جانب من شحنة إحدى سفن نقل الحيوانات العالقة في قناة السويس. الصورة: بإذن خاص للمنصة

مهمة عاجلة في قناة السويس: إنقاذ 50 ألف حيوان حبستهم "إيفر جيفن"

بينما كان العالم منشغلًا بأخبار قناة السويس التي توقف مجراها الملاحي منذ يوم الثلاثاء 23 مارس/ أذار الجاري، وما أوقعته من خسائر اقتصادية عالمية ويبحث عن سُبل تداركها، كان ثلاثة مصريين في مهمة إنقاذ آلاف الحيوانات العالقة في 4 سفن من الموت جوعًا أو مرضًا.

يوم السبت 27 مارس، خرج الفريق المصري بمخاوف ما قد يكون وقع للحمولة سواء حالات نفوق جماعية أو تفشي أمراض وبائية، لينجح في تنفيذ مهمته والاطمئنان على أكثر من 53 ألف رأس ماشية قادمة من أوروبا إلى آسيا.

تلك اللحظات التي شهدها الفريق، حكى تفاصيلها للمنصّة رئيسه الدكتور حامد موسى الأقنص، مدير مديرية الطب البيطري بالإسماعيلية، بدءًا من إبلاغ السلطات بأخبار تفيد بموت حيوانات عالقة في سفن شحن محتجزَة في مجرى القناة، وصولاً لالتقاط الصور بعد نجاح مهمة الإنقاذ.

كان الطبيب، وكغيره من أهالي محافظة الإسماعيلية على علم بأزمة جنوح سفينة في المجرى الملاحي للقناة، لكنه لم يكن يعلم بما سيلعبه من دور في هذا الأزمة، يقول "اتبلغت من وزارة الزراعة والهيئة العامة للخدمات البيطرية، حوالي الساعة 12 ظهر السبت بوجود أربع سفن بتضم ثروة حيوانية بين عجول وأغنام، ضمن السرب المحتجز خلف السفينة الجانحة. قالوا لي منطقتك واتصرف".

وبالفعل هي منطقة الأقنص، فهو نقيب البيطريين فيها، حيث يعمل في المديرية منذ ثلاثة أعوام بناءً على مسابقة شغل وظائف تقدّم إليها ليعود من القاهرة إلى مسقط رأسه الإسماعيلية، بعد أن كان مديرًا للإدارة العامة للتناسليات والتلقيح الصناعي والتحسين الوراثي لعموم محافظات الجمهورية في العاصمة".

انتشرت شائعات عن نفوق حيوانات وإلقاء جثثها في القناة، فكان مهم الوقوف على حالتها الصحية.
- الدكتور حامد موسى الأقنص.

"منطقتك واتصرف"، كانت آخر ما سمعه الأقنص في البلاغ؛ ليبدأ سريعًا في اتخاذ الإجراءات. "بمجرد ما أنهيت المكالمة، تواصلت مع مسؤولي التأمين الملاحي ومبنى الإرشاد بهيئة قناة السويس لإمدادي بالدعم، وبالفعل وفروا لنا لنش أخدناه من مقر مبنى الإرشاد، أنا والفريق، وفي أقل من نصف ساعة كنّا على متن أول سفينة، اسمها جيرسي".

الفريق الذي يتحدث عنه المدير، كان هو واثنين من زملائه الدكتورة نيفين رشدي، رئيسة قسم الترصد الوبائي بالمديرية، والدكتور هاني عبد الخالق، مدير قسم الوقاية. وما ساهم في وصولهم السريع كان تواجدهم في معرض Agribusiness القريب من موقع السفن.

فرز السفن

من السفينة جيرسي التي كانت متجهة من رومانيا إلى ميناء العقبة في الأردن، محمّلة بـ15 ألف و250 خروفًا و200 عجل فريزيان، بدأت جولة الفريق الطبي الذي أجرى فرزًا دقيقًا لحمولتها والسفن الأخرى، وهي يونيمار لايف ستوك المتجهة من أسبانيا إلى ميناء جدّة بالسعودية، بحمولة 9 آلاف و850 رأس أغنام.

وثالث السفن كانت أوميجا ستار المتجهة من أسبانيا إلى ميناء العقبة بحمولة 20 ألف رأس أغنام، أما رابع وآخر السفن فكانت دراجون القادمة من رومانيا إلى ميناء العقبة، بأقل الحمولات والتي بلغت 8 آلاف و300 رأس أغنام.

وفقًا لما رصدّه الفريق، انصبت مشكلات السفن الأربع على الأعلاف دون غيرها، حسبما يحكي الطبيب "كانت المشكلة في التغذية لأن العلف كان على وشك النفاد، وتم التواصل مع هيئة قناة السويس التي تواصلت مع وكلاء هذه الشركات والسفن، لإمدادها بالعلف اللي كان متنوع بين مواد غذائية مركزة مثل الذرة والصويا والردّة والكتان، ومواد مالئة للكرش من ألياف مثل الدريس والقش".

عن أنواع الغذاء يقول "الأغنام والعجول لها نفس المعاملة في التغذية، لأنها من فصيلة واحدة هي المجترات، أي ذوات أمعاء بأربع غرف هي الكرش وأم التلافيف والمعدة الحقيقية والشبكية".

بلغ إجمالي ما استهلكته المواشي في السفن الأربعة 59 طن علف، فيما جرى إمدادها بـ66 طن آخرين من وكلائها بالتنسيق مع الهيئة. أما مياه الشرب، فحسبما ذكر الطبيب "كانت متوفرة في السفن. وكنا على استعداد لمدّهم بها عبر خزانات ننقلها لهم في حال حدوث أي نقص".

"جيرسي" واحدة من السفن التي تحمل رؤوس الماشية. الصورة: خاص المنصّة

الصحة بخير

كان الفريق يفرز رؤوس الماشية على السفن بكل ما يلزمها من مواد إعاشية، بينما همه الأكبر كان منصبًّا على حالتها الصحية.

عن هذا الجزء من المهمة، يقول حامد "انتشرت بعض الشائعات عن نفوق حيوانات وإلقاء جثثها في مياه القناة، فكان المهم لنا هو الوقوف على حالتها الصحية. والحمد لله، وجدناها بحالة جيدة تمامًا وخالية من أية أمراض وبائية أو معدية. كانت أكبر مخاوفنا من الأمراض العابرة للهواء وسريعة الانتقال مثل الأمراض التنفسية".

عن سرّ خوف الفريق من هذا النوع من الامراض تحديدًا، يوضح رئيسه "الأمراض العابرة للهواء Airborne Diseases مثل الحمى القلاعية، يمكنها أن تنتقل عبر 80 لـ100 كيلومتر وتصيب الحيوانات في محيط السفينة، وأبعد من ذلك". يضيف بخصوص الأمراض الأخرى التي كان من الممكن أن تصيب الحمولة "هناك أمراض أخرى تنتقل عن طرق الحشرات مثل التهاب الجلد العقدي، وأمراض بالتلامس، لكن هذه صعب انتقالها لأن الحيوانات حبيسة داخل السفينة".

يشير الخبير البالغ من العمر 54 سنة، قضى 30 منها استشاريًا لشركات خاصة تعمل في مجال اعتاد خلالها التعامل مع شحنات بحرية منذ لحظة وصول السفن إلى الموانئ وصولا إلى المزارع، إلى أسباب المشكلات التي قد تتعرض لها الماشية، بقوله "يمكن أن تكون نتيجة إهمال، أو تكدس عدد أكبر من طاقة السفينة عن طريق احتيال يمارسه بعض القباطنة طمعًا في رفع سعر النولون".

لكن هذه الأمور لم يجدها الطبيب في السفن الأربع، والتي بجانب فحص حمولتها؛ اتخذ وفريقه إجراءات أخرى تتعلق بضمان السلامة الصحية للمواشي "بدأنا نفحص الأدوية الموجودة في السفن، وهل بين الحيوانات ما يحتاج العزل أم لا. وفحصنا الحالات المرضية، وتأكدنا من وجود أدوية وعيادات عزل، وأمدينا واحدة من السفن بأدوية كانت تحتاجها. كما أبلغنا الأطقم بأننا جاهزين بالأدوية وسنتابعهم بصوة دائمة".

معدلات طبيعية

يؤكد الأقنص أن حالات الأمراض التي وجدها على متن السفن "لم تكن وبائية، وكانت بنسبة طبيعية" قياسًا بحجم الشحنة البالغ 53 ألفًا و400 رأس من الخراف، و200 عجل فريزيان. وهو ما أكده أيضًا بخصوص حالات النفوق التي بلغت في السفن الأربع "بين 53 لـ 63 رأس بسبب التزاحم، وسوء التهوية، والهزال".

عن المعدلات التي لا تثير مخاوف فيما يتعلق بالنفوق يشرح الطبيب "النسب الطبيعية هي واحد لكل ألف رأس. وفي هذه الحالة يتم إضافة مادة حافظة لجثته ثم توضع في أكياس محكمة الغلق قبل إلقائه في المخلفات. فما وجدته في السفن من حالات نفوق كان في النسب الطبيعية تمامًا، وكنت حريص أشد الحرص على عدم إلقائه في مياه القناة".

في مثل هذه الحالات لابد من حفظ جث الحيوانات النافقة بطريقة معينة بحسب مدير إدارة الطب البيطري في الإسماعيلية "تقطيعها وإضافة مادة حافظة لها، ثم تغليفها في أجولة محكمة الغلق لحين التخلص منها خارج المياه الإقليمية".

وعن ارتفاع حالات الإصابات أو النفوق بين الماشية التي قضت 5 أيام، على الأقل، في مساحة مغلقة ومحدودة داخل المياه وبعيدًا عن المراعي والمزارع المفتوحة، نفى الأقنص هذا الاحتمال، نظرًا لقدرة الماشية على التكيف في مثل هذه الظروف.

يقول الطبيب "الماشية يتم شحنها من أسبانيا إلى الأردن أو السعودية مثلًا في خلال 4 أيام عبر قناة السويس. أما لو من البرازيل فيكون الوقت 40 يومًا. وخلالها لا يوجد أي مشكلات أو مضاعفات سلبية في صحتها طالما يتوفر لها التغذية والظروف الجيدة. أما القلق فيكون في حالة غياب واحد من هذه العوامل، الراحة والغذاء والنوم والمتابعة الطبية".

وبينما كان الأقنص وفريقه يعملون يوم السبت لإتمام مهمتهم كانت الأوامر صدرت لفرقتين أخريين و6 أطباء للتحرك من القاهرة وبورسعيد إلى الإسماعيلية بهدف دعمه؛ لتصل الفرقتان بالفعل ويجدا الطبيب وزميليه قد أتما المهمة.


اقرأ أيضًا: دليلك المختصر لفهم آثار توقف المجرى الملاحي لقناة السويس