تصميم: يوسف أيمن- المنصة

وجوه فيسبوك الغاضبة تقلق راحة الحرم الجامعي

الترقية إلى درجة مدرس ليست حدثًا عاديًا في المسيرة المهنية ولا في حياة عضو هيئة التدريس الجامعي. تأتي هذه الترقية بعدما يتمكن العضو من الحصول على الدكتوراه، وهي نهاية رحلة شاقة لأعوام بعد تخرجه والتحاقه بهيئة التدريس كمعيد ثم كمدرس مساعد بعد حصوله على درجة الماجستير.

ذلك حدث يستحق التهنئة بالتأكيد، وينتظره صاحبه بفارغ الصبر، فهو ينتقل من طامح إلى لقب دكتور إلى حائز بصفة رسمية لذلك اللقب. في يوم حصولك على هذه الترقية الهامة، ومع توقعك لأن يذيع مجلس الكلية النبأ على صفحته الرسمية على فيسبوك، وريث الصحف اليومية، تنتظر أن تنهال عليك التهاني الحارة، ويتزين البوست بعشرات ومئات وربما آلاف من قلوب المحبة الحمراء، وقليل من إبهامات الإعجاب الزرقاء الباردة، التي تعبر عادة عن حسد أصحابها لك، بعض وجوه السخرية الضاحكة متوقعة أيضًا، هؤلاء عادة بعض من الطلاب "الخائبين" الذين عاملتهم بالحزم الذي يستحقونه، ولكنهم لم يحفظوا جميل حرصك على مستقبلهم، وجوه الحزن الدامعة غير متوقعة، من ستحزنه ترقيتك؟ وإن أحزنته، كيف سيجرؤ على التعبير عن ذلك علنًا؟ ولكن ماذا عن وجوه الغضب؟

هل تتوقع أي منها؟ في هذا السياق، لن يستخدم تعبير الغضب إلا شخص يكرهك حقًا، إلى حد إعلان غضبه لحصولك على شيء تستحقه وعانيت لتصل إليه، كم يمكن أن يكون عدد الغاضبين؟ أحادًا؛ طالب أو أكثر ربما قسوت عليه "لمصلحته" فكلفته إعادة المادة في عام إضافي ليتعلم، أو ليتأدب، أو لأي غرض آخر فيه بالتأكيد فائدة له.

ولكن ماذا لو أن عدد الوجوه الغاضبة تجاوز الآحاد، ليس إلى العشرات أو المئات أو الآلاف، بل عشرات الآلاف؟ وماذا لو أن تلك الوجوه صاحبتها عشرات التعليقات، تحكي قصصًا عن قسوتك، وانعدام تعاطفك الإنساني، ووقاحتك وفظاظتك، وتعاملك المهين وغير الإنساني مع بشر أوقعهم حظهم في مكان تمتلك فيه سلطة إيذائهم والإضرار بمستقبلهم، بحيث فضَّلوا ابتلاع الإهانة أو الإساءة مع كرامتهم، حتى أتى يوم أتيح لهم فيه فضحك علانية، في يوم ترقيتك بالذات؟ لا شك أن ذلك كابوس لا يحب أحد المرور به، ولكنه قد يكون عقابًا عادلًا أيضًا.

عدالة الفيسبوك

ليس لأي منا أن يجزم بمدى عدالة تعبيرات الغضب والاستياء هذه، وفي حالة المدرس الجامعي عضو هيئة تدريس قسم الكيمياء بجامعة الإسكندرية، الذي انفجر في وجهه أكثر من 256 ألف وجه غاضب (حتى كتابة هذه السطور)، زخرفت بوست تهنئته بالترقية إلى درجة مدرس، نعلم بالطبع أن من تركوا أيقونات الغضب هذه ليسوا جميعًا، ولا حتى معظمهم، أشخاص عرفوه عن قرب، بحيث يكرهونه لأسباب شخصية مباشرة، ولكننا في الوقت نفسه نعلم يقينًا أن من بدأوا حملة الغضب على الدكتور عضو هيئة التدريس، كانوا من طلبته السابقين، والحاليين، فهؤلاء تركوا بخلاف الوجوه الغاضبة تعليقات حكوا فيها عن مواقف تعرضوا خلالها للإهانة والإساءة والأذى على يدي الدكتور.

