فلوكة في النيل- الصورة: فليكر، David Berkowitz، برخصة المشاع الإبداعي

في الطريق إلى الفرد: رحلات داخل "نهر النيل"

1

في منتصف التسعينيات، سمعت عن فيلم وثائقي عن نهر النيل، يقوم الروائي صنع الله إبراهيم بكتابة السيناريو له. كنت وقتها في بداية علاقتي بهذه "الأفكار الكبيرة"، التي لا تخص السياسية، أو اللغة، أو الدين، ولكن تخص الجغرافيا، وبالطبع حلمت بأن أكون كاتبًا لهذا السيناريو، ومتنقلا بين نقطة وأخرى على ذلك المسار المائي، وصولًا حتى المنابع.

كنت أبحث في الجغرافيا والسفر عن حل لأزمة ضياعي، وعدم وجود صياغة مرضية لممارسة "فرديتي" في المدينة، التي تحولت فيها الفردية إلى عزلة، أدافع عنها بقوة، ومعها تزيد المسافة بيني وبين الآخرين، التي انعكست عليَّ بفقدي للثقة والشك في طريقتي لتحقيق هذه "الفردية"، وأيضا في مكوناتها.

اختلقتُ "جغرافيا متخيلة"، وخططت لسفريات طويلة في خيالي، مدن أجتازها، ومياه أبحر فيها، ولا أرى نهايتها، غير عابئ بالحدود التي تقطعها، ولا بالحدود النفسية التي تصوغ فرديتي. كانت هذه الخرائط والجغرافيا المتخيلة تخفف من غلواء هذه الفردية، وتذيب حدودها تدريجيًا، وتقرب المسافات، داخل العقل قبل أن تكون حقيقة على الأرض؛ بيني وبين الآخرين، والحياة بمفهومها الواسع، كجرعة هواء نقي.

2

رغم أني عشت في طفولتي سنتين في مدينة سوهاج، لكنني لم أر النيل، بسبب صغر سني، عندما كنا نعبر الكوبري في اتجاه مدينة أخميم حيث كان يعمل أبي. عاودت الكرة وقمت برحلة لمدن الصعيد بعد وفاته عام 1992، تقاطعت فيها كثيرًا مع النيل، ولكني لم أكن أراه، أيضًا، بل أرى أبي في كل خطوة، حتى وإن لم يظهر بوجهه الحقيقي، ولكن وجوده، وإحساسي بالذنب لموته، كانا مثل ستارة حجبت عني كل ما حولي، وجعلتني أنظر فقط في داخلي، في فرديتي الهشة، وبدون التوقف عند ذكرى محددة.

كان نهر النيل، في أحاديثهم، مدفونًا داخل أزمة وجود، وهوية، بدأت مع التهجير، مما جعل ذكراه حزينة، مثل ذكرى الأب الميت، الإحساس بالذنب لموته، يحجب عنها رؤية الحياة.

3

عام 1996 اشتركت أنا وسلوى (زوجتي)، ومجموعة من الأصدقاء، في رحلة أسطورية مع النادي النوبي في الإسكندرية، لزيارة قرى التهجير النوبية في كوم أمبو، وصولًا للقرى التي لم تهجَّر في مدينة أبو سمبل. دخلنا في عمق حياة، وثقافة، بوجهيها المرح والحزين معا؛ مرة واحدة وبدون مقدمات. خلال هذه الرحلة، قليلة كانت اللحظات التي تقاطعنا فيها مع النيل. كان حاضرًا، ولكن ككيان تم فقده في الحياة النوبية، بعد أن تم تهجيرهم من على ضفتيه، ولكنه ظل باقيًا كإيقاع على الأجساد، وفي طبيعة النفس الهادئة. لم يبق، في ذاكرتهم، إلا حضوره المتخيل شديد المثالية. كان نهر النيل، في أحاديثهم، مدفونًا داخل أزمة وجود، وهوية، بدأت مع التهجير، مما جعل ذكراه حزينة، مثل ذكرى الأب الميت، الإحساس بالذنب لموته، يحجب عنها رؤية الحياة.

