حسام بهجت وخالد علي خلال اللقاء الذي استضافته المباردة المصرية بشأن رامي شعث. تصوير: صفاء سرور

رامي شعث: مقاطعة إسرائيل قد تذهب بك إلى السجن

قبل يومين من انعقاد المحكمة الإدارية العُليا التي أعادت فتح باب المرافعات في قضية امتناع وزارة الداخلية عن تجديد جواز سفر الناشط السياسي الفلسطيني المصري رامي شعث، المنسق العام لحركة لحركة مقاطعة إسرائيل BDS، بعد أكثر من سنة على حجزها للحكم، طالب حقوقيون في لقاء مغلق عقدته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية الخميس الماضي، بإخلاء سبيله والمنسق المساعد للحركة محمد جابر المصري، وهما محبوسان منذ 23 شهرًا دون محاكمة، على ذمة "قضية الأمل".

ويحمل رامي الجنسيتين؛ الفلسطينية عن أبيه وزير الخارجية الفلسطيني السابق نبيل شعث، والمصرية عن أبيه الحاصل عليها في الستينيات وكذلك أمه وهي سيدة مصرية من محافظة الإسكندرية.

وعلى هامش حبسه على ذمة "قضية الأمل" منذ 2019 دون محاكمة، وأيضًا قرار محكمة جنايات القاهرة العام الماضي ضمه إلى ما يسمى "قائمة الإرهابيين"، يخوض رامي معركةً قضائيةً مع وزارة الداخلية منذ 2012، عندما امتنعت عن تجديد جواز سفره بزعم أنه "فلسطيني ولا يحمل الجنسية المصرية". ولكن بحسب محاميه خالد علي فإن رامي "يحمل أوراق ثبوتية مصرية، تتمثل في شهادة الميلاد وبطاقة الرقم القومي وجواز السفر".

وفي مارس/ آذار 2013 صدر حكم من محكمة القضاء الإداري بإلزام الوزارة بإصدار جواز سفر رامي، ولكنها طعنت عليه أمام المحكمة الإدارية العليا، التي ظلت تؤجل القضية "بسبب وجود أحكام متناقضة في هذا الشأن فيما يتعلق بالفلسطينيين، إلى أن صدر حكم في غاية الأهمية والإيجابية من دائرة توحيد المبادئ يقضي بأن أي شخص يحمل أوراق ثبوتية تثبت أنه مصري الجنسية، فهي دليل على صدقه وعلى صدق مصريته" بحسب خالد علي.

دعوى رامي شعث ضد وزارة الداخلية بسبب الامتناع عن تجديد جواز سفره- صورة ضوئية للمنصّة .jpg

وبعد حكم دائرة توحيد المبادئ حجزت القضية للحكم منذ مارس 2020، إلا أن إغلاق المحاكم بسبب الإجراءات الاحترازية التي اتخذت لمواجهة جائحة كورونا، مدَّ أجل الدعوى لأكثر من سنة إلى أن أعيد فتحها للمرافعة، دون إعلان أسباب. ولكن قبل حجز الدعوى للحكم، صدر تقرير هيئة المفوضين في المحكمة الإدارية العُليا لصالح شعث، وفقًا لخالد علي الذي يقول إن موكله "حاصل على شهادة معاملة عسكرية بأنه لم يصبه الدور. كما أن أخيه أدى الخدمة العسكرية".

مقاطعة إسرائيل تؤدي إلى السجن

في بداية حديثه خلال اللقاء الذي أداره حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تطرق علي إلى قضية الأمل التي ضُم إليها شعث بعد القبض عليه في 5 يوليو/ تموز 2019 "من داخل منزله، الذي تم تفتيشه دون إبراز أي كارنيهات تحقيق شخصية أو إذن نيابة، قبل أن يصطحبوا رامي لمكان مجهول وزوجته الفرنسية سيلين ليبرون للمطار دون رغبتها أو السماح ليها بالتواصل مع أسرتها أو سفارتها، ثم ترحيلها دون قرار رسمي".

