الكاتب. ثم توالت الإشارات إلى النص نفسه، وفي الوقت نفسه توالى الإلحاح عليه ليكشف عن النص، ويبدو أنه ضجر من الإلحاح المتواصل فقال إنه أحرقه. وواصل شعير رحلته باحثًا عن النص المفقود الذي تبين فيما بعد أنه تم سرقته من جانب أولاد شقيقته عندما توفيت والدته. وكما ذكر محفوظ نفسه لرجاء النقاش "عندما ماتت والدتي جاء أولاد أختي وأخذوا كثيرًا من الأوراق والأشياء الشخصية، ومن بينها صورًا خاصة بي".

لم تتوقف الرحلة بحثًا عن النص المفقود. تبين فيما بعد أن فنانة تشكيلية أمريكية أقامت في القاهرة لسنوات، كانت تجمع مخطوطات وأوراق الكثير من الكتاب المصريين، لصالح إحدى مكتبات الكتب النادرة في نيويورك، وطرحت أوراق محفوظ بالفعل في مزاد بلندن عام 2011، وتم إيقاف المزاد من جانب ورثته بسبب عدم الحصول على إذن منهم.

نجيب محفوظ. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيميديا

واصل شعير رحلته مع كل هذا وأجرى عدة اتصالات إلكترونية للبحث والتنقيب، أسفرت في النهاية عن حصوله على كنز حقيقي، لايتضمن نص الأعوام وحده، بل مايقرب من 500 صفحة لتراثه، من بينها صفحات من بحثه للماجستير عام 1934 وأصول لقصص ومقالات ومذكرات عديدة أسهمت وسوف تسهم في معرفة أكثر اكتمالًا بتراث محفوظ.

وهكذا تبدأ الرحلة تؤتي ثمارها، وهكذا يعكف الكاتب على كنزه مقلّبا فيه.

وعندما يدور الكلام مثلًا عن نص الأعوام الذي أورده كاملًا حسب الكراسة التي نشر صفحات منها، يرجح أنه كتبه عام 1929، في العام نفسه الذي صدرت فيه الأيام. ويكاد هذا النص الاستثنائي أن يكون المعطف الذي خرجت منه أغلب أعمال محفوظ، بل أن أول مقطع من مقاطع أصداء السيرة الذاتية وعنوانه دعوت للثورة هو نفسه بتغييرات طفيفة الوارد في نص الأعوام. الطفولة في درب قرمز والصبا والنزق والشقاوة وعالم الطفل الثري، هو نفسه الذي استعاده في نص أصداء السيرة الذاتية.

الانفجار العظيم

البذور الجنينية لرواياته وقصصه وشخوصه وملامح من عوالم الثلاثية، مشاهد مظاهرات ثورة 1919 التي يشاهدها الصبي من الشرفة في درب قرمز أمام بيت القاضي وقسم شرطة الجمالية، وعالم الحظ والغناء المجاور لسيدنا الحسين. فتوات الجمالية والحسينية وتطلع الفقراء والحرافيش لمخلّص، ثم الخروج من الجمالية والسكن في العباسية، وصولًا إلى أصداء السيرة الذاتية العمل قبل الأخير له، كل هذا سيجد القارئ إشارات وبذور أولى له في النص المؤسِّس حسب تعبير شعير، النص الذي كان نواة تحطمت في الانفجار العظيم إلى عشرات القصص والروايات كما ذكرت من قبل.

في هذا السياق يعكف الكاتب على المقارنة بين نص الأستاذ طه حسين، والتلميذ نجيب محفوظ، وتأثر الأخير بشدة بالأول، إلى درجة استخدام محفوظ مثل أستاذه لضمير الغائب في رواية الرواية، بينما كان من الأسهل أن يستخدم ضمير المتكلِّم. كما يعكف على أن يبيّن مدى تأثير الأستاذ على التلميذ، الذي اعتبر أن من بين أسعد ثلاثة أيام في حياته، اليوم الذي كتب في طه حسين عن إحدى روايات الثلاثية وامتدحها طويلًا.

من بين أوراق الخبيئة أيضًا عثر شعير على مراحل مختلفة لكتابة أصداء السيرة الذاتية، وكيف تغيرت وتبدلت فصولها وشخوصها وبناؤها الفني عدة مرات، حتى استقر محفوظ على شكلها الأخير. ومن بينها أيضًا تدريبات محفوظ على الكتابة بعد محاولة اغتياله، حيث أثرت الطعنة بشدة على أوتار يده اليمنى، لكنه بما يتمتع به من إرادة حديدية، عكف على تدريبات متواصلة لاستعادة قدرته على الكتابة حتى كتب نصه الأخير أحلام فترة النقاهة.


اقرأ أيضًا: الجرح المفتوح: أو الرحلة التي تبدأ من المقابر "في أثر عنايات الزيات"

رحلة عائلة عنايات الزيات إلي القناطر الخيرية. الصورة بإذن من الكاتبة

وفي النهاية أريد أن أعلّق على نص آخر من بين أوراق الخبيئة، وهو مقال الأساليب الذي كان من بين أوراق محفوظ الخاصة، ومؤرخ في سبتمبر/ أيلول 1929، وفي الحاشية يذكر شعير أن جريدة الجمهورية أشارت في ديسمبر 1988 إلى وجود هذا المقال ضمن مجموعة أوراق تركها محفوظ في بيت العباسية، وحصل عليها وقتها ابن شقيقته محمود الكردي. توقفت طويلًا أمام هذا النص، ولم يكن مقبولًا لديَّ أن يكتب فتي في الثامنة عشرة من عمره على هذا النحو، حتى لو كان في نهاية المرحلة الثانوية في ذلك الزمان، وفي المستوى المرموق الذي كانت المدارس الثانوية قد بلغته آنذاك. يبدأ المقال المنسوب لمحفوظ على النحو التالي:

"أكتب هذه المقالة بمناسبة المجادلات العنيفة التي تقوم بين الكتّاب، وعلى الطريقة التي يجب اتباعها عند الكتابة. وهنا تتفرع الآراء فأديب مغرم بالعرب وكتب العرب وأساليب العرب وحضارة العرب ويرى الخير كله في استعارة أساليبهم". ويضيف "وأديب آخر يستنكف الأساليب القديمة التي لاتناسب روح العصر في استعارتها وتشبيهاتها وألفاظها". وبعد بحث مستفيض حول الطريقتين، يركز خلاله على الأدباء الذين تأثروا بما يكتب في بلاد الغرب، واستحوذ سحر الأدب الغربي على عقليتهم وأذواقهم، ينتهي إلى أن الأمر لايتعلق بالعرب أو الغرب، وعلى الكاتب أن يأخذ بأسباب الحرية فيما يكتبه.

وإذا أخذنا في اعتبارنا أن النص مكتوب قبل أن ينخرط محفوظ في الكتابة بأي شكل، بل وقبل أن يدخل الجامعة ويختار الفلسفة للدراسة، فمن الصعب قبول إقدامه على الاشتباك مع القضايا الكبرى والتفصيلية.

على أي حال .. شكرا لخبيئة شعير ومفاجأة قراء محفوظ بهذا الكنز.