جانب من محادثات وزيري الخارجية سامح شكري والري محمد عبد العاطي مع جيفري فيلتمان المبعوث الأمريكي للقرن الأفريقي. الصورة من رئاسة مجلس الوزراء - فيسبوك

المياه حق وليست سلعة: خطوات ضرورية لتقوية موقف المفاوض المصري مع إثيوبيا

تصاعدت في مصر، مع تعثر المفاوضات الثلاثية بشأن سد النهضة قبل أسابيع، نبرة الحرب ضد إثيوبيا، واستدعى كثيرون تحذيرات أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي في وقت سابق من المساس بحصة مصر في نهر النيل. لكن شيئًا فشيئًا، هدأ الخطاب وانخفضت النبرة، وعدنا للحديث عن المحافل الدولية والجهود الدبلوماسية وبات التصعيد يتمثل في التوجه إلى مجلس الأمن الدولي.

وفي ظل الجهود الدبلوماسية التي تقوم بها مصر، كتب السفير المصري في واشنطن معتز زهران في 29 أبريل/ نيسان الماضي مقالًا في فورين بوليسي أشار فيه إلى أن ملء سد النهضة دون اتفاق سيتسبب في أزمة مياه كبيرة في مصر سيكون القطاع الزراعي أكبر المتضررين منها.

وأشار السفير أيضًا في مقاله إلى أن كل مليار متر مكعب ينقص من حصة مصر، يعني تدمير أكثر من 300 ألف فدان وخسارة 290 ألف فلاح لأعمالهم وزيادة الواردات الزراعية بمقدار 150 مليون دولار وخسارة الإنتاج الزراعي بمقدار 430 مليون دولار. وهذا يمثل عودة للخطاب الكارثي لآثار الملء على مصر.

تبدو هذه التقديرات مبالغ فيها إذا ما أخذنا في اعتبارنا حديث وزير الري والموارد المائية محمد عبد العاطي مع الإعلامي عمرو أديب، وشرحه باستفاضة وهدوء لأبعاد الموقف الحالي وآثار الملء الثاني على مصر، وكيف أن المشكلة الأساسية لمصر هي الملء في ظل الجفاف أو سنوات الجفاف المستقبلية.

الوزير أيضًا أشار إلى أن الدولة تتبع منذ خمس سنوات خطة للمحافظة على المياه، من خلال تخفيض زراعات الأزر والصوب والموز، وتبطين الترع وأيضًا تجميع مياه المطر وتنقية مياه الصرف وكذلك تقنين استخدامات المياه الجوفية.

وفي اللقاء نفسه، أكد الوزير بشكل قاطع أن أحاديث الجوع والعطش التي تحتل مساحة ضخمة من النقاش العام على المنصات الإعلامية، فيها الكثير من "التهويل والسطحية".


تدفع كلمات وزير الري إلى الاطمئنان النسبي، حيث وضح جاهزية الإدارة المصرية للمياه لامتصاص الصدمات، لكن الخطاب حول الجوع والعطش لا يزال يسيطر على مخيلة الكثيرين، بل ويمثل جزءًا أساسيًا من بنية خطاب الدولة، مثل مقال السفير زهران.

كيف يرد الإثيوبيون على الخطاب المصري؟

يواجه الخطاب المصري بشكل عام نقدًا من الإثيوبيين بأنه يركز على جانب العرض (كمية المياه التي تصل مصر) دون أن يعني بجانب الطلب (كيفية توزيع هذه المياه). كما يشير الخطاب الإثيوبي إلى الوفرة المائية التي تتمتع بها مصر إلى درجة تسمح لها بالتمدد في مشروعات الاستصلاح الزراعي، في الوقت الذي تصرخ فيه بأنها مهددة بالعطش، لكنَّ إثيوبيا تعاني من أزمة تنمية ونسبة من لهم النفاذ إلى مياه الشرب أو الغذاء الآمن أو الكهرباء محدودة جدًا مقارنة بمصر.

ذلك مثلًا هو الخطاب الذي يستخدمه ويروج له دائمًا الخبراء بمركز الضغط الإثيوبي في واشنطن Weaspire حين يطرحون نقاشاتهم الدورية حول المياه، وهي نقاشات تستند إلى أنه في الوقت الذي يموت فيه الإثيوبيون من العطش، تمنح مصر المياه لشركات استثمارات دولية وتتوسع في زراعة الصحراء وتصدير المنتجات. وفي إنفوجرافات يصدرها المركز، يقارن بين الأوضاع المتدهورة في إثيوبيا من جهة، والأوضاع في مصر والولايات المتحدة من جهة أخرى، في رسائل من الواضح أنها موجهة للأمريكيين.