قبل القبض عليه كانت أنشطة رامي السياسية متعلقة بالدفاع عن القضية الفلسطينية وذلك من خلال نشاطه في حركة BDS، وهي حركة فلسطينية تأسست عام 2015، بمشاركة أحزاب ومؤسسات مدنية، لـ "مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها"، كأحد أشكال مقاومة نظام الفصل العنصري الذي تفرضه إسرائيل في فلسطين المحتلة.

أما قضية الأمل، التي لم تُحلها نيابة أمن الدولة العليا إلى المحاكمة منذ القبض على المتهمين فيها منذ نحو سنتين، فتتعلق بتنسيق عدد من الأحزاب السياسية الشرعية العلنية مواقفها للمشاركة في انتخابات مجلس النواب التي جرت العام الماضي، ويواجه المحبوسون على ذمتها اتهامات "مشاركة جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، وبث شائعات وأخبار كاذبة".

ويعلق خالد علي على وضع شعث في هذه القضية بقوله "مجموعة الأمل كان مقبوض عليهم من شهر يونيو (حزيران) 2019، ومحرر لهم محضر تحريات مستقل لا يوجد فيه اسم رامي، وبعد القبض عليه (في الشهر التالي) تحرر له محضر مستقل وأضيف لأوراق القضية".

بعد اطّلاعه على أوراق القضية، وتحرياتها الرئيسية التي لم يرد فيها اسم رامي شعث، ذكر المحامي أنها "قالت إن هناك مجموعتين، الأولى شخصيات من التيار المدني بزعامة أيمن نور من الخارج، ومهمتها نشر شائعات وأخبار كاذبة عن عدم قدرة النظام على إدارة شؤون البلاد. والثانية مجموعة تنظيمية من الإخوان المسلمين، هدفها إثارة القلاقل في البلاد، ومن خلال شركات تابعة لشخصيات إخوانية يتم التمويل".

ويعلّق المحامي على هذه التحريات بقوله "هي بالنسبة لنا مكذوبة"، مُشيرًا فيما يخصّ رامي شعث أنه بعد القبض عليه "كانت كل التحقيقات معه عن اسمه وتاريخه وعمله. لكن حتى تهمته بمشاركة جماعة إرهابية لم يتم الإعلان عن هذه الجماعة".

قيادي آخر في حركة BDS، تحدث في اللقاء ولكنه فضّل عدم ذكر اسمه، يرجح أن يكون القبض على رامي استهدافًا لحركة مقاطعة إسرائيل خاصة بعد القبض على قيادي آخر في الحملة هو محمد جابر المصري بعد رامي بأيام.

وأشار القيادي في BDS إلى أنه "بعد القبض على رامي شعث شعرنا بخطورة. فلو كان القبض عليه له أبعاد سياسية، إلاّ أننا نعلم أن له علاقة مباشرة أيضًا بنشاط الحركة والقضية الفلسطينية. ورغم ذلك، لم نكن متخوفين في البداية أن يكون الاستهداف للحركة، واعتقدنا أنه لرأسها رامي شعث، لاسمه الكبير وأنشطته السياسية المختلفة".

يضيف القيادي "بعد القبض على رامي، توقفنا لفترة صغيرة للاستكشاف. ثم عاودنا العمل وإن لم يكن بنفس الصورة الأولى من حيث العمل الميداني في الشوارع والأماكن العامة أو داخل الأحزاب والمؤسسات، واتجهنا للعمل أونلاين، وشاركنا محمد المصري بصورة أكبر في مؤتمرات كان أبرزها ما يتعلق بالغاز وتصديره لإسرائيل، وسرعان ما ألقي القبض عليه، وأجريت التحقيقات معه حول الحركة وعلاقته بها؛ فتأكد لنا أن القبض على رامي كان لعلاقته بالحركة".

