أعلام فلسطين ترفرف في ميدان التحرير في مايو 2011. الصورة لحسام الحملاوي برخصة المشاع الإبداعي

ولا حتى برفع العلم: الدولة فقط من تدعم فلسطين

مع تصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة وداخل الخط الأخضر الأسبوع الماضي، وصعوبة تنظيم فعاليات تضامنية شعبية في مصر، ظهرت دعوات عبر فيسبوك وغيره من منصات التواصل الاجتماعي إلى شراء أعلام فلسطين وتعليقها في شرفات المنازل، كأحد أشكال الدعم الرمزي.

ولكن عددًا من بائعي هذه الأعلام تحدثوا عن "مضايقات" وتعليمات من قطاع الأمن الوطني، بالكف عن تلقي طلبات تصنيع وبيع أعلام فلسطين، وذلك بالتزامن مع القبض على الصحفيتين نور الهدى زكي وحياة الشيمي عند رفعهما أعلام فلسطين في ميدان التحرير، واحتجازهما لعدة ساعات قبل الإفراج عنهما.

يأتي ذلك بالتزامن مع تحول لافت شهدته مواقف القاهرة إزاء الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، التي أدانتها بلا لبس، وقادت جهودًا دبلوماسية حافظت خلالها على موقف داعم للمقاومة الفلسطينية، للتوصل أخيرًا إلى وقف لإطلاق النار دخل حيز التنفيذ يوم الجمعة الفائت.

إحدى السيدات التي قررت تعليق علم فلسطين في شرفة بيتها، تحدثت إلى المنصة عن تجربتها عندما تواصلت مع سيدة تقوم بتصنيع الإعلام، وبعد أن اتفقت على الكمية المطلوبة والأسعار، كتبت عبر حسابها على فيسبوك رقم هاتف السيدة، لمن يريد التواصل معها لشراء مزيد من الأعلام.

وقالت السيدة التي فضّلت عدم ذكر اسمها "بعد وقت قليل قوي من كتابة البوست، اتصلت بينا صاحبة الرقم وقالت نمسح الرقم، لأن جالها تليفون من الأمن إنها متعملش ده، وطلبت مننا منتواصلش معاها تاني والمشروع كله اتوقف، وبالفعل خوفا عليها وحماية ليها مسحت أنا وصحابي البوست، بس وإحنا مش فاهمين ده ليه، احنا مكناش بنفكر في تنظيم مظاهرة أو فاعلية، ده مجرد علم بيتعلق".

ممنوع بأمر "أمن الدولة"

تواصلت المنصة مع أحد المحال الشهيرة لبيع وتوصيل الأعلام بميدان التحرير، وهو من المحال التي تستقبل طلبات زبائنها عبر واتساب. في بداية المحادثة التي جرت صباحًا، سألت المنصة عن أسعار أعلام فلسطين، فجاء الرد "مقاس 120 & 80 الواحد 250، إذا كان عدد 150"، قبل أن يضيف "وفي أكبر 450"، وعند السؤال عن مقاسه، جاء الرد بعد نحو سبع ساعات مقتضبًا "للأسف مينفعش.. معنديش تصنيع أعلام"، موضحًا أن ""تصنيع أعلام فلسطين وقف. أمن دولة. وبلاش تطلبه من حد".

وتابع الشخص الذي يرد على رسائل واتساب "الوضع صعب، وكل المصانع انهاردة في أمن الدولة، بيخدوا اللي بيطلب، وبيطلبوا مننا أرقام اللي بيطلب، الموضوع في غاية الصعوبة، النهاردة بنات صغيرة خدوها في أمن الدولة علشان طلبت تشتري أعلام"، وفي النهاية طلب عدم ذكر اسمه "أنت وصلت لرقمي إزاي.. أرجو عدم ذكر اسمي ولا رقمي".

المحامي أشار في حديثه إلى المنصة، إلى أنه حضر تحقيقات مع آخرين حاولوا رفع علم فلسطين أو حرق علم إسرائيل، منهم من أخلى سبيله بكفالة، وآخرون يجدد حبسهم.

بعض المتضامنين لم تتخطَ تحركاتهم شرفات المنازل، ولكن آخرين حاولوا بدء فعاليات في الشارع سرعان ما انتهت سريعًا وبحزم، كما حدث مع محمد عبد العال وأحمد مناع وبهاء زكي، وهم ثلاثة أصدقاء ساروا عقب صلاة عيد الفطر المبارك في شارع الهرم، رافعين علم فلسطين، كما حرقوا العلم الإسرائيلي.

لكن ما يمكن تسميتها بالوقفة الاحتجاجية لم تكتمل، وألقي القبض عليهم من قبل إحدى الدوريات التي كانت تمر حينها.

المحامي وائل ربيع الذي حضر التحقيقات مع الثلاثة أمام النيابة العامة، قال إن التهمة الموجهة لهم هي "حرق العلم الصهيوني"، وهي تهمة غير موجودة في قانون العقوبات المصري الذي لا يجرم حرق علم إسرائيل. وبعد تحريات الأمن الوطني، وجهت النيابة لهم تهمة جديدة وهي "التحريض على التظاهر"، وقررت حبسهم أربعة أيام على ذمة التحقيقات، جددت 15 يومًا أخرى تنتهي في 30 مايو/ أيار الجاري.

المحامي أشار في حديثه إلى المنصة، إلى أنه حضر تحقيقات مع آخرين حاولوا رفع علم فلسطين أو حرق علم إسرائيل، منهم من أخلى سبيله بكفالة، وآخرون يجدد حبسهم، مستنكرًا أن يكون موقف مصر داعمًا للقضية، وفي المقابل يتم القبض على الشباب ممن يحاول إظهار دعمه للقضية الفلسطينية.

من بين الذين قبض عليهم وأخلي سبيلهم لاحقًا، الصحفيتان نور الهدى زكي وحياة الشيمي اللتين ألقي القبض عليهما لبضع ساعات عقب رفع العلم الفلسطيني في ميدان التحرير في أول أيام العيد، قبل إخلاء سبيلهما، وأيضا عمر مرسي الذي اختفى لعدة أيام بعد منشور له بأنه سيخرج للتظاهر بعلم فلسطين، ليظهر في النيابة التي أخلت سبيله بكفالة 10 آلاف جنيه، وفقا لما كتبه المحامي مختار منير عبر فيسبوك.

منظمة العفو الدولية، أعلنت أن السلطات المصرية احتجزت مواطنين اثنين على خلفية التضامن مع قطاع غزة، أحدهما رفع العلم الفلسطيني، والآخر طبيب كتب عبر تويتر تفاصيل رحلته إلى رفح ضمن قافلة أطباء مصريين أرسلوا إلى هناك لعلاج مصابين فلسطينيين جراء الاعتداءات الإسرائيلية.

مصطفى أحمد قرر النزول بالعلم الفلسطيني للتظاهر، وكتب قبلها عبر فيسبوك يطلب من أصدقائه الاحتفاظ بتدوينته لتكون بمثابة وثيقة عند تغيبه بأنه تم إلقاء القبض عليه، حسبما أخبر المنصة لاحقًا. وبالفعل رفع العلم في قلب ميدان التحرير، ومعه كان سيبدأ بالهتاف "ملحقتش أقول أي هتاف، عساكر جم خدوني في مدخل عمارة واتعورت في ودني من الشدة، وخدوا مني تليفوني، وفضلت يجي 5 ساعات في المدخل ده، لحد ماجه ضابط وقعد يسألني جاي ليه وكنت بتعمل إيه، قلت له كنت برفع علم فلسطين، الحقيقة هو اتكلم معايا كويس، وقالي روَّح ومتعملش كده تاني".