بقية الوجوه الغاضبة لم تكن "مجاملة" لهؤلاء، فالغالبية العظمى من أصحابها لا علاقة لهم بالدكتور أو طلبته، وما كانوا ليهتموا بالبوست أساسا لولا أن عدد المعبرين عن غضبهم في البداية لفت النظر إليه، وما حدث أن من اندهشوا لكثرة تعبيرات الغضب هذه بحثوا بين التعليقات عن تفسير لها، ووجدوا ما أقنعهم بصدق أصحابها، ومن ثم فقد كان انضمامهم إلى قافلة الغاضبين تعبير عن استنكار غاضب لأن يفلت أستاذ جامعي بهذا القدر من الانتهاكات، لحقوق ومشاعر طلابه، دون أن يحاسب علي أي منها بأي شكل.

بوست التهنئة موضح به جانب من التفاعلات الغاضبة- صورة متداولة على فيسبوك

تحول البوست الاعتيادي لتهنئة قسم بإحدى الكليات الجامعية لأحد أفراده بترقيته إلى ترند يتداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ومن ثم تلقفته المواقع الصحفية المختلفة لتنشر تقارير مكتوبة ومصورة أيضًا، حول قصة الأستاذ الجامعي وثورة الطلبة ضده، وكان لابد لمسؤولي القسم والكلية والجامعة المعنيين أن يخرجوا برد فعل ملائم، يراعي بالضرورة مشاعر عشرات الآلاف الذين اهتموا بالأمر. وفي رد فعله، الذي نقلته المصري اليوم على موقعها "قال الدكتور عبدالعزيز قنصوة رئيس جامعة الإسكندرية، إنَّه وجه الدكتورة أماني عبدالحميد عميد كلية العلوم، باستدعاء الدكتور محمود مرسي، المدرس بكلية العلوم"، وأضاف قنصوة "أنَّ الجامعة لم تتلق حتى الآن أي شكوي مكتوبة من الطلاب، مشددًا على أنَّه في حال ثبوت أي من الوقائع محل الشكاوي سوف يتمّ تطبيق اللائحة واتخاذ الإجراء اللازم نحو هذا المدرس، وفى حال عدم ثبوت الوقائع سيتمّ توجيه الدكتور محمود مرسي لتحسين معاملته للطلاب".

رد الفعل (المشكور) لرئيس الجامعة، بغض النظر عما قد يؤدي إليه على أرض الواقع، يطرح في حد ذاته العديد من الأسئلة أكثر مما يقدم إجابات (مطمئنة)، فلا يملك أي منا ألا يتساءل عما إذا كانت شكاوى الطلاب ستتلقى هذا القدر من الاهتمام وعلى هذا المستوى، إن لم تكن قد أحدثت هذه الضجة من خلال قوة تأثير مواقع التواصل الاجتماعي. ليس ثمة ما يدعونا للشك في صدق ما صرح به رئيس الجامعة، من أنها لم تتلق أية شكاوى مكتوبة، أغلبنا سيرى ذلك اعتياديًا ومبررًا تمامًا، ليس لأن الشكاوى التي عبر عنها الطلاب في تعليقاتهم على فيسبوك، كيدية أو مبالغ فيها أو أنها لا تستحق رفعها إلى الجامعة، ولكن ببساطة لأن الغالب على ظن أي طالب، وبعض الظن صائب وليس إثمًا، أن شكواه سترتد عليه، وسيكون الطرف الذي سيعاقب بسببها، بينما قد لا يجري أي تحقيق جدي فيها.

في الواقع، حقيقة أن فرصة أتاحها بوست على فيسبوك سمحت لعشرات بالتعبير عن شكاواهم، يجعل الظن الذي أشرنا إليه، أقرب إلى اليقين، أو بعبارة أدق، أقرب إلى القاعدة غير المكتوبة، ولكنها معروفة للجميع تقريبًا، وذلك يلقي بظلال من الشك على مدى ما توفره "اللائحة والإجراءات" التي ذكرها رئيس الجامعة من ضمانات، ما دامت الممارسة الفعلية لها قواعدها غير المكتوبة التي تسرى قبل اللائحة وتوقف إجراءاتها.