ولكن في هذه الرحلة عبر قرى التهجير، اقتربت من مفهوم "نهر النيل" كرمز جمعي، تجسد في تلك الروح الجمعية التي تسم النوبيين، رجالًا ونساءً وأطفالًا، في الرقص والغناء. هذه الذاكرة الجمعية التي استوعبت كتاب "نهر النيل" جيدًا، وحفظته داخل إيقاع حياتها، شديد الخصوصية والحيوية. كان جسدي يذوب تلقائيًا في إيقاع رقص وغناء جماعيين، بينما يقف النيل، في مشهد شديد الوضوح، من خلفهما تمامًا، في ذلك المسرح المتنقل الذي ينصب أينما حللنا، على أي قرية وفي أي مكان، وأي ساعة.

4

ظل يطاردني شبح رحلة صنع الله ابراهيم، لمنابع النيل، بالرغم من أن الفيلم لم ينتج. لم تتحقق رحلتي الخاصة داخل نهر النيل، إلا مع بدايات الألفية الجديدة، وإصدارنا لمجلة أمكنة. كنت وقتها مشبعًا بهذا النوع من الأفكار والمشاريع الكبيرة، غير السياسية، كجمع الأغاني الشعبية، أو رسوم الحج، أو كتابات دورات المياه، كما جمع د. سيد عويس الرسائل الموجهة للإمام الشافعي. كل هذه المشاريع المتخيلة، كانت تصب في صالح قراءة هذه الشكل الأثير والحميم من الذاكرة الجمعية، التي تتكون في الظل، والتي ننتمي إليها، وتربط فردياتنا بعضها ببعض، ثم تحويلها إلى سير ذاتية.

نهر النيل في أسوان- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

قمنا، سلوى وأنا، بعدة رحلات داخل نهر النيل، في الجزء الذي يخص مصر. بدأت ألمس بلساني طعم هذا الشغف والمتعة اللتين سأحصلهما عبر رحلة مجردة للنيل، وعبر تحويله إلى كيان له سيرة ذاتية، يصنعها الناس التي تعيش على جنباته. في كل رحلة كان هناك جديد، يضاف جزء من سيرة النيل، أو يظهر وجه جديد له. أصبح له وضوح رمزي في ذاكرتي، وخططنا كثيرًا على تلك الخريطة الكبيرة التي كانت ترافقنا، تلك النقاط، باللون الأحمر والأزرق، للأماكن والطرق التي مررنا بها، في المنيا، وأسيوط، سوهاج، قنا، نجع حمادي، أسوان، الأقصر. أحيانًا كنا نتحرك بالقطار، وأحيانًا بمراكب شراعية محدثَّة بموتور، وأحيانًا بمراكب شراعية صرفة، وأحيانًا بالميكروباصات، لنصل لنقطة تقع على مساره، أو نتقاطع معه.

5

يمتد هذا المسار المائي حتى المنبع، وربما يتعداه إلى الجنة، كما تقول الحكاية الشعبية. كلما سرنا داخله، شعرت بأننا نقترب من المنبع، أو في الطريق المؤدي إليه، كأنك تحج، ولكن دون وجود مركز لهذا الحج، إلا هذه النقطة الزمنية التي تعود لملايين السنوات التي ولد منها هذا النيل، وأيضًا لهذه النقطة الجغرافية الراسخة في العقيدة الشعبية بأن النيل يأتي من العالم الآخر، الجنة، تلك النقطة البعيدة التي لا نراها، ولكنها تشكل حياتنا. من الجنة امتد هذا النيل، ليربط السماء بالأرض، لم تكن هناك كشوف جغرافية، ولكن الكشف اعتمد على الحدس والنية والخيال، أو على الإيمان بأن الطريق للسماء، أو للعالم الآخر، في الفكر المصري، يعبر بنهر النيل، ومن هنا اكتسب قدسيته واكتسب السير في طريقه قدسية موازية.

في الاعتقاد الشعبي نشأ النيل بمعجزة؛ تحكي حكاية سيف بن ذي يزن، أنه كان يسير والمياه تسير وراءه، وأن سيره يشق الأرض مثل زلزال، بقوة كتاب يقرأ فيه أثناء سيره اسمه كتاب "نهر النيل". كتاب له القدرة على أن يشق الأرض عميقًا، ويأتي بالمياه، كفعل كتابة وتحبير لهذا الشق العميق.