ومنذ 2014، تتوسع مصر في ملاحقة المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والسياسيين والمحامين تحت ستار قانون مكافحة الإرهاب. وأصدرت أكثر من ثلاثين دولة إلى بيانًا مشتركًا خلال الدورة 46 لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في فبراير/ شباط الماضي، دعت فيه الحكومة المصرية إلى ضمان مساحة للمجتمع المدني والصحفيين للعمل دون خوف وترهيب، ورفع الحجب عن المواقع الصحفية المستقلة، والكف عن الاستخدام المفرط للحبس الاحتياطي، وضمان إجراء المحاكمات العادلة وتمكين المحامين من التواصل مع موكليهم.

الموقف المصري الذي أبدت دعمًا كبيرًا للمقاومة خلال الاعتداءات، يحمل بين طياته تغيّرات كبيرة عن النهج الذي التزمت به القاهرة خلال فترة رئاسة دونالد ترامب للولايات المتحدة.

ومع بدء العمل بقانون التظاهر الذي صدر عام 2013، ثم إصدار قانون مكافحة الإرهاب عام 2018، أصبح التظاهر في مصر أمرًا محفوفًا بالمخاطر وقد يترتب عليه السجن بدون محاكمة لسنوات.

لكن مصطفى اعتقد أن الموقف المصري الداعم للقضية قد يفتح مساحات للتعبير خاصة وأنه لا يتظاهر معارضًا للنظام السياسي القائم "دي مش مظاهرة ضد مصر، المفروض إن مصر بتدعم القضية بشكل واضح، فليه ميبقاش لينا الحق احنا كمان نشارك في الدعم ده"، يعلم مصطفى أن مصيره كان من الممكن أن يكون في السجن، الذي قضى فيه نحو سنتين محبوسًا على ذمة واحدة من القضايا السياسية التي تبدأ نيابة أمن الدولة العليا التحقيقات فيها وتصدر فيها قرارات الحبس الاحتياطي، دون أن تحيلها إلى المحاكم.

لكن الشاب كان يرى أن الأمر يستحق المخاطرة "كنت حاسس بخنقة وعجز وقلة حيلة، وكنت عارف إن ممكن مرجعش، والسجن مش حلو للي جربه ولا مشتاق له، بس المرة دي التمن كان يستاهل، وقلت يمكن تكون بداية ومتنفس لأننا نرفع أي علم ونهتف، بعد سنين بيتقبض علينا بس بتهم واحدة ومن غير أي حاجة بنكون عملناها من الأساس".

الموقف المصري الذي أبدى دعمًا كبيرًا للمقاومة خلال الاعتداءات، يحمل بين طياته تغيّرات كبيرة عن النهج الذي التزمت به القاهرة خلال فترة رئاسة دونالد ترامب للولايات المتحدة، ففي 2017 تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن موقف مصر من القضية الفلسطينية، دون أن يأتي على ذكر ضرورة إنهاء الاحتلال، والذي ظل موقفًا ثابتًا للقاهرة منذ توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، بل ووجّه السيسي رسالة للشعب الفلسطيني تحضّه على قبول صفقة القرن و"الاتحاد خلف الهدف وعدم الاختلاف وعدم إضاعة الفرصة، والاستعداد لقبول التعايش مع الإسرائيليين في أمان وسلام"، وخاطب الإسرائيليين بلغة هادئة وأكد حرصه على "أمن وسلامة المواطن الإسرائيلي"، وقال لهم "نحن معكم".


اقرأ أيضًا: تحولات الموقف المصري من فلسطين على إيقاع "صفقة القرن"

ترامب يستقبل السيسي في واشنطن. الصورة من حساب البيت الأبيض - فليكر.

الدعم للقضية والقمع لبقية الداعمين

موقف الحكومة المصرية من دعم القضية، المتزامن مع محاولاتها قمع أي صور أو أشكال لهذا الدعم من قبل أفراد المجتمع، يفسره حسام بهجت مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بأن النظام "مصمم على احتكار دعم المقاومة، كما يحتكر التواصل مع الفصائل الفلسطينية، وتماما كما يحتكر التطبيع مع إسرائيل"، مضيفا للمنصة "هذا نظام لا يعترف ولا يقبل بوجود مجتمع من المدنيين".

