بائع القِرب. الصورة: محب سمير

الزُبد المقدس: هدية حتحور لأمي

في المساء، ضحكت أمي عندما رأت في يدي القِربة الجديدة؛ سألتني عن فائدتها ولم يعد في بيتنا لَبن، أخبرتها أنني سأشتري لها لبنًا كل صباح ومساء، لتعلمني كيف أخرج الزبد من خَض القِربة، فأجابتني بينما بدا أنها غير مقتنعة بخطتي "يا مستني السمنة من طي* النملة حرمت عليك أكل المفروكة". تحديتها قائلًا "طب ها نشوف".

والمفروكة هي أكلة الفقراء في قريتنا "البرشا" بمحافظة المنيا، حيث تُفرَك البتاوة (نوع من الخبز) على فتافيت الجبن أو المش وتؤكل مع فحل بصل.

كسبت أمي نقطة عندما سألتني إن كنت أخذت من البائع "شوية قَرض" لفرك القربة الجديدة به. والقَرض يخرج من شجرة السنط ويطلق عليها أيضا "الطلح" و "الغيلان" و "الأكاسيا"، ويقال إن له فوائد كثيرة، حيث يستخدم البعض مسحوقه للتخفيف من التهاب اللثة، أو شرب منقوعه للتقليل من مستوى السكر لمرضى السكري، أو لإنقاص الوزن، لكن أمي تسأل عليه لتفرك به القربة الجديدة لتنظيفها من رائحة "زفارة" الجلد، ولتحافظ عليها من التلف.

قَرض السنط. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

بادرت أمي بالدعاء على بائع القرب حينما علمت أنني نسيت أن أشتري منه القرض؛ "يجيه الصديد". وأكملت.. "طب هو مش عارف إنه لازم يديك قرض"، ونفت عني تهمة الخيبة هذه المرة مؤكدة بعدلها المعروف عنها، "وأنت إيش درَّاك؟".. ونصحتني أن أفرك القربة بالملح وأتركها في كمية منه حتى لا تجف، لحين شراء بجنيه قرض، من السوق في ملوي.


عملية خض القربة. فيديو من يوتيوب


في الصباح، أفقت على رائحة وطعم زبد طازج، لدرجة أنني لعقت ما تبقى من ذرَّاته على شفتيَّ.. كان حلمًا لذيذًا بطعم زبد قربة أمي ولبن جاموستنا العفية، التي ماتت فجأة بعد أن ابتلعت بالخطأ إبرة معدنية كبيرة، ومن يومها أقسم أبي ألا يربي بهائم أخرى في البيت، رغم كونه فلاحًا أبًا عن جد، واكتفى بتربية الماعز فقط.

خضي القربة يا أم لابان.. طلعي سمنة للغلبان

استغربت نفسي وذاكرتي وأنا أردد هذا المقطع من الغنوة التي كنا نغنيها ونحن صغار، نلعب لعبة "خض القربة" ونقلِّد أمهاتنا وهن يصنعن الزبد في سهراية صباحات الشتاء الدافئة.. ثلاث قطع بوص صغيرة مربوطة بخيط من أعلى وتستند على الأرض بشكل هرمي، يتدلى من الخيط زجاجة صغيرة مغلقة بداخلها ماء ومسحوق غسيل. نبدأ في أرجحة الزجاجة ونغني: خضي القربة يا أم لابان.. طلعي سمنة للغلبان. ماذا بعد ذلك؟ ما المقطع الثاني من الغنوة؟ لابد أن أسأل أمي أو أختي الكبرى التي كانت تشاركني اللعب في صغرها، وخض القربة الحقيقية بعدما كبرت، وشتان بين اللعب والمجهود الذي تبذله المرأة وهي تمارس "خض القربة" بحِرفية لا يعرفها إلا الملاكمين.