6

هذا الكتاب الجغرافي المقدس، كان يجمع رموز الديانات والحضارات التي نشأت على ضفتيه: مصر القديمة أو مصر القبطية أو الإسلامية. في دير جبل الطير في سمالوط، الذي يقع أمام النيل بالمنيا، مكثت السيدة العذراء، هي ووليدها، في رحلتها إلى مصر. ربما كانت السيدة مريم، تأخذ وليدها في الليل، وتخرج به لتستمد السكينة من نظرها لكتاب النيل المقدس. كان النيل مرشدًا للعائلة المقدسة، مكان عبور وتخف واستئناس من وحشة المطادرة. قابلنا مرة أخرى العائلة المقدسة، بعيدًا عن النيل، في دير السيدة العذراء في درنكة، في جبل أسيوط الغربي، التي تبعد 10 كيلومترات من أسيوط.

في "زاوية سلطان"، أو "زاوية الأموات"، أو "حوش الباشا"، كما يطلون عليها، التي تحوي مقابر المسلمين، وتقع على الضفة الشرقية للنيل في المنيا، والتسمية ترجع لمحمد باشا سلطان، خال السيدة هدى شعراوي، المدفونة هناك، يحتضن الجبل هذه المقابر، المنحوتة على شكل قباب بيضاوية. هناك كان النيل هو المهرب لهؤلاء السيدات اللاتي يسكن في حجرات صغيرة ليس لها مرافق، وابيضت أيديهن، وأعينهن، من تقطيع حجارة الجبل البيضاء.

المقبرة في التقليد الفرعوني لا تعني الموت، بل هي كتاب حياة صاحبها، الذي يحوي كل التفاصيل المدونة على الجدران، بجوار جثمانه.

في نجع الشديدة، في أبو الريش بحري أسوان، كان النيل، من بعيد، كخط أزرق فاصل، يمنع هذه القرية من الذوبان في الصحراء. كانت الجدة وحفيداتها يجلسن على الطريق العام ينتظرن وفادة الغرباء من أمثالنا، بالفاكهة والشاي والابتسامة الصافية والذكريات، أمام هذا البيت المنحوت في الصخر، المشيدة به بيوت القرية، كنوافذ في الجبل، يصفر فيها الهواء.

7

في الصعيد النيل له حضور قوي، وطاقة روحية، لأن الحياة تقوم عليه، وتتشعب فروعها ومساراتها منه، لذا مازال لهذا العضو الطبيعي احترامه وحواره مع الحياة التي حوله. أثناء حياتك اليومية تصطدم به دون قصد، لأنه موجود عند كل نقطة هامة، ستعبر بها: جسر، قناية، كوبري، معدية. لم يتراجع إلى خلفية المشهد كما حدث في القاهرة. في حياة المدن يصاب كل عضو حيوي بالانعزالية والفردية.

صنع ضفتين، ضفة للحياة، والأخرى للموت، وعبر الرحلة بين الضفتين يمكنك أن تتصل بالماضي، فكما يصل النيل بين البلاد، فهو أيضًا رحلة في الزمن. أي تقاطع مع هذا العالم المائي، يصلك مباشرة بالعالم الآخر، عالم البعث، بسكونه الحاد. الموت والبعث في الديانات المصرية القديمة يحدثان بلا صخب، كل فرد على حدة يحاسب ويبعث، بهدوء، كأن الموت جزء أصيل من الحياة، لذا نهر النيل له منبت فردي، بالرغم من رمزيته الجماعية، يمكن أن يتمثله أي فرد على حدة.

8

لا ظواهر ملفتة تخص مشهد النيل: قوارب، نوارس، شباك الصيد، تيارات هادئة وأمواج صغيرة، تستسلم بهدوء على إحدى الضفتين، ثم تعيد الكرة تبعًا لاتجاه الريح، أناس يسيرون، يزرعون، يشربون الشاي، يشربون الجوزة، سيدات يغسلن ملابسهن، وأوانيهن، أطفال يبلبطون في المياه. أي شيء هام، ومتعدد، وشامل كنهر النيل، لن تتبدى أهميته إلا بتلك المفردات البسيطة التي تخص الحياة في أمس متلطباتها، كأنه يواري موهبته، وعطاءه، تحت هذا القناع الهادئ. يجاور القرى بهدوء وسكون يصل لحد التصوف. لنهر النيل وجوه عديدة، أحد هذه الوجوه الثبات، كل يوم تفتح عينيك لترى المشهد نفسه، مشهد أبدي لمياه تجري، أليس الثبات صورة أصيلة من صور الحياة، كالهواء والريح والتراب؟

9

هناك حرس شرف من مقامات الأولياء المتصوفة، بطول نهر النيل في مصر، كل قرية أو ناحية لها شيخها، وحارسها، المدفون على النيل، تحت شجرة كافور وارفة وأمامها أزيار المياه. تتردد أسماء الشيخ ياسين، والشيخ سليمان والشيخ مخلوف، والشيخة حباسة، والشيخ عمران، والشيخ فضل، والشيخ خالد والشيخ أحمد التوني. أحيانًا تتخذ هذه المقامات مكانًا عاليًا، ينظر للنيل من أعلى، كقبة الهوا، أو قبر الآغاخان في أسوان، هذه التكوينات التي يصفر فيها الهواء، وتشعر أن المقام / القبر على وشك الطيران.