الحرم الجامعي هو أيضًا أحد تلك الفراغات الاجتماعية التي تسودها علاقات قوة بعيدة تمامًا عن التكافؤ.

واقعة المدرس بقسم كيمياء جامعة الإسكندرية، هي غالبا استثنائية في فجاجتها، ولكن ليس ثمة ما يدعو للقول بأنها استثنائية في أي جانب آخر منها، فلدى أي منا كثير مما يحكيه عن تجربته كطالب جامعي، عما مر به نفسه، أو كان شاهدًا عليه، أو سمع به، ومع ذلك فعلاقة الأستاذ الجامعي بطلبته تأتي دائما في مؤخرة اهتمامات أي حوار يثار حول التعليم الجامعي بصفة خاصة، هذا إن لحقت بقائمة هذه الاهتمامات أصلًا.

فراغات الجامعة

قد يختلف الأمر عندما يتعلق الحوار بالتعليم قبل الجامعي، فالمخاوف عندما تتعلق بالأطفال في سنوات الدراسة الأولى، وعلاقاتهم بمدرسيهم، تكون عادة أكبر، لأسباب مفهومة، ولكن الحرم الجامعي هو أيضًا أحد تلك الفراغات الاجتماعية التي تسودها علاقات قوة بعيدة تماما عن التكافؤ. وكما هو الحال في فضاءات اجتماعية أخرى، عندما تغفل القوانين واللوائح اختلال موازين القوة، تصبح بلا قيمة في الواقع العملي، وتسود في الممارسة بدلًا منها القواعد غير المكتوبة التي تفرضها هذه الموازين، وفي هذه الحالة لا يكون انعدام جدوى اتباع المسارات الرسمية للشكوى، هو القاعدة الوحيدة، بل تكون أشكال الإهانة والإساءة بدرجاتها وصورها المختلفة من بين هذه القواعد أيضًا، أي أنها تكون اعتيادية ومتوقعة، ولا يكون ثمة بديل عن قبولها وابتلاعها.

وعندما يدخل مثل هذا السلوك في نسيج الممارسة اليومية المعتادة، يختلط الأمر في أحيان كثيرة على الأساتذة والطلبة معًا، فتسود تبريرات تصنف صورًا من الاعتداء اللفظي والمعنوي والقمع، على أنها جدية، حزم، أو صرامة، محبذة، أو مطلوبة، وربما ضرورية لتحقيق أهداف العملية التعليمية. فيصبح بإمكان من تتم مواجهته بأن سلوكه غير مقبول من الأساتذة، أن يدافع عن نفسه بالإشارة إلى أن السلوك البديل متهاون، متسيب، ومهمل، وبالتالي ضار.


اقرأ أيضًا: تأديب الأطفال "المباح شرعًا": قتل يحميه القانون


أحد المفاهيم السائدة في المجتمعات الأبوية، أي تلك التي تفهم السلطة من خلال النموذج التقليدي للأب، هو مفهوم ممارسة الأب/الشخص صاحب السلطة للقسوة حرصًا على مصلحة من يقسو عليه. يستخدَم هذا المفهوم لتبرير مظاهر للعنف والتعنيف والإساءة في علاقات الآباء بالأبناء داخل الأسرة، وفي علاقة المدرسين بالتلاميذ في المدارس، وعلاقة الأساتذة بالطلبة في الجامعات، وصولًا إلى علاقة أصحاب العمل، والمديرين بالعاملين لديهم أو مرؤوسيهم، صعودًا إلى تبرير قمع الدولة بأنه قسوة ضرورية لمصلحة من تقع عليه، حتى يبرر البعض حبس النشطاء السياسيين بأنه ضروري "لتأديبهم"، دون أي التفات لقانونية ذلك الحبس، وهذه نقطة مركزية في الممارسات الأبوية، أي أنها لا تعتمد على القانون المكتوب الذي يفترض أنه ينظم العلاقات، لتحقيق المصلحة، بل تتجاهله لصالح الإيمان بالسلطة التقديرية للأب الذي يعلم ما هو في مصلحة من هم تحت وصايته، وتلك في الواقع واحدة من عوامل سيادة عدم الاعتداد بالقوانين في المجتمعات الأبوية، وهو ما يخلق فيها دوائر مغلقة لتمرير إساءة المعاملة والعنف من مستو إلى آخر ومن كل شخص إلى آخر حسب تراتبيات السلطة وتوازنات القوى.

الالتفاف على الواقع

الوجه المقابل للأبوية في تسيير شؤون المجتمعات هو الاحتكام للقواعد والقوانين، في مثال العلاقات داخل الحرم الجامعي، يعني ذلك إزالة أي لبس أو خلط بين إساءة المعاملة وبين تطبيق القواعد الموضوعة لتحقيق أهداف العملية التعليمية؛ يحق للأستاذ أن يطبق القواعد دون تمييز فلا يسمح لطالب تأخر عن موعد محاضرة أو فصل دراسي بالدخول، ولكنه لا يحق له توبيخه أو توجيه أي إهانة له. المصلحة ستتحقق بجدية تنفيذ القاعدة التي ستضمن أن يحرص الطالب على عدم التأخر لاحقًا حتى لا تفوته المحاضرة أو الفصل.

القواعد أيضا تترك مجالًا للاستثناءات المبررة، ولكنها لا تسمح باستخدام أحد لسلطة تقديرية لمنح الاستثناءات حسب أهوائه، ذلك لا يترك مجالًا لأن يبرر أحدهم سلوكًا مسيئًا بمقارنته بتساهل آخرين، الفصل بين السلوك المهني/ العملي وبين السلوك الشخصي، لا يقتل فرص نمو علاقات تقارب إنساني بين الأستاذ وطلابه، ولكنه يضع خطوطًا فاصلة واضحة بين العلاقة المهنية والشخصية، ولا يسمح بأن يتوقع الطلاب أكثر أو أقل من حقوقهم في إطار العلاقة المهنية، بغض النظر عن أي علاقة شخصية.

تعديل المفاهيم السائدة هو بالطبع أمر لا يمكننا توقع حدوثه في المستقبل القريب، وبالتالي فالحلول الأقرب للتصور عليها الالتفاف بشكل أو بآخر على الواقع القائم الذي ستظل هذه المفاهيم تحكمه لفترة قادمة.

ربما يكون استخدام تأثير مواقع التواصل الاجتماعي واحدًا من سبل الالتفاف على موازين القوى السائدة في الحرم الجامعي؛ لا تزال تلك وسيلة عشوائية وظرفية، ولكنها مع ذلك لديها إمكانيات مجربة للتنظيم والاستمرارية، أحد الأمثلة للاستخدام المنظم لمواقع التواصل الاجتماعي هي حملات مواجهة التحرش والعنف ضد النساء، ربما نحتاج إلى حملات وصفحات مشابهة لإتاحة منصات لمواجهة إساءة بعض الأساتذة الجامعيين استخدام سلطاتهم التقديرية غير المقيدة، من خلال نشر شهادات للطلاب، تحافظ على المجهولية طالما كان ثمة خوف من تعرض أصحاب الشهادات للإضرار بهم نتيجة نشر شهاداتهم، مثل تلك الوسائل لها بالطبع عيوبها التي طال النقاش حولها مع استخدامها لمواجهة التحرش والاغتصاب والعنف ضد النساء، ولكن المنطق الذي يبرر تحمل مثل هذه العيوب في الحالة الأخيرة تظل له وجاهته في حالة العلاقات داخل الحرم الجامعي، فما دامت موازين القوى مختلة، في ظل عدم اعتداد بالقواعد واللوائح، تكون أدوات الفضح من خلال تطبيقات شبكة الإنترنت هي السلاح الوحيد للطرف الأضعف. وكما علمنا طوفان الوجوه الغاضبة اليوم، ليس هذا سلاح يمكننا الاستهانة به.