كانت أمي تحلب جاموستنا في الصباح والمساء، وتضع "الحَلبتين" على بعضهما في "قربة الماعز" وتصعد بها كل مساء فوق سطح بيتنا، وتربط القربة في عمود طويل مثبت. تقول أمي "لازم اللبَنات يشوفوا نجوم السما علشان الزبدة تطلع". تؤمن أمي مثل كل الأمهات في الصعيد أن النجوم ترسل سِحرها إلى اللبَن في القربة ليجود بحلاوته في الصباح من زبد وقشدة. وفي الأيام التي تكون فيها السماء ملبدة بالغيوم، لا يخرج الزبد، وعلى ربة البيت أن تصنع منه جبنًا بدلًا من ذلك.

قد تكون الأسطورة متعلقة بالأم حتحور سيدة السماء، إلهة الأمومة والخير والخصوبة عند قدماء المصريين، وكانت تصوَّر أحيانًا على هيئة بقرة أو سيدة لها أذني بقرة، كما كانت ترمز للسماء وبهائها. لا تعرف أمي حتحور لكنها تعرف أن "بيت الفلاح اللي يخلى من البهايم مافيهوش خير"، وكثيرًا ما حزنت من قرار أبي بعدم تربية جاموسة أو بقرة مرة أخرى، لكن ليس بيدها حيلة أمام عِند أبي المعروف عنه كأغلب الآباء.

لماذا لا زلت أشم رائحة الزبد؟

طوال شتاءات طفولتي، كانت أمي كل صباح بعد افطارنا وذهابنا إلى مدارسنا تخرج صغار كتاكيتها ومعزاتها من أخنانهم (أعشاشهم) الدافئة لساحة بيتنا الفسيحة. كنت أحب الأيام التي أغيب فيها من المدرسة متعللًا بالمرض، لأجلس بجوارها أطعم الكتاكيت البيض المسلوق من يدي، بينما تخض هي القربة في السهراية.

لا تكتمل أسطورة الزبد إلا في "سهراية الصباح"، فإذا كانت النجوم والبرودة مهمة ليلًا ليخرج الزبد من اللبن، فشمس الصباح الدافئة تكمل حلاوته وسحره، وبعض النساء يؤمن أن مضغ اللبان الضروس (اللبان الدكر) أثناء خض القربة يسرِّع من عملية التحوّل. لكن أمي تضحك عليهن وتقول دائمًا "حد ناقص وجع ضروس مش كفاية تخديلة دراعاتنا".

تنصب أمي "جحش القربة" العملاق بالنسبة لحجمي وقتها، وجحش القربة هو الاسم الذي نطلقه على ثلاثة أعواد من جريد النخل القوي المربوطة بحبل من الليف من أعلى على شكل هرمي. يتدلى الحبل إلى أسفل وتتأكد أمي من انتصاب "الجحش" في موضعه المعتاد وثباته في مكانه. تقوم بربط قربتها جيدًا في الحبل المتدلي، وتتأكد كل مرة من حبكة الحبل من كل الجهات، خوفًا من أن ينسكب اللبن على الأرض أو يخرج من إحدى الفتحات وتفسَد العملية كلها.

نقش يصوِّر حتشبسوت ترضع من حتحور. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

تجلس أمي على صخرة صغيرة ناعمة موجودة في موقعها منذ بدأ زمن الزبد في بيتنا، ولا تجلس عليها إلا لمهمة خض القربة المقدسة. أحب صوت ارتطام اللبن بجنبات القربة وببعضه. صوت ارتطام قوي ومكتوم وسريع. تبدأ أمي الخض بهدوء، ثم تزيد من سرعتها. تتأرجح القربة بقوة بين يديها، لكنها تُحكِم قبضتها عليها بخبرة السنين. لم ترضخ لتوسلاتي لمحاولة تجريب خض القربة الحقيقية ولو مرة واحدة، وفي كل مرة كانت تصالحني بأول قطعة من الزبد تخرج من "خشم القربة" بعد فتحها، قبل أن تكورها بسرعة ورشاقة وتضعها في حلة بجوارها، أحضر أنا نصف "بتاوة" وأسيِِّح عليها الزبد وألعق إصبعي وألتهمها بفرح ونهم أفتقدهما الآن، وأنا لا زلت أشم رائحة الزبد في أنفي.. لا هذه ليست رائحة زبد، إنها "مورتا". هل أصابني خَرف ما يتعلق بالروائح؟

أسرعت على السلالم نزولًا لأتأكد أو أنفي ما تخبرني به أنفي. في الدرجات الأخيرة لمحتني أمي وقبل أن أسألها بادرتني بجملتها التي أحبها دائمًا منها "طول عمرك مُرزق". وأكمَلت وأنا أعتذر في سري لأنفي لشكي في قدراتها "خالتك بعتتلك رطلين سمنة حلوين"، أكملت طريقي للمطبخ وأنا أردِِّد "أنا صح.. أنا صح". بعدما شاهدت أجمل منظر يمكن أن أختم به الحلم والحقيقة؛ حلة أمي الخالدة على البوتاجاز المشتعل على نار هادئة لإذابة الزبد، بعد وضع حفنة ملح صغيرة عليها.

تبعتني أمي وقامت بتصفيةالزبد الذي تحول إلى سمن للتخزين في وعاء كبير. تاركة "قعر الحلة" يبرد وفيه "المورتا" ذات اللون الذهبي الجميل، التي سأقوم بعد قليل بتكسير "بتاوتين" عليها وألتهمها أنا وأبي الجالس على كنبته الخالدة سعيدًا بسعادتي هذه.

سألت أمي إن كانت خالتي لا زالت قادرة على خض القربة في عمرها هذا. فضحكت على سذاجتي وقالت "يابني تعيش لكل سنة ما خلاص". فالخضَّاضة الكهربائية المصنوعة من حلة ستانلس هي القربة العصرية التي تقوم بعمل الزبد طوال العام، لا تعرف هذه الخضاضات السهراية أو نجوم السماء، وتوفر الوقت والمجهود أيضًا، وربما قريبًا جدًا لن يكون للقربة التقليدية المصنوعة من جلد الماعز مكانًا إلا في المتاحف.

وقبل أن نجهز على البتاوات المنقوعة في "المورتا" كما ظننت، اكتشفت أني ويا للحسرة لم أستطع أكل لقمتين ثلاثة بسبب دسامة الأكلة، وتعود معدتي على الزيوت المهدرجة و"السمن الهولندي" أو سمن الإحقاق (العلب) كما تقول أمي، كما اعتاد قولها كل أهل قريتي حيث يستخدمونها في طعامهم منذ فترة طولة بديلًا للسمن البلدي والزبد بسبب تدهور مستوى معيشتهم كأغلب المصريين، وصلت الآن لدرجة اعتماد الفقراء على زيت التموين الرديء في الطعام ، وقل عدد الفلاحين في القرية لصالح مهن أخرى أو التجارة، أو السفر أو السعي للتوظيف في الشركات الكبرى.

الفلاح نفسه أصبح يفضل بيع اللبن فور حلبه من بهائمه، ويقبض ثمنه في يده يوميًا، بدلًا من "وجع دماغ" عمل الزبدة أو الجبن والمناكفة مع التجار؛ يبيع اللبن للتجار الصغار الجائلين، الذين بدورهم يبيعونه لمعامل الجبن والزبادي والزبد الحديثة، التي توزع منتجاتها في المدن الكبرى أو المحافظة. الآن علمت سر الموتوسيكلات والتروسيكلات التي تسرح كل مساء في قريتي محمَّلة بالجراكن. قل عدد البهائم العائدة من الغيطان لصالح هذه الآلات التي تجمع ألبان كل القرى المحيطة بقريتي أيضًا لتبيع خيرنا لغيرنا.


من كتاب "سفر أمثال أمي.. حكايات من المنيا" للكاتب، تحت الطبع.