عندما دخلنا إحدى قلايات الرهبان في دير سان سيمون المهجور بصحراء أسوان، شعرت بأن المكان كله كان طائرًا في الزمن. كانت هذه القلايات تأوي المسافرين المسلمين، قديمًا، أثناء عبورهم. عندما دخلناها طارت مئات الخفافيش التي كانت تسكنها، وتقتات على رطوبتها. قرأنا على جدران إحداها "حضر العبد الفقير إلى الله (الاسم غير واضح) في شهر صفر سنة أربع وتسعين وستماية وهو يسأل الله بلوغ مقصوده قبل الموت والسلام".

10

الموت يتخذ زينته أمام نهر النيل. قباب "زاوية الأموات"، جمال التصميم البيضاوي للمقبرة ولا نهائيته، يقارع الموت، ويخفيه. أيضًا قباب المقابر المسيحية الممتدة حول كنيسة أباهور بقرية سوادة، التي صادفناها في طريقنا لمقابر بني حسن الملكية، التي تقع على قمة الجبل، أمام مدينة أبو قرقاص، حيث يظهر من بعيد دخان مصنع السكر. توثق هذه المقابر الملكية أيضًا لشكل مختلف من أشكال الموت الممتدة على ضفاف نهر النيل. المقبرة في التقليد الفرعوني لا تعني الموت، بل هي كتاب حياة صاحبها، الذي يحوي كل التفاصيل المدونة على الجدران، بجوار جثمانه.

مررنا بمقابر مدينة الهو، التي تبعد 15 كيلو مترًا عن مدينة نجع حمادي، بسبب مشهد قديم شاهدته في فيلم المومياء لشادي عبد السلام، حيث يقف البطل ونيس أمام شاهد مقبرة على شكل جمل، ومن حولها زهور بنفسجية تزروها الرياح. مشهد شديد الرقة لتجسيد شاعرية الموت. كانت هذه المقبرة التي رأيتها في الفيلم، إحدى مقابر مدينة الهو، آلاف من شواهد الجمال المزينة برسومات ووحدات زخرفية وبألوان شديدة الوضوح والثبات، منها ما يميز الرجال والنساء، والأطفال، وفي الوسط منها، هناك جامع ومقام الأمير ضرار، الذي كان صحابيًا لرسول الله. تحول المقام إلى محطة في مسار الحج القديم.

11

في طريقنا لمقابر بني حسن، مع عم شحاتة المراكبي، في مركبه الشراعي الذي ركَّبَ له موتوًرا، قضينا 8 ساعات، ذهابًا وإيابًا، داخل النيل، صادفنا بيوتا مبنية فوق مصاطب أسمنتية، وشبابيك صغيرة تطل منها وجوه تحيينا. مشهد بطيء للغاية، وربما هذا البطء هو الذي يمنح أي رحلة أسطوريتها، أن تدخل أكثر وبهدوء في المشهد، فهي ليست رحلة لاكتشاف الجديد والطارئ، وإنما لتأكيد تمسكنا بالحياة عبر هذا المشهد الذي منحته لنا الطبيعة والجغرافيا.

رحلة نيلية- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

جاءت لحظة تناول وجبة الطعام، التي أعدها لنا عم شحاتة، كانت عبارة عن عيش قمحي وجبنة قديمة وكشك. تناولناها بشهية مفتوحة، الشهية نفسها التي لاحظناها على مجموعة من الفتيات الصغيرات العائدات بالمعدية من أسيوط لجزيرة الواسطى وهن يتناولن "وجبة النيل". كل منهن كانت تحمل فوق رأسها جوالًا، باتزان خالد، به نصيب عائلتها من العيش الطازج، الذي اشترته من الطابونة في أسيوط. جلسن على الأرض، وبمجرد وصول المعدية لمنتصف الطريق، انفتحت شهيتهن، وأخرجن بعض الأرغفة الساخنة، والمخلل والطعمية وتناولن وجبتهن. لم يكن موعد إفطار أو غداء، ولكن النيل يحفز الشهية على الاحتفال به، بهذه الوجبة السريعة.

12

من جزيرة الواسطى الواقعة في وسط النيل، وتبعد 7 كيلومترات عن أسيوط، أخذنا مركبًا شراعيًا مع عم صلاح عبد الراضي. سرنا معه تحت هوى الريح، وحركة الشراع. للنيل عدة وجوه، وجه اجتماعي، عندما تجاوره بيوت القرى، التي تطل عليه، والمهام اليومية لأهلها. وجه آخر بري عندما تصادف على جانبيه مزارع مترامية الأطراف، أو عندما يمر بجوار أرض قاحلة يعلوها الهيش. عندها تلمس طفولته، ويكشف في لمحة سريعة عن التاريخ المستوحش لهذا الكائن العصامي، الذي قضاه منفردًا، يربي فيه نفسه بنفسه، ويشق مجراه بصعوبة. تظهر الصخور التي تبرز على الجانبين، يتسع المجرى ويضيق، تخلق جزائر في المنتصف، تصنع مسارات عدة للعبور. في شهور الصيف يزداد المنسوب فتختفي هذه الجزائر، تحت المياه، وفي الشتاء يقل المنسوب فتظهر الجزائر مرة أخرى، وتدب الحياة، والزرع. ولكن الحياة دائما محددة بضفتين، مكتوب على النيل ألا ينمي نفسه، إلا من داخله، من حياة الناس التي تعيش حوله، ومن تدافع المياه القوي في مجراه.

13

هناك، أيضًا، وجه وجودي لنهر النيل، كما في المسافة بين البر الشرقي والغربي في الأقصر، التي تقطعها العبَّارة. بالرغم من تواجدنا وسط الأهالي، والباعة، وكأن العبارة مدينة صغيرة طافية فوق سطح النيل، وبرغم قصر المسافة، التي لا تأخذ أكثر من ربع ساعة، لكن هناك زمنًا عميقًا ندخل فيه بمجرد وصولنا في المنتصف. نلمس زمن البعث القديم الذي كان يحدث عبر هذه الرحلة، ناحية العالم الآخر، في البر الغربي، حيث الجبانات. ذوبان في زمن غير متعين، يتأكد في تلك النشوة والتوحد الشديدين اللذين أشعر بهما، بينما نظري مأخوذ لهذا الخط المائي العظيم الذي تقف على نقطة صغيرة منه. لم أمر بهذا الشعور إلا هناك، وبدون أي رهبة أخطو داخل هذا المكان الأسطوري المقدس شديد التجريد. ليس معبدًا، أو هرمًا، ولكن مياهًا تجري، تحمل داخلها قوة استمرار الحياة وخلودها. داخل هذا الخلود وجدت خلودي الخاص أيضًا، اقتطعته من الموت، وانفتحت فرديتي وذابت داخل هذه الذاكرة الجمعية المتدفقة لنهر النيل.

أيضًا، لمست هذا الخلود مع هذا الملاح العجوز في مدينة غرب سهيل بأسوان، لا يلبس، صيف شتاء، إلا جلبابًا أزرق على اللحم، مليء بالثقوب، يدخل منه الهواء، من كل ناحية، ويحوط بجسده القوي، مثل "قبة الهوا"، أو "قبر الآغاخان"، كأنه على وشك أن يطير في أي لحظة. كان ينقل الناس من بر لآخر، بمركبه الخشبي الصغير، بلا مقابل، ربما يضع أحدهم، عند نزوله، رغيفًا، أو حبة فاكهة أو ربما نقودًا في قاع المركب، فالرحلة مدفوعة مقدمًا. رحلة ساكنة لا تسمع فيها إلا صوت المجذاف، وسنوات صمت وصبر هذا الملاح العجوز.

في عام 2004، في قرية العوام بالمنيا، قابلت الحاج علي، الذي ولد سنة 1920. كان عمره وقتها يتجاوز الثمانين، سألته هل يعرف أن هذا النيل ليس ملكًا لمصر فقط، وهناك دول تريد أن تأخذ مزيدًا من المياه من نصيب مصر؟ أجابني باندهاش "النيل طول عمره ساكن في مصر".