يتابع الناشط "في الحقيقة بدأت مخاوفنا تزيد وبدأت الانسحابات من الحركة بنسبة تقترب من نصف الأعضاء، لاسيما وأن أغلبهم شباب لا علاقة لهم بالسياسة، وفقط يتعاطفون مع القضية الفلسطينية، إلاّ أنهم شعروا أن أي متعاطف مع هذه القضية أصبح مصيره السجن".

وضرب عضو BDS مثالاً على مخاوف المنسحبين بما حدث مؤخرًا من "القبض على الكاتبتين حياة الشيمي ونور الهدى زكي من ميدان التحرير لتنظيم وقفة تضامنية مع غزة ضد القصف الأخير، والذي ألقي القبض في أيامه على أشخاص من الهرم، وقبلها على شاب رفع علم فلسطين في استاد القاهرة".


اقرأ أيضًا: فلسطين: دورات العنف واستنزاف طاقة الغضب والأمل

أحد الفلسطينيين يستخدم دراجة هوائية بعد ليلة من القصف الإسرائيلي على قطاع غزة. الصورة برخصة المشاع الإبداعي

وأضاف "نحن ما زلنا نعتقد أن الخطر قائم ، ولسنا متأكدين إذا ما كان الأمن مازال مستهدف BDS أم لأ. ورغم ذلك، حاليًا سيتم تدشين لجنة تحمل اسم (اللجنة الوطنية لنصرة فلسطين) بمشاركة أحزاب وحركات مدنية، لتوعية الناس بالقضية الفلسطينية، من خلال فعاليات إلكترونية، لما نحن فيه من منع التظاهر، وسنحاول أن نتشارك معهم بـBDS".

عقب ساعات من لقاء المبادرة المصرية، تم الإعلان عن تأسيس هذه اللجنة، وذلك من مقر النادي السياسي لحزب المحافظين.

وخلال اللقاء استعرض القيادي عددًا من الفعاليات التي نظمتها ضد إسرائيل، وكان منها ما كان بالتعاون مع فرعها في باريس لمطالبة شركة الاتصالات الفرنسية أورانج لإنهاء شراكتها مع شركة بارتنر الإسرائيلية للاتصالات، وهو ما نجحت فيه بالفعل.

حبس "بلا مبرر"

منذ إلقاء القبض عليه قبل سنتين، استمرت نيابة أمن الدولة في تجديد حبس رامي شعث وفقًا للسلطة الممنوحة لها في قانون الإجراءات الجنائية، وذلك لمدة 10 مرات بواقع 15 يومًا في كل مرّة، إلى أن انتهت سلطتها في هذا الأمر وصارت ملزمة بعرض الأمر على غرفة المشورة بمحكمة الجنايات، والتي لها سلطة إصدار قرار باستمرار الحبس أو اخلاء السبيل أو استبدال الحبس الاحتياطي من التدابير الاحترازية.

لكن استمر حبس شعث، وهو الأمر الذي قال عنه محاميه "الحبس الاحتياطي لابد وأن يكون له مبررات، وأهمها أن التحقيق يستلزم هذا الأمر (الحبس). لكننا من وقت انتهاء الـ150 يوم لم يتم استدعاؤنا للنيابة بخصوص أي إجراء أو تحقيق أو مطالب؛ وهو ما يجعلنا نطالب بإخلاء سبيله، لأنه حق له، ولأن حبسه بلا مبرر. كما أنه اقترب من قضاء مدّة سنتين، وهي الحد الأقصى للحبس الاحتياطي".

التحريات عن رامي شعث مكذوبة، والتحقيق معه كان عن اسمه وتاريخه وعمله.
- المحامي خالد علي

المطلب الذي يرفعه علي، يتضامن معه فيه الحقوقي حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والذي أكد خلال اللقاء أن بقاء كل من رامي شعث ومحمد المصري في السجن بسبب "نشاط سلمي وقانوني" في حملة شعبية لمقاطعة إسرائيل هو أمر "لا يُغتفر وليس له أي تفسير أو تبرير"، قائلاً "فما بالنا وكلاهما يقارب من إتمام سنتين في حبس احتياطي".

