تصميم: يوسف أيمن- المنصة

رحلة "الفرد" في سينما داوود عبد السيد

-1-

بدأت علاقتي بسينما المخرج داوود عبد السيد مع فيلمه الروائي الأول الصعاليك، الذي عرض عام 1985. ظهرت فيه شوارع الإسكندرية، بعين الصديقين الصعلوكين؛ مسرحًا إغريقيًا، تُعرَض عليه دراما فاجعة، عن صعودهما الطبقي إلى أعلى السلم الاجتماعي، ثم الهبوط والموت. كان الميناء هو المركز الذي تدور حوله أحداث الفيلم. على أرصفته، في شريط الفيلم، وفي الحقيقة، بدأت موجات الفساد والتهريب، التي شملت عصر السادات، تضرب مصر، ومعها ظهر "تايكونات" أُثروا من هذا الفساد. أحدهم، الذي كان يقوم عليه الفيلم، كان "تايكون الإسكندرية" بلا منازع، واسمه مقرون بنشاطات مشبوهة كانت السبب وراء ثروته الضخمة، التي بدأت من الصفر كعامل على أرصفة الميناء. كان الفيلم، من الأفلام القليلة التي كسرت الصورة النمطية للإسكندرية، تحولت فيه المدينة إلى مكان مركزي تناقش فيه قضية مركزية، كالفساد والانفتاح، بعيدًا عن هويتها المزدوجة.

-2-

على الرغم من أن الفيلم كان واحدًا من موجة أفلام أرَّخت لتحولات حقبة الانفتاح في مصر، إلا أنك تشعر بسريان نوع جديد من الأحاسيس المتداولة بين أبطاله، والتي لم تكن السينما تفرد لها هذه المساحة، وهذا الاحتفال، وهذه الملحمية. بطل من نوع جديد، يملك مشاعر وأحاسيس وأفعالًا، ترتبط بكينونته، وليس فقط بطبقته الاجتماعية، رغم أن الفيلم يدور في مجمله حول قضية تخص الصعود الطبقي لهذين الصعلوكين الرمزيين.

هناك ملمس وجودي صريح، لطبقات هامشية، وأبطال هامشيين، غير مسيَّسين، يُرد لهم الاعتبار، ليس بسبب نظرة أخلاقية/ سياسية مسبقة لهم، وليس الفقر، وأعراضه، عاهتهم، أو مصدر أزمتهم في الحياة، أو هدفًا جوهريًا لسعيهم اليومي، ولكن النزوع للحرية والتحرر، والصدق مع النفس، حتى ولو اتخذ، هذا النزوع، على سبيل المثال في فيلم الصعاليك، هيكلًا طبقيًا.


فيلم الصعاليك


-3-

هناك "فرد" استثنائي، وفي الوقت نفسه، ليس مفارقًا، أو رافضًا، لواقعه وجموعه. ربما لأن هناك "واقعًا جديدًا" ابتكره له، ويتحرك فيه، داخل مساحات شعورية جديدة، تضعه على قدم المساواة مع الآخرين. كأن، أحد شروط، هذا "الواقع الجديد"، الذي أسسه داوود في أفلامه، هو هذا الوجود الثري للفرد، بدون مزايدة أو مبالغة، والذي يوزعه على أبطاله، بقسمة عادلة لا فرق فيها بين فرد وآخر.

فالفردية، أو "الفردانية"، في سينما داوود، بها مساواة تشغل أحد أوجهها الهامة. كأنه يقوم بإعادة خلق لكون سينمائي/ فكري، يقوم على أسس جديدة. لا يفكر في صورة المجتمع، أو الواقع الأصلي، الذي يعكس الفرد، ولكن "الفرد" هو الذي يعكس مجتمعًا موازيًا، أو واقعًا آخر، غير هذا الواقع المسيس المباشر.

-4-

"الفرد الهامشي"، أو الاستثنائي، في سينما داوود عبد السيد؛ ليس هو "الفقير"، أو "المنبوذ"، أو " الحالم"، أو "المتمرد"، حتى وإن تماس مع بعض هؤلاء؛ ولكنه "الشخص العادي" بكل تناقضاته، الذي يملك خاصية "البوح الصادق". هناك أفراد عاديون عندهم رغبة الحصول على "فردانية"، وليس بطولة، ولكنها فردانية لها هالات، يتصلون عبرها بكينونتهم، كما يصفها عالم النفس كارل يونج، أن هذه "الفردانية عبارة عن عمليات تحول تتم عن طريق اللاوعي، عن طريق إدخاله في الوعي، سواء كان عن طريق الحلم، أو التداعي الحر، أو الخيال" وهي البداية لتحقق التكامل لهذه الشخصية، ومن خلفها تتحقق الكينونة. ربما ما يميز أبطاله عن غيرهم، استجابتهم لصوت داخلي، يصلهم بعالم آخر، يحوطهم، سيكون له مكان جوهري في أفلامه.

ربما كانت السينما، بشكل عام، عندما تؤكد على البطولة، تقوم بالاقتصاص من مشاعر الفرد، لحساب مَثل أعلى. كان "الفرد" جزءًا من تشكيلة اجتماعية عريضة لا تسمح له بعرض تلك الأماكن الأكثر غورًا بداخله. هذا الحضور المُلح "للفرد"، وليس للبطل، في أفلام داوود عبد السيد، ليس بوصفه حالة نفسية مستثناة، ولكن بوصفه تمثيلًا جديدًا؛ صبغ الواقع الذي يحوطه بصبغته الشخصية، ومنحه جزءًا من جوانيته الشعرية، كأنه "واقع" له مزاجية هذا "الفرد"، متآمر معه، وأحيانًا صورة منه، وله عمقه وتعقيد طبقاته وطباعه، بل وقابل للتشكُّل من جديد، ومرن ويمكن تغييره، ويتسرب الأمل بين ثناياه، وبه بعض الحلول الممكنة لمعضلات إنسانية. كأن هذا "الفرد" هو خالقه، أو مشارك معه، الواقع، برغم صغر حجمه، في عملية خلق متبادل.

كأن هذا "الفرد" دخل هذا الواقع وهو يحمل "رسالة ذاتية" يريد أن يوصلها، وأن تكون حياته ومماته شاهدين عليها.

-5-

في سينماه هناك "مثل أعلى"، ولكن لم يصنعه المجتمع، وإنما صنعه هذا "الفرد"، بسبب أنه يمتلك مرجعًا إنسانيًا واسعًا، حتى وإن لم يكن يدرك هذا، وقد جاءت لحظة "الاستنارة"، التي تكون عادة ذروة الفيلم، ليكشف عن صورته المحفوظة داخل هذا المرجع. كأن، المخرج، قام باستخلاص قصري لهذا "الفرد" من محيط أكبر، ومنحه دقة أكثر في معالجة ورؤية تفاصيله وتبعات حياته، والتعبير عن وعيه ولاوعيه في آن.

كل "فرد"، في أفلامه، جدير بهذه المساحة الواسعة التي يشغلها، كونه إنسانًا، حتى يملأ ذلك الفراغ الذى خلَّفه الواقع الضاغط، أو غياب الجماعة المؤقت، من حوله. يقوم داوود باللعب على هذه المساحات الشعورية الشاغرة حول أبطاله، والتي لم تُحكم السلطة استغلالها بعد، واستثمارها ملحميًا.

-6-

بداية من ثمانينيات القرن الماضي، تكونت شبكة مشاعر جديدة في السينما المصرية، لا تفسِّر الواقع سياسيًا، أو أخلاقيًا، أو طبقيًا، ولكن مزيجًا جديدًا من كل هذا، وبإضافة لمسة شعرية آتية من عمق هذا "الكائن" الذى احتل صدارة المشهد. تكرر هذا أيضًا مع محمد خان في ضربة شمس، وعاطف الطيب في الغيرة القاتلة، وخيري بشارة في العوامة 70. ربما بنسب متفاوتة، ولكن هناك سمات عامة مشتركة تطرح علاقة "الفرد" بالجماعة داخل "واقع" جديد، يتراوح بين كونه أكثر واقعية، أو أكثر فنتازية.

هذه الحيوية والمرونة التي اكتسبها "الواقع" في تلك الموجة من الأفلام، التي أرَّخت لمرحلة التحولات الاقتصادية؛ سمحت بأن يكون هذا "الواقع" هدفًا مباشرًا للتغيير، ولكن في صورته المنعكسة على الفرد، لذا امتلأت هذه الموجة بكل عناصر التنوير والحداثة، ولحظات الاستنارة، سواء من ناحية الاهتمام بالفرد وحريته وسبل تحرره، فتشعر بأنه "فرد" له كثافة جديدة. بجانب طرح مشكلة السلطة التي تعوق تقدمه، سواء كانت متمثلة في الأب، العائلة، الدولة، المجتمع، أو السلطة بمعناها المجازي كشبح يقف وراء كل ممارسة. بالإضافة لمجموعة من الأخلاقيات الخاصة المزروعة داخل هذا "الفرد" مما جعله، أحيانًا، متعاليًا، بوعيه، على هذا الواقع، على الرغم من انحيازه العاطفي له. كأن هذا "الفرد" دخل هذا الواقع وهو يحمل "رسالة ذاتية" يريد أن يوصلها، وأن تكون حياته ومماته شاهدين عليها.

-7-

بداية من "الصعاليك"، وهذا التعالي الإنساني يشكِّل إحدى سمات هذه "الفردانية" التي يبحث عنها داوود داخل أبطاله. أغلبهم لهم مرجع خفي، بجانب المجتمع، يؤثر على حياتهم، ويقودهم، بل ويعيد تشكيل وعيهم. ويظهر هذا، على سبيل المثال، في طريقة عرضه لفعل "الخيانة"، أو تلك العلاقة غير المشروعة التي حدثت بين زوجة أحد الصديقين، بطلي فيلم " الصعاليك"، والصديق الآخر. نظر إليها طرفاها، كأنها لم تحدث، واستكملا حياتهما، ووضعا هذه الخيانة خلف ظهرهم، بدون التخلي الضمني عن مسؤوليتهما عنها. ربما كان لها أعراض طارئة، كأن تقوم الزوجة بفعل تطهر رمزي، فتقص شعرها قصاصًا من جسدها الخائن.

أفيش فيلم الكيت كات. صورة برخصة المشاع الإبداعي- ويكيبيديا

أيضًا في سارق الفرح، يغفر البطل لزوجته عندما تعترف له، في ليلة الدخلة، بأحد الذنوب الصغيرة، والمكررة في الحياة؛ بأنها رقصت في أحد بيوت الأجانب من أجل الحصول على المال، لإتمام زواجها. حتى نصل لأكثر أنواع التعالي، الذي يتجسد في تعالي الشيخ حسني على "العمى"، والحياة نفسها، في الكيت كات، والانزواء في ركن منها، والاستمتاع بها بطريقته.

في أى زمن، وأى مجتمع، اكتسب بطله هذه الجرأة، هذا الزهد، وهذا التسامح؟ هل هناك أيديولوجية معينة تصوغ هذه الأحلام؟ فكما تضع أساس حلم مفارق، تضع بجانبه أساس فرد مفارق له هدف آخر في الحياة؟ ربما هنا تتبدى الخطوط الأساسية لهذه الأيديولوجية، غير المكتوبة، التي تتحرك خلف الشاشة، تتكون من بقايا أحلام سياسية وطبقية، لها أصول إيديولوجيات طوباوية، هدفها أن ترفع من إمكانات البطل الروحية، كي يتمكن من مواجهة الحياة، وتجاوز العجز، أي كان شكله، أو مصدره، طبقيًا، أو وجوديًا.

-8-

هناك علاقة جدلية بين الفرد وواقعه، ولكي يتخلص المخرج من آثار هذا الجدل، الذي قد يُستقطب سياسيًا؛ أحال هذا الواقع، لواقع جديد، قريب من الحلم، تحكمه الصدفة والتجاوز والأمل، ومتحررًا من شروط الواقع الاجتماعي المباشر. وكلها عناصر شحيحة في واقعنا الأصلي، أخذت دور الصدارة في "واقعه الجديد" الذي ابتكره. ولكنه أبقى، من الواقع الأصلي، على حس الجموع، أو على تلك العلاقة بين الفرد والمجموع، وهي من العلاقات الأساسية، التي لا يمكن التخلي عنها، أو استبدالها، لتكوين أي وعي إنساني يبحث عن كينونته، كما يفعل بطله.

بين الهم الجمعي والاهتمام بالفردانية، اختار داوود مكانًا متغيرًا، يقع بين التجريد والتشخيص ليصنع منه نفسية "فّرْده". التجريد بما يعني الإيديولوجية الكلية التي تخص حياة الجماعة، والتشخيص بما يعنى حياة الفرد الذاتية.

ربما حضر " الفرد"، في أفلامه، بالنيابة عن قضية كبرى جماعية، وليس بالنيابة عن نفسه، تعتبر من أساسيات الوجود، كالحرية، أو العدالة أو الخوف. ولكنه لم يفقد ذاتيته، ولم يفقد درجة "البوح الصادق" التي تخرج من عمق وجوده، وتشكِّله في آن. ربما يظهر أساس التكوين الكلي لهذا الجيل الذي ينتمي له داوود عبد السيد، ولكنها نظرة كلية مطعمة بشعرية خاصة، أو بمعنى ما يظهر التكوين السياسي لهذا الجيل، حتى لو لم يسلك سلوكًا سياسيًا؛ المعنِي بمناقشة القضايا الكبرى للإنسان، كأنه يقف خارجها، سواء كانت وجودية، أو فلسفية أو اجتماعية.

-9-

الفرد، في أفلامه، ليس ممثلًا لطبقة، وأيضًا ممثلًا لها. هذا المأزق، بين التجريد والتشخيص، كون هذا "الفرد" آخر، ليس منفصلًا، ولا مندمجًا، ولكن له مكان مستقل يصوغ فيه أفكاره وأحلامه، وبالضرورة له مرجع مستقل نسبيًا ومتقاطع، في آن، مع الآخرين. كأن الطبقة الاجتماعية تملك إمكانية تحرر بداخلها. أعتقد أن هذا الحلم سمة من سمات سينما الثمانينيات، لأنها جاءت بعد ميراث وعي جمعي يساري، وأيضا بعد هزيمة 67 الفاصلة، التي ضربت هذا الوعي الجمعي والفردي معًا، فقامت السينما على أنقاض هذا الإرث المهشم، فحاول داوود مع خان وعاطف الطيب وخيري بشارة، أن يعيدوا تكوين هذا الفرد، وهذه الجموع، وهذا الوعي الجمعي، مرة أخرى.

-10-

مزج داوود، في أفلامه، بين قضية كلية ووجود شخصي، ليلتقيا في مكان متوسط يطوع هذه النظرة الكلية المجردة، التي بدورها لا تنسخ هذا المكان الشخصي. ربما هنا مكان امتيازه كمخرج. ربما كان هذا النزوع، حاضرًا، أيضًا، عند يوسف شاهين، فالفرد، في أفلام شاهين، يعبر عن جماعة كبيرة، حتى وإن باح بأسرار شديدة الخصوصية، ولكن داخل بوح بطل شاهين السياسي، هناك قضية كبرى، هي التي تمنح هذا البوح بريقه، وتخلصه، بأثر رجعي، من أي إدانة/ رقابة جماعية تطوله. ولكن عند داوود ليس هناك بوح سياسي، بالرغم من ذاتية الطرح. ربما هناك بوح يتم داخل جسد وتاريخ وروح الأفكار، لأنها مكسوة بلحم ودم حقيقيين. ربما البوح، عند داوود، بدون أسرار، عبارة عن مناجاة، تتلمس نموذج إنسان أعلى، فتأخذ هيكل سيرة ذاتية موزعة على أفلامه، بدون بطل محدد يمثلها، ولكن لها راو، وتكتمل عناصرها عبر هؤلاء الأبطال المتشابهين/ المختلفين.

-11-

أبطال، وبطلات، أفلامه، باختلافهم، متشابهون في مواصفات خاصة، كونهم يحلمون دائمًا من داخلهم، وهناك وحدة تجمعهم، وسيرة تؤرخ لهم. كأن هذا الحلم هو شهادة ميلادهم في هذا المجتمع، وليس عملهم فيه، أو انصياعهم لشبكة علاقاته الاجتماعية والهيراركية، وكأن هذا المجتمع/ الواقع، جديد، لم يخط بعد خطوة في سلسلة من التنازلات عن هذا النوع من الأحلام. البطل والمجتمع، داخل أفلامه، في علاقة بدائية، رمزية، صافية، خاصة في علائق السلطة. تشعر بأن هذا النوع من البطولة "المستوحدة"، البرية، التي تكتسب جدارتها من كونها استمرت في ظروف غير طبيعية، أو اندمجت بالمكان الآخر، سواء كان خارجهم ممثلًا في الطبيعة، أو داخلهم ممثلًا في مكنون خيالهم ولاوعيهم.

كأن هذا البطل كان يعيش على جزيرة بعيدة، ثم دخل الحياة مرة واحدة دون استعداد. بطل قريب الشبه بالأبطال الرمزيين، روبنسون كروزو، أو حي بن يقظان، خاصة يوسف كمال في البحث عن سيد مرزوق. هذا المخلوق الأول الذى وجد على جزيرة وعاش من الطبيعة وأرضعته ذئبة. بطل عائد من عزلة، أو من سنوات ماضية ذاكرتها ممحوة، أو في حكم الملغاة. ورغم هذا يريد أن يعود من هذه العزلة عن طريق الحلم، ليدخل الحياة من أوسع أبوابها.


اقرأ أيضًا: حوار مع داوود عبد السيد عن السينما الفقيرة و"أفكار الدولة الرثّة"


-12-

في أغلب أفلام داوود مُثّلت الطبقة المتوسطة، التي تمثل المخرج نفسه، من خلال أشخاص خاصين بداخلها، لا يعني هذا أنهم غير موجودين، ولكن لهم رمزية ما، وليسوا من التيار الرئيسي لها. إنه لا يتكلم أبدًا عن "عائلة"، دائمًا الأبطال وحيدون، أو في مرحلة ما بعد تصفية عائلتهم الشخصية، يوسف كمال في البحث عن سيد مرزوق، يحيى في رسائل البحر، الشيخ حسني في الكيت كات، نرجس في أرض الأحلام، سليم في مواطن ومخبر وحرامي، كلهم مبتورون من معنى العائلة الخالد، وقبل أن يبدأوا تكوين عائلة جديدة.

يوسف كمال، نرجس، الشيخ حسني، ويحيى، وسليم سيف الدين: خمسة أبطال جميعهم ليس لهم روابط اجتماعية، إما وحيدون أو منفصلون، في لحظة جاهزة للتجربة الوجودية، ولكتابة سيرة جديدة لهم ولوجودهم. فهذه الوحدة تؤكد إمكانية المخاطرة، فليس هناك مايخسرونه. هم أحرار بشكل ما، وخارج أي قيود اجتماعية، أو على وشك التخلص منها؛ لأنها قد تعرقل حرية الحركة واستجاباتهم عندما يقابلون "صدفة" التغيير. هذا الوضع الذى يعايشونه يرشح هذا الجانب الفردي/ الوجودي، وليس الاجتماعي، من الحياة، الذى يمثله هؤلاء الوحيدون.

-13-

ربما أماكن عيشهم تنتمي أيضًا لهذا الاختيار، ولهذا النوع من الوحدة، سواء بيت يوسف كمال المظلم، أو بيت نرجس المشحون بالذكريات، أو بيت الشيخ حسني الذي باعه ولم يعد يملكه، أو بيت يحيى العائد إليه، في الإسكندرية، في رسائل البحر، الذي على وشك أن يفقده: كلها بيوت مجتزأة أو مصنوعة لصالح فكرة غير مكتملة اجتماعيًا. بيوت لم تعد موجودة، لن يبدأ فيها تأسيس حياة جديدة، ولكن ستنتهي بنهايتهم، كأن "البيت"، بمعناه الرمزي، رفيق التجربة الوحيد، أو الجزء الذي يجب أن ينفصل عن جسدهم لتبدأ التجربة، ليستعيدوا كينونتهم.

هذا التمثيل الجزئي، وغير الاجتماعي للبيت/ الطبيعة، كأنه أرض ولادة هش، أما حاضره الاجتماعي فغائب. هو موجود كنموذج للبيت الأول للإنسان، رحم الوجود، الذى كان مأوى للنوم، أما بقية يومه فكان يقضيه في الخارج، وسط الطبيعة بحثا عن الطعام. هناك حرص مؤكد، من المخرج، على حضور خاص للطبيعة، وظواهرها الخاصة والإنصات لها، في أفلامه. ربما لتعكس هذا الوجود القديم، الخفي والهش والأصيل لأبطاله، هي البيت الآخر الذي سيأوون إليه في رحلتهم لتوثيق سيرتهم الذاتية، وعبرها يستعيدون كينونتهم الفردية.