إحدى منافذ بيع شركة غزل المحلة- الصورة: المنصة

خطة إحياء غزل المحلة: وداعًا للكساء الشعبي وأهلًا بالتصدير

إذا ساقتك الصدفة يومًا فدخلت أيًا من فروع تعاون غزل المحلة، وهي مقار توزيع منتجات شركة القطاع العام الشهيرة، لشراء ملابس، ربما يصدمك أن تلك الفروع لا تعرض منتجات مصانعها بل مصانع أخرى تتبع القطاع الخاص.

غير أن ذلك لم يعد مجالًا للدهشة من الشركة التي انسحبت من سوق الملابس بعد عقود من دورها الرائد كشركة قطاع عام تعمل على توفير الملابس للمصريين بخامات راقية وأسعار زهيدة في سياق سياسة "الكساء الشعبي"، وهي السياسة التي انحسر دورها بقوة مع خفض الجمارك على الملابس المستوردة وانتشار الملابس الصينية والتركية، وفي الوقت الراهن صارت غزل المحلة التي تسعى للخروج من خسائرها المتفاقمة، تستهدف سياسة جديدة تقوم على إنتاج الغزول وتصدير الملايات، ولا يستبعد أن نسمع في الفترة المقبلة عن عودة المحلة للربح، لكننا على الأرجح لن نشعر بدورها الاجتماعي الذي عايشته الأجيال السابقة.

ماذا يحدث في المحلة؟

كانت غزل المحلة واحدة من أهم المنشآت العامة التي تعتمد على سياسة دعم قوية من الدولة خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي، خاصة في ظل سيطرة الدولة على زراعة القطن وتمكين تلك الشركات من شراءه بسعر رخيص لتوفير الكساء للشعب، ولكن بحسب مصادر تحدثوا إلى المنصة من داخل شركة غزل المحلة، فإن مصنع الملابس الجاهزة التابع لها يعمل في الوقت الحالي بنحو 20% من طاقته الإنتاجية.

ويأتي تراجع دور مصر للغزل والنسيج، المعروفة بغزل المحلة، في المنافسة في مجال الملابس في ظل عجزها عن تسويق منتجاتها أمام الملابس المستوردة بحسب المصادر، وهو ما يعد لغزًا يستعصي على الفهم، في ظل انتشار منافذ توزيع الشركة في أماكن حيوية وانخفاض أسعار منتجاتها، حيث يتراوح سعر القميص الذي تنتجه بين 100 و120 جنيهًا.

بدأت تلك الشركات تواجه زيادة في تكاليف الإنتاج مع تحرير تجارة القطن في 1994، ثم اضطرت للانفتاح على التجارة الخارجية مع رفع حظر استيراد المنسوجات في 1998 والملابس في 2002، وقد اتجهت الدولة لفرض رسوم مرتفعة على الملابس المستوردة في هذا الوقت ولكنها خففت من تلك الرسوم خلال الأعوام الأولى من الألفية، مع تغير الذوق الاستهلاكي للمصريين في هذه الفترة بشكل كبير.

وبعيدًا عن الملابس، فقد استطاعت الشركة أن تنافس في مجال إنتاج الوبريات (الفوطة والبشكير) والأصواف وملابس القوات المسلحة، لكن خطط التطوير الخاصة بالشركة تركز على قدرتها على المنافسة في أسواق التصدير في مجال الملايات المصنوعة من الغزول المصنعة في الشركة، حيث تعمل حاليا على تطوير وإحلال مصنعين للغزل من أصل 8 مصانع بالشركة.

الماكينات في الشركة- الصورة: المنصة

والأهم من ذلك فإن الشركة تنشئ مصنعًا جديدًا لإنتاج الغزول الرفيعة عالية الجودة، يقول مسؤولو وزارة قطاع الأعمال العام إنه سيكون الأكبر من نوعه عالميًا، وبينما تبلغ التكلفة الاستثمارية الإجمالية لتطوير الشركة بين سبعة إلى ثمانية مليارات جنيه، فإن مصنع الغزل الجديد يستحوذ وحده على استثمارات لبنية تحتية بقيمة 780 مليون جنيه، بخلاف الماكينات.

جاء تأسيس هذا المصنع بتوصية من شركة ريتر السويسرية، التي تعاقدت معها الشركة القابضة لتوريد المعدات الجديدة الخاصة بخطة تطوير غزل المحلة. ويقول رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج الدكتور أحمد مصطفى للمنصة، إن "شركة ريتر هي أكبر مورد للعالم وهي مسؤولة عن تركيب حوالي 90% من مصانع العالم، وجهزت أكبر مصنع من معداتها لصالح شركة هندية بحوالي 140 ألف مردن (ماكينة لإعادة لف الخيوط، والمردن عمود يحمل بكرة لِلَفّ الخيوط عليها في آلة غزل أوتوماتيكيَّة)، ونريد أن نتخطى هذا الرقم في مصر بـ 180 ألف مردن، وهو أمر جيد تروج له الشركة عالميا أيضا".