مقارنات مركز الضغط الإثيوبي Weaspire لوفرة المياه في كل من إثيوبيا ومصر والولايات المتحدة.


ولن يواجه الإثيوبيون مصاعب في الوصول إلى تفاصيل التوسعات الزراعية، فتفاصيل مشروعات الدلتا الجديدة ومشروع 5 مليون نخلة ومشروعات العوينات وغيرها منتشرة، عبر صور الأقمار الصناعية وأيضًا الصفحات الأولى للصحف القومية، وجولات الرئيس في تلك المناطق.

تركز السياسات الزراعية المصرية على التصدير والمزارع الكبيرة والزراعة الصحراوية كأساس لحل الأزمة الزراعية، وتقوم منذ سنوات بتقليص استهلاك الفلاحين للمياه في مقابل دعم وصول المياه للمستثمرين، وهي مياه يأتي بعضها من مياه الآبار الجوفية وبعضها الآخر قادم من النيل مثل مزارع النخيل والبرسيم في توشكى.

جزء من الخطاب الرسمي المصري يستند إلى أن إثيوبيا بلد مطيرة وتصلها كميات من الأمطار تقدر بحوالي 936 مليار متر مكعب سنويًا، ولكن الرد الإثيوبي يشير إلى أن لدينا مياهًا جوفية وخزانًا ضخمًا في النوبة بالاضافة الي مياه بحيرة ناصر الهائلة، يمكن مع "الاستغلال الرشيد" للموارد وعدم استنزاف المياه في مشروعات الزراعة الصحراوية التصدير، توفير موارد مياه متعددة لمصر.

ويؤكد عضو اللجنة القومية للري بوزارة الري والموارد المائية، الدكتور مدحت خفاجي، في حوار سابق مع المنصة، مشكلات الزراعة الصحراوية، حيث يرى إن التحول للري بالرش أو التنقيط يؤدي إلى تملّح الأراضي، ويضرب مثالًا بما حدث لمشروعات الري المحوري في منطقة الصلاحية بعد تملح الأرض، ويذكر أن السعودية أوقفت تجربتها في التوسع في الري بالرش، حيث إن استخدام هذه الأساليب الحديثة يناسب البلدان المطيرة في رأيه، لأن الأمطار تغسل التربة وذلك لا يحدث في اغلب الصحاري في مصر.

الفلاحون: ضحايا لا نهتم بهم

الخطاب الرسمي المصري في مفاوضاته مع إثيوبيا يشير أيضًا على الدوام، إلى أن الفلاحين هم أكثر من سيتضررون ويفقدون أراضيهم ووظائفهم بسبب الأزمات المتوقعة بعد بناء سد النهضة. وهذا بدوره يستدعي أن تُظْهِر الدولة اهتمامًا أكبر بالفلاحين وأن يظهر ذلك بوضوح على مستوى الخطاب والممارسات، حيث ترتكز خطة تقليص استهلاكنا للمياه على تحميل الفلاحين أعباء نقص المياه المحتملة عبر تقليص زراعات معينة وتكثيف الغرامات عليهم، كما يُظهر تغير قانون الري وخطة وزارة الزراعة والري ذلك.

في الأوان الأخير، شهدت أوضاع الفلاحين تدهورًا كبيرًا، ومن الصعب أن تُقنع الحكومة المصرية الجانب الإثيوبي بأنها تدافع عن مصالح الفلاحين المصريين، في الوقت الذي تجمّد فيه نقابة الفلاحين في مصر نشاطها لتجاهل الحكومة لمصالح الفلاحين.

وبينما تؤكد الحكومة أنها تدافع عن حق المصريين في المياه، فإنها في نفس الوقت تمنح الأرض والمياه إلى الشركات الأجنبية. إن المساحة المستحوذ عليها من مستثمرين أجانب في مصر تقدر بحوالي 400 ألف فدان، وهذه الأراضي قد تستهلك كمية من المياه أكبر، وفقًا لتقديرات دراسة البروفيسور الهولندي فان بيك، وهي الدراسة التي استعان بها السفير المصري في مقاله.