ويشير بهجت إلى أن هناك تغييرًا لا ينكره أحد في الخطاب الرسمي والإعلامي بخصوص قضية فلسطين، واعتبره "تصحيحًا لخطأ"، ومن باب استكمال تصحيح الخطأ، يعتقد بهجت أنه ينبغي إنصاف من تمت معاقبتهم منذ سنتين على أنشطة سلمية وقانونية مناصرة لفلسطين، وهما أعضاء حركة BDS رامي شعت المنسق العام لحركة مقاطعة إسرائيل، ومحمد جابر المنسق المساعد للحركة، والذي ألقى القبض عليهما منذ ما يقرب من 23 شهرا، على ذمة القضية المعروفة إعلاميا بـ"قضية الأمل".


اقرأ أيضًا: رامي شعث: مقاطعة إسرائيل قد تذهب بك إلى السجن

حسام بهجت وخالد علي خلال اللقاء الذي استضافته المباردة المصرية بشأن رامي شعث. تصوير: صفاء سرور

الكاتب محمد السيد صالح، قال في مقال له في صحيفة المصري اليوم، إن الموقف الرسمي من العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، وخاصة قطاع غزة، موفق إلى حد كبير، بقى فقط أن يُترك المجال للرأي العام هو الآخر، لكي يعبر عن رأيه بحرية دعمًا للشعب الفلسطينى ومساندته بكل الطرق، ولا ينبغى أن تكون وسائل التعبير المتاحة لنا فقط هي وسائل التواصل الاجتماعي، فحتى هذه الوسائط متحيزة جدًا ضدنا، مضيفا "عواصم غربية سمحت بتسيير المظاهرات الحاشدة رغما عن الإجراءات الاحترازية بسبب كورونا شارك فيها المتعاطفون مع القضية، والداعمون للحقوق الفلسطينية والكارهون لإسرائيل وسياساتها ومن يدعمها لسنا أقل من هؤلاء".

وتساءل في مقاله "لماذا لا يتم السماح بمظاهرات تنظمها الأحزاب الشرعية أو الجامعات في الميادين الكبرى، وتكون في مواعيد محددة وتحرسها الشرطة، هذا هو التصرف السياسي الصحيح في الانتفاضات السابقة، كانت القاهرة أكثر جرأة في مواقفها من الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، وكانت هناك مساحة واسعة للإعلام والأحزاب والمجتمع المدني والمنابر، لتعبر عن رأيها الحر حول ما يجرى على الأرض".

وعن المخاوف من اندلاع التظاهرات، قال "أعلم أن الظروف تغيرت، والأوضاع حساسة، ولكننا نمتلك وعيا سياسيا وأمنيا يضمن عدم خروج الحشود عن أهدافها الأساسية. لدينا أحزاب ومجتمع مدني يمتلك كوادر قادرة على قيادة الجماهير وتنظيمها بدقة. لدينا أيضا بنود قوانين، لم تُختبر كثيرا، عن تنظيم المظاهرات في أماكن ومواعيد محددة، بشرط الحصول على الموافقات الرسمية".

عناوين الصحف تتحدث عند الدور المصري في حل أزمة فلسطين منفردًا بعيدًا عن المجتمع المدني، فبقيمة 500 مليون دولار، أعلن الرئيس إعادة إعمار غزة، بجانب إعانات ومساعدات طبية وصلت من مصر للأراضي الفلسطينية، ولكن حتى الآن وبعد ما يمكن تسميته بالانتصار لم تستطع القوى المدنية أو الشباب تنظيم فعالية أو تظاهرة داعمة للمقاومة، او احتفالًا بالنصر، بعد الهدنة المقررة بين فلسطين وإسرائيل، في مقابل تظاهرات اندلعت في عدة مدن عربية وأوربية.