وتم اختيار شركة غزل المحلة لتكون هي الشركة الراعية لذلك المصنع الجديد لتمتعها بمساحة الأرض الكافية لاستيعابه، حيث خصصت له مساحة تبلغ نحو 62 فدانًا، وفقا لما قاله هشام توفيق وزير قطاع الأعمال العام. للمنصة.

قصة السقوط في الخسائر؟

منذ تأسيسها كانت غزل المحلة رائدة في إنتاج الغزل والنسيج، لكن مع تقادم الماكينات والتصميمات وعدم قدرة الشركة على مواكبة التغيرات في نوع المنتجات وتسويقها، تراجعت مبيعاتها، ثم وقعت في دائرة مفرغة من الخسائر، ويقول مسؤول سابق بالشركة، رفض الإفصاح عن هويته، للمنصة، إن خسائر شركة غزل المحلة على مدى سنوات، ترجع بشكل أساسي لارتفاع كبير ومتزايد في تكلفة الإنتاج، ليس فقط بسبب استيعاب الشركة لعدد ضخم من العمالة، لكن أيضًا بسبب ارتفاع تكلفة الكهرباء والغاز والمواد الخام.

وبلغت خسائر الشركة نحو 751.88 مليون جنيه خلال العام المالي 2015-2016، وارتفعت إلى نحو 800 مليون جنيه في العام المالي 2019-2020، وفقًا لما صرح به مصدر للمنصة، رفض الكشف عن هويته.

وإلى جانب الخسائر المتراكمة في الشركة، فإن المديونيات زادت من أعبائها، وجزء من هذه الميديونيات كانت لصالح وزارة البترول وبلغت نحو 1.6 مليار جنيه في 2018، إضافة إلى مديونيات لصالح هيئة التأمينات الاجتماعية ووزارة الكهرباء، والتي تراكمت نتيجة عدم توافر سيولة في الشركة، حسب المصدر.

وكانت غزل المحلة تعتمد على القابضة للغزل والنسيج (الشركة الأم لشركات المنسوجات الحكومية) للحصول على دعم لصرف رواتب العاملين، وفقا للمسؤول السابق الذي تحدث للمنصة.

ووفقا للمصدر، فإن ارتفاع تكلفة الإنتاج، أدى إلى إيقاف تشغيل أحد توربينات توليد الكهرباء مما حد من القدرات الإنتاجية لغزل المحلة، ويقول مصدر آخر بالشركة للمنصة، إن ارتفاع أسعار الغاز زاد من تكلفة إنتاج كيلو وات الكهرباء في توربينات الشركة، بحيث بلغت أكثر من 250 قرشا (2.5 جنيه)، في الوقت الذي تقتصر فيه تكلفة شراء الكيلو وات الواحد من وزارة الكهرباء على 140 قرشا.

ونتيجة لارتفاع التكلفة، وتراجع مستوى المنتج النهائي مقارنة بالسوق، تراجعت نسبة صادرات الشركة إلى إجمالي إنتاجها حتى وصلت لأقل من 30% خلال السنوات الأخيرة.

وكانت قدرة الشركة على تعويض الخسائر من السوق المحلي محدودة، مع التزامها ببيع منتجاتها للمصريين بأسعار متواضعة في كثير من الأحيان.

كيف ستخرج من الخسائر؟

في الوقت الحالي، تسعى الشركة لتحويل استراتيجيتها نحو زيادة التصدير، حيث يقول مسؤولون إن الشركة تتطلع لأن تخصص نصف إنتاجها للسوق الخارجي، مع تخصيص منتجات جديدة تُصنع خصيصا للتصدير، مثل الملايات الفاخرة والوبريات، وسيساهم المصنع الجديد في إعطاء دفعة قوية لهذه المخططات.

وبحسب بيانات وزارة قطاع الأعمال، فإن المصنع الجديد سينتج نحو 30 طنًا يوميًا من الغزول الرفيعة الفاخرة، والتي يمكن أن تنتج 145 ألف متر ملاية كل يوم، لكن مسؤولًا سابقًا في الشركة قال للمنصة إن المخططات الجديدة قد تصطدم بمنافسة قوية في السوق العالمية، نظرا إلى أن العديد من الشركات الكبرى تتنافس على سوق الملايات في الأسواق الخارجية.

ويقول المسؤول، الذي رفض الكشف عن هويته، إنه "كان من الأفضل أن تختبر الشركة وحدة إنتاجية صغيرة لإنتاج الغزول الرفيعة، وتسويقها، ثم التوسع في الصناعة بعد البيع وليس العكس، ودراسة ما إذا كانت الطاقة الإنتاجية المزمع إنتاجها من الغزول وهي 30 طن يوميا أي ما يقارب ألف طن شهريا، ستذهب جميعها إلى التصنيع لإنتاج الملايات، أم أن السياسة ستمزج بين تصدير الملايات وتصدير الغزول الخام".