ويشير بهجت إلى ما كان لقضية شعث من صدىً، وذلك بما حدث خلال زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لباريس في ديسمبر/ كانون الأول 2020، حين ذكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مؤتمر صحفي معه اسم رامي شعث باعتباره "نموذجًا للسجناء السياسيين الواجب على مصر إطلاق سراحهم، ولا يمكن تبرير استمرار حبسهم".

قضية مفاجئة

بينما كان المحامي خالد علي منشغلاً بقضية "خلية الأمل"، فوجئ بقضية أخرى ضد موكله رامي شعث، وذلك في 18 أبريل/ نيسان 2020، حين نشرت الجريدة الرسمية قرار محكمة جنايات القاهرة بإدراجه وزياد العليمي وأسماء أخرى على ما يسمى بقائمة الكيانات الإرهابية.

قرار إدراج رامي شعث على قائمة الإرهابيين لمدة 5 سنوات- صورة ضوئية للمنصّة

ويرتب إدراج أي شخص أو كيان في هذه القائمة، عدة آثار من بينها مصادرة أمواله ومنعه من السفر ووضعه على قوائم ترقب الوصول. وتدرج محكمة الجنايات أسماء الشخصيات أو الكيانات في هذه القائمة، بناء على طلب من النائب العام، دون أن يتمكن هؤلاء المُدرجون من الدفاع عن أنفسهم أو الرد على اتهامهم بالإرهاب، ولكنهم يعرفون القرار بعد نشر الحكم في الجريدة الرسمية.

وبحسب خالد علي فإن "التنظيم القانوني لهذا الأمر غير دستوري بالمرة، لأن أهم قاعدة في المحاكمات هي حقوق الدفاع، وليس المفاجأة بوجود حكم قد يترتب عليه آثار صعبة".

يُتيح هذا القانون نفسه، والمعروف باسم قانون الكيانات الإرهابية، أن يتقدم الشخص المُدرج على هذه القائمة بطعن على القرار أمام محكمة النقض، خلال 60 يومًا، وهو ما فعله المحامي خالد علي من أجل رامي شعث، ومن المقرر نظرها في يونيو المقبل.

التضامن الدولي مع شعث لم يقتصر على قضية "خلية الأمل" فقط ولم يأت من ماكرون وحده، إذ أشار خبراء بهيئة الأمم المتحدة، في بيان صادر عنهم فبراير 2021، بـ"رفع اسمه والعليمي من القوائم الإرهاب، ووقف الإساءة المنهجية لاستخدام سلطات مكافحة الإرهاب".

كذلك، أعلنت أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني مصرية عن تضامنها مع الناشطين، وذلك في بيان صدر عنها في مارس 2021، طالبت فيه الحكومة المصرية بـ"الإفراج الفوري عن رامي شعث وزياد العليمي، ورفع اسميهما من قوائم الإرهاب، وإلغاء كل ما ترتب على ذلك من إجراءات، والإفراج عن كل سجناء الرأي".

واختتم خالد علي حديثه في اللقاء بالإعراب عن أمله بأن يكون هناك استجابة لقرار إخلاء سبيل رامي شعث، الذي قال عنه إن "أبرز نشاط له هو الدفاع عن القضية الفلسطينية، والذي يُعدّ دفاعًا عن الأمن القومي المصري في حد ذاته"، وكذلك "إغلاق هذا الملف والسماح لزوجته بالتواجد في مصر، لأن ما يحدث معها وأسرته أحد أشكال التعسف".

وفي ختام لقاء المبادرة، أعاد مدير المركز الحقوقي واللقاء حسام بهجت التأكيد على كلام ضيفيه، قائلاً إنه "'إذا حدث تغيير لا ينكره أحد في الخطاب الرسمي والإعلامي بخصوص فلسطين، فهو تصحيح لخطأ. ومن باب تصحيح الخطأ أيضًا أن يتم إنصاف من تمت معاقبتهم منذ سنتين على أنشطة سلمية وقانونية مناصرة لفلسطين، أصبحت الدولة تدعمها الآن وتستخدم نفس خطابها".