يتطلب الواجب المنزلي إذن تجميد نشاطات الاستحواذات الأجنبية على الأراضي ولو لفترة محددة، ومراجعة جميع العقود الحالية، في خطوة قد تكون جزءًا من مبادرة يتم طرحها علي نطاق الدول الثلاث لتجميد الاستحواذات على الأراضي لمدة خمس سنوات، يمكن أن توفر جزءًا مهمًا من المياه في مصر وإثيوبيا والسودان من أجل تنمية الاقتصادات الزراعية المحلية والمستدامة.

إعادة ترتيب البيت

بات ضروريًا أن نرتب البيت من الداخل ونسد كافة الثغرات التي قد يستغلها الإثيوبيون لتفنيد الخطاب المصري المستند، عن حق، على أن النيل هو مصدرنا الأساسي للمياه، وأن نقصها قد يتسبب في كوارث اجتماعية وبيئية واقتصادية، وأن أكبر المتضررين، وفقًا لمقال السفير، هم الفلاحين والمهمشين. هذا الترتيب الداخلي يتطلب حتمًا، إعادة التفكير في إدارة ملفات الزراعة والمياه في مصر بشكل سريع وحاسم، يسمح بتقوية موقف مصر من المفاوضات من جهة، ويحد من أثر السد علي الفئات الأكثر هشاشة من جهة أخرى.

فمثلًا؛ تستخدم مصر في خطابها الدبلوماسي في المفاوضات حجة أن المياه حق لنا وليست سلعة، وتواجه بقوة الدعوات الإثيوبية لبيع مياه النيل لباقي الدول، ولكن هذا الخطاب لا يُستخدم على المستوى المحلي بسبب خطط الدولة لخصخصة المياه.

خلال السنوات الثلاث الماضية، رفعت الحكومة المصرية تعريفة المياه المنزلية بنسبة تزيد عن 100% بدافع من صندوق النقد الدولي وخطاب الندرة المستند نوعًا ما إلى سد النهضة.

لكن هذه الزيادة قد لا تحد بالضرورة من استهلاك المياه ولكنها دون شك تعمق التفاوت الاجتماعي وتزيد من صعوبة وصول الفئات الأكثر فقرًا إليها، فوفقًا لدراسة حديثة منشورة بمجلة علمية دولية محكمة للباحثة الاقتصادية شيماء وهبة، فإن ارتفاع أسعار المياه يؤثر بشكل أساسي على الفقراء ويزيد من تفاقم عدم المساواة، حيث إن سياسات تسعير المياه لها تأثيرات أقل على عادات استهلاكها للأسر الغنية.

ولكن مراجعة أسعار المياه هنا تبدو ضرورة، ليس فقط بهدف تقليل التفاوت الاجتماعي ولكن أيضًا بهدف تثبيت "حق" المواطنين في المياه، بما أنها ليست سلعة، فيصبح منطقيًا تبنّي مبدأ الحق في المياه في الصراع مع إثيوبيا. لا يمكن أن نعتبر المياه سلعةً في خطاب وحقًا في خطاب آخر.


اقرأ أيضًا: إعلان مبادئ سد النهضة: هل ورطت مصر نفسها بالتوقيع؟

السيسي لدى استقباله أبي أحمد في القاهرة يونيو 2018. من صفحة المتحدث باسم الرئاسة - فيسبوك.

باخصار تقليل التفاوت ومعاملة مياه الشرب كحق وليس سلعة ومراجعة خطط الاستثمارات والتوسعات الزراعية وإعادة الاعتبار للفلاحين وتجميد عقود الاستثمار الزراعي الأجنبي هي أدوات أساسية لخلق تجانس بين السياسات الداخلية والخطاب الموجه للإثيوبيين قبل الدخول في مفاوضات في مجلس الامن. ومن شأن هذه الإجراءات أن تدحض مزاعم الإثيوبيين حول تناقضات الواقع المصري ومن شأنها أيضًا أن تحقق شكل من أشكال الالتفاف الوطني الإيجابي حول الموقف المصري الذي يدعم ويدافع عن حقوق المواطنين في المياه والغذاء.

هذه الازدواجية، المتمثلة في محاولة تسويق خطاب الندرة والعطش ومخاطر الجوع والجفاف إلى جانب أخبار التوسع في مشروعات الري والزراعة التصديرية العملاقة، تجعل مهمة الدبلوماسية المصرية في تسويق الخطاب المصري في المحافل الدولية أكثر صعوبة، وتتطلب مراجعة حقيقية تتبعها إجراءات على أرض الواقع، تنهي هذه التناقضات وتقوّي موقف المفاوض المصري.