كما يرى المصدر، أن إنتاج ملايات فاخرة، مصنوعة من القطن المصري الخالص، هو منتج جديد وسيكون من الصعب ترويجه لأنه سيكون مرتفع التكلفة، مقارنة بالمنتجات المشابهة الأقل في الجودة والسعر.

المكاكينات في الشركة- الصورة: المنصة

إضافة إلى التحديات المتعلقة بالتسويق والبيع بالخارج، فإن اعتماد شركة غزل المحلة على القطن المصري في الإنتاج يمثل تحديًا إضافيا، في حال لم تتمكن الحكومة من تحفيز المزارعين على زيادة المساحات المزروعة من القطن، والتي تراجعت خلال السنوات الماضية.

وعلى مدى سنوات، خفَّض المزارعون مساحات زراعة القطن المصري طويل التيلة، مع تراجع أسعاره مقارنة بارتفاع تكلفة الزراعة، وعدم تقديم الحكومة دعمًا للمزارعين، بالإضافة إلى اعتماد الصناعة المحلية في القطاع الخاص على القطن المستورد منخفض التكلفة.

ووفقا لبيانات الهيئة العامة لتحكيم الأقطان، تراجع إنتاج مصر من الأقطان الموسم الماضي 2019 – 2020، نتيجة انخفاض المساحة المنزرعة إلى نحو 183 ألف فدان، بعد أن وصلت المساحة إلى مليون فدان قبل سنوات.

وعلى الرغم من توقعات بارتفاع مساحات الأرض المنزرعة بالقطن المصري طويل التيلة في الموسم الجديد 2020-2021 بنحو 20% يرى المصدر أن الأمر لا يقاس بشكل سنوي في حال ضخ استثمارات بهذا الحجم، لكنه يتطلب خطة استراتيجية تعمل عليها جميع الأطراف لضمان استدامة توفير المادة الخام قبل جلب المعدات.

مصير العمال

على مدار عقود كانت غزل المحلة أحد أبرز المنشآت المساهمة في تشغيل العمالة، نظرًا إلى أن صناعة المنسوجات بطبيعتها صناعة كثيفة التشغيل، وفي الوقت الراهن يصل عدد المشتغلين في الشركة لنحو 15 ألف عامل، ينتظرون بشغف تطوير الشركة حتى يصبحوا طاقة إنتاجية أكثر فاعلية، بدلا من النظر لأجورهم على أنها عبء على ميزانية الشركة.

وقد توقفت المحلة عن تعيين عمال جدد منذ نحو عشر سنوات، لكن ميزانية أجور العمالة الحالية تتراوح بين 700 إلى 800 مليون جنيه سنويا، وهو رقم كبير بالنسبة لشركة تسجل خسائر صافية في كل عام، حسبما أوضح مصدر للمنصة.

وبحسب مصادر داخل الشركة تحدثنا معها، فإن برنامج تطوير الشركات التابعة للقابضة للغزل والنسيج يشتمل على برامج لتدريب العمالة على الماكينات الجديدة، وقد بدأت غزل المحلة بالفعل في إجراء هذا النوع من العمالة، وهو ما يوحي بأن الشركة تعتزم الاستفادة من العمالة الموجودة لديها، ولن تتركهم على مقاعد الاحتياطي حتى يصلوا لسن التقاعد.

ويقول مصدر باللجنة النقابية للعاملين للمنصة "المصانع الجديدة ستحتاج عمالا بالتأكيد وسيتم اختيار المتمكنون من التعامل مع ماكيناتها بعد تدريبهم، لكن هذا لا يعني الاستغناء عن العمال الذين لم يتدربوا على الماكنيات الجديدة، فالمصانع الأخرى في الشركة مازالت تعمل وستحتاج لعمالها".

لكن مصدرا بالشركة أوضح للمنصة أنه من المرجح أن تستعين الشركة بعدد من العمالة الخارجية، في المصانع الجديدة، إضافة إلى عدد من عمال الشركة، كنوع من تجديد الدماء، وحتى تتمكن الشركة من معادلة الأجور مع التكلفة الإجمالية للمنتجات الجديدة.

بالرغم من الزخم الإعلامي حول خطط تطوير المحلة، والترويج لإنشاء أكبر مصنع من نوعه في العالم داخل هذا المجمع الصناعي الذي يقترب عمره من المائة عام، لازال مستقبل هذا الكيان يحمل الكثير من الضبابية، حيث يختلف الخبراء الذين تحدثوا للمنصة بشأن توقعاتهم لمدى قدرة استراتيجية الشركة الجديدة على تعزيز تنافسية منتجاتها، ومساعدتها على الخروج من الخسائر، كذلك لا يزال غير واضح إلى أي مدى ستتمكن الشركة بفضل أعمال التطوير تلك من الاستفادة من فائض العمالة الضخم لديها، لكن المعطيات الحالية توحي بأن الشركة لا تضع المستهلك المحلي في خطتها مثلما كان الحال في السنوات السابقة، ولن تعود كمنافس قوي يوفر الكساء بأسعار تناسب مختلف الطبقات، وهو الدور الكلاسيكي للشركة الذي لازال عالقًا في أذهان الكثيرين.