تصميم: يوسف أيمن - المنصة

الكنيسة الأسقفية والطائفة الإنجيلية: تبعية إجرائية ومركز قانوني ملتبس

في عام 1940، وبعد سنتين من إصدار لائحة الأحوال الشخصية الخاصة بالمسيحيين، تقدمت الكنيسة الأسقفية (الأنجليكانية) في مصر رسميًا بطلب للانضمام إلى الطائفة الإنجيلية، من أجل تجاوز عقبة قانونية كانت تمنعها من إصدار وثائق الزواج. ومنذ ذلك الحين، وحتى بعد زوال هذه العقبة مع إلغاء المحاكم المختلطة عام 1949 ثم المحاكم الشرعية والملية عام 1955، ما زال الوضع القانوني والإداري لهذه الكنيسة ملتبسًا في أوراق الدولة الرسمية، ومحل نزاع في أروقة المحاكم، فهي أحيانًا طائفة مستقلة، وأحيانًا أخرى كنيسة تابعة.

وتتبع الكنائس الأسقفية حول العالم، روحيًا، رئيس أساقفة كانتبري في إنجلترا، وهو ما جعلها منذ تأسيسها في مصر في مطلع القرن التاسع عشر، واحدةً من الطوائف الأجنبية المعتمدة في البلاد، ويقصد بها تلك التي تتبع رئاسات دينية تقع خارج مصر، مثل الروم والأرمن واللاتين والسريان الكاثوليك والأرثوذوكس، بخلاف طوائف مثل الأقباط الأرثوذوكس والأقباط الكاثوليك، لا تتبع رئاسات دينية خارج البلاد.

وبسبب تبعية الكنيسة الأسقفية إلى أسقفية كانتبري، اعتبرها القانون المصري طائفة أجنبية، فخضعت أمورها الإدارية للمحاكم المختلطة التي كانت تختص بالفصل في المنازعات المدنية بين المصريين والأجانب، وبين الأجانب من الجنسيات المختلفة، ومع إلغاء هذه المحاكم عام 1949 انتقلت الولاية على منازعات الأجانب إلى المحاكم الوطنية، حيث أنشأت 4 محاكم استئناف في كل من القاهرة والإسكندرية والمنصورة وأسيوط.

هذا المركز القانوني الذي تمتعت به الكنيسة الأسقفية، ككنيسة أجنبية بنظر الحكومة المصرية في ذلك الوقت، كان يحول دون أن تُمنح الكنيسة دفاتر توثيق الزواج، ليصبح الانضمام إلى الطائفة الإنجيلية هو الحل الإجرائي لهذا الوضع القانوني الملتبس. ويقول المطران منير حنا رئيس الكنيسة الأسقفية المصرية السابق، قبل أيام من نهاية رئاسته وتنصيب سامي فوزي مطرانًا جديدًا للكنيسة، إنه فور حصول كنيسته على دفاتر توثيق عقود الزواج في مطلع الخمسينيات، لم تعد تطلب ذلك من الكنيسة الإنجيلية، حسبما أخبر المنصة.

ولكن على الجانب الآخر فإن الطائفة الإنجيلية ما زالت تتمسك بتبعية الكنيسة الأسقفية لها إداريًا ضمن المذاهب المجتمعة تحت لواء رئاسة الطائفة، حتى مع وجود وضع مستقل لرئيس أساقفتها في إدارة شؤونها، وهو النزاع الذي انتقل إلى أروقة القضاء الإداري في ظل وضع قانوني ورسمي ملتبس، وأحكام قضائية سابقة متناقضة.

الطائفة الإنجيلية: أحكام القضاء واضحة

الدكتور القس أندريه زكي رئيس الطائفة الإنجيلية، يستند إلى ثلاثة أحكام قضائية من المحكمة الإدارية العليا "تقول بعدم جواز فصل الكنيسة الأسقفية عن الطائفة الإنجيلية" حسبما قال للمنصة.

ولكن الكنيسة الأسقفية بدورها تشهر حكمًا قضائيًا آخرًا أصدرته المحكمة ذاتها عام 1986، يؤكد استقلاليتها عن الطائفة الإنجيلية، وأشار الدكتور أندريه إلى أن الحكم الذي أشار إليه بيان الأسقفية يتعلق بمدرسة، وأضاف "لا توجد أحكام قضائية بشأن الفصل عن الطائفة الإنجيلية، بل كلها أحكام تقضي بعدم جواز فصل الكنيسة الأسقفية عن الطائفة الإنجيلية".

على الجانب الآخر، يوضح المطران منير حنا أن "الكنيسة الأسقفية متواجدة في مصر منذ سنة 1800، وتم الاعتراف بها رسميًا منذ 1839 في عهد محمد علي عندما منحها قطعة أرض لبناء أول كنيسة أسقفية، أما الطائفة الإنجيلية أنشئت في مصر بالأمر العالي الصادر عام 1902، بعد 63 سنة من تواجدنا الرسمي".

وتابع في حديثه إلى المنصة "من لحظة تواجدنا وحتى الآن تتعامل معنا الدولة كاحدى الطوائف الأجنبية المعتمدة"، وشرح أن الدولة المصرية صنفت الكنائس في مصر لفئتين الأولى هي الكنائس الوطنية أي التي ليس لها رئاسة دينية أجنبية خارج مصر، وهي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وكنيسة الأقباط الكاثوليك، والكنيسة الإنجيلية، والنوع الثاني كنائس أجنبية أي لها رئاسة دينية خارج القطر المصري، مثل الكنيسة الأسقفية، والروم الأرثوذكس، واللاتين والروم والأرمن الكاثوليك، ووضعتهم كلهم في الكتاب الدوري رقم 55 الصادر سنة 2006 من وزارة الداخلية".

كما أن الكنيسة الأسقفية لها تمثيل مستقل في مجلس كنائس مصر عن الطائفة الإنجيلية، وهي، حسبما يوضح رئيسها السابق "أقرب عقائديًا إلى الكنائس الكاثوليكية مع تبنيها فكر الإصلاح الديني".

المطران منير حنا أنيس الرئيس السابق لأساقفة إقليم الإسكندرية للكنيسة الأسقفية الأنجليكانية

تواجد الكنيسة الأسقفية في مصر يعود بحسب موقعها الرسمي إلى 1819، عندما وصل أول مبشر تابع لها إلى مصر، وبعد لقائه مع بطريرك الأقباط الأرثوذكس، تلقى خطاب تعارف يخاطب جميع الأديرة في مصر، وانطلق لزيارة الرهبان، قبل أن يمنحه محمد علي باشا قطعة أرض خصصت لبناء أول كنيسة أسقفية في البلاد وهي كنيسة القديس مرقس الأسقفية بمدينة الإسكندرية، كأول كنيسة أسقفية في مصر، افتتحت في 17 ديسمبر/ كانون الأول 1839.

أما الطائفة الإنجيلية فحصلت على مركزها القانوني كطائفة مستقلة في ديسمبر 1850 مع صدور الفرمان الهمايوني الذي حدد الطوائف المعترف بها في مصر، ولكن قبل هذا بأعوام كان المبشرون يعملون في كل أنحاء مصر.

آخر البيانات بين الكنيستين

الكنيسة الأسقفية أصدرت بيانًا منتصف الشهر الماضي، تؤكد فيه استقلاليتها وعدم تبعيتها لأي طائفة أخرى. وفي هذا البيان أشارت الأسقفية إلى حكم المحكمة الإدارية العليا رقم 962 /27 ق ع عام 1986 "وهذا الحكم له حجيته لأنه يسبق باقي الأحكام، وينص الحكم على أنه لا يجوز للكنيسة الأسقفية أن تكون جزءًا من الطائفة الإنجيلية لتعارض ذلك مع الأمر العالى الصادر عام 1902 بإنشاء الطائفة الإنجيلية"، وأضاف البيان أنه "سبق أن أصدرت هيئة قضايا الدولة عام 1991 تقريرًا عن الكنيسة الأسقفية، إنها ليست ضمن المذاهب التابعة للطائفة الإنجيلية، وذلك فى الطعن رقم 3965/ 2966 لسنة 32 ق ع".

وذكرت الكنيسة الأسقفية أن وزارة الداخلية أشارت في كتابها الدوري رقم 55 لعام 2006 إلى الكنيسة الأسقفية كإحدى "الطوائف" المعتمدة في البلاد، وأن هذا كله يثبت الوضع المستقل للكنيسة الأسقفية، وتابع البيان "كنا وما زلنا نود أن تُحل المشاكل بين الكنائس بطريقة ودية تضمن استمرارية التعاون المشترك في خدمة الكنيسة والوطن".

في نفس اليوم من منتصف مايو/ أيار أصدر المستشار القانوني لرئاسة الطائفة الإنجيلية بمصر، يوسف طلعت، بيانًا بخصوص تبعية الكنيسة الأسقفية للطائفة الإنجيلية جاء فيه أن "الكنيسة الأسقفية أحد المذاهب الإنجيلية، وتضم حوالي 20 كنيسة من ضمن 1500 كنيسة لباقي المذاهب الإنجيلية بمصر".

بيان الكنيسة الإنجيلية بدوره استند إلى أحكام قضائية صدرت عن القضاء الإداري هي الطعن رقم 15511 لسنة 53 ق. عليا في 2013 وقضى بعدم جواز الاعتداد بقرار المجلس التنفيذي للكنيسة الأسقفية بالانفصال عن الطائفة الإنجيلية واعتبارها جزءًا من الطائفة الإنجيلية، والحكم في الطعنين رقم 83502 لسنة 63 ق. عليا و67194 لسنة 65 ق. عليا، العام الماضي، بعدم جواز فصل الكنيسة الأسقفية عن الطائفة الإنجيلية.

مدرستي منوف والمنيل وحكم 1986

يستند الطرفان إلى حكم صدر عن المحكمة الإدارية العليا، أعلى هيئة قضائية إدارية، عام 1986، عندما قررت وزارة التربية والتعليم في السبعينيات نقل تبعية مدرستين تابعتين للكنيسة الأسقفية واحدة في منوف والثانية في المنيل، على اعتبار أن هذه الأخيرة كيان أجنبي لا يحق له إنشاء وإدارة المدارس.

ولفت المطران حنا إلى أن المستشار جرجس مسعود محامي الكنيسة الأسقفية الذي كان يباشر القضية حينها، ولأنه كان نائب رئيس الطائفة الإنجيلية اقترح تقديم أمر صوري لإثبات أن الكنيسة الأسقفية كنيسة وطنية بكتابة ورقة انضمام للطائفة الإنجيلية، من أجل إعادة المدرستين في أكتوبر/ تشرين الأول 1980، موضحًا أن الكنيسة الأسقفية لا يمكن أن تنفصل أو تنضم لكنيسة أخرى من خلال ورقة لأن الأمر يستلزم موافقة السنودس المحلي، ثم السنودس الإقليمي، ثم اتحاد الكنائس الأسقفية.

وأضاف أن هيئة قضايا الدولة ذكرت خلال نظر هذه القضية، أن الكنيسة الأسقفية ليست ضمن مذاهب الطائفة الإنجيلية، وكتاب الطائفة الإنجيلية عام 1982 لم يذكر أن الكنيسة الأسقفية ضمن المذاهب الإنجيلية، ومع ذلك حكم القاضي بعودة المدرسة لنا.

ورد المستشار القانوني للطائفة الإنجيلية في البيان الصادر في منتصف مايو على ذلك موضحًا أن هذا الحكم "لا علاقة له، من قريب أو بعيد، بانفصال الكنيسة الأسقفية عن الطائفة الإنجيلية، وإنما هو خاص بقرار التربية والتعليم بوضع مدارس الكنيسة الأسقفية تحت الإشراف المالي والإداري، كما أن الطعن المشار إليه ليس هو الوحيد في هذا الشأن؛ حيث تم أيضًا ضم عدد من مدارس الكنيسة الأسقفية في عدد من المحافظات".

واحد من مظاهر التباس الموقف القانوني للكنيسة الأسقفية، إلى جانب الأحكام القضائية المتباينة والكتاب الدوري لوزارة الداخلية، هو تمتعها بعضوية مستقلة عن الطائفة الإنجيلية في مجلس كنائس مصر الذي تأسس في 18 فبراير/ شباط 2013 ويضم في عضويته الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، والكنيسة الكاثوليكية بمصر، والكنيسة الإنجيلية، والكنيسة الأسقفية، وكنيسة الروم الأرثوذكس.

وفي إحدى القضايا الدائرة بين الكنيستين، سُئِل البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، بخصوص هذا الأمر، فقدم خطابًا لرئيس الجمهورية يوضح فيه أن الكنيسة الأسقفية لها "سمات عقائدية خاصة بها ولا تشترك مع أي من الطوائف الإنجيلية الأخرى"، وأنها "جزء من كيان عالمي يسمى شركة الكنائس الأسقفية (الأنجليكانية) في العالم ويشمل 85 مليون عضو ومنتشرة في 164 دولة والرئيس الروحي لها هو رئيس أساقفة كانتربري بإنجلترا".

ولفت بيان بابا الإسكندرية إلى العضوية المستقلة للكنيسة الأسقفية في كل من "مجلس الكنائس العالمي (WCC) ومجلس كنائس مصر (ECC) وأيضًا في بيت العائلة المصرية مع الأزهر الشريف".

خطاب البابا تواضروس لرئيس الجمهورية حول الكنيسة الأسقفية الأنجليكانية 

وخلص البابا تواضروس إلى أن "الكنيسة الأسقفية (الأنجليكانية) في مصر لا تتبع أيًا من الكنائس المكونة للعائلة الإنجيلية، وهي مستقلة بذاتها، تاريخيًا وإداريًا وكنسيًا، ولها رئاسة روحية ممثلة في رئيس أساقفة كانتربي في انجلترا"، مضيفًا أن "الكنيسة القبطية تتعامل معها ككنيسة مستقلة تمامًا مثل الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية في العالم".

تعقيد إداري

هذا الوضع القانوني والإداري الملتبس يراه إسحق إبراهيم، مسؤول ملف وحدة الدين والمعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، نتيجة طبيعية لـ "التعقيد الإداري" الذي يصعب إجراءات الاعتراف بالطوائف الدينية الجديدة.

وبحسب ما ذكر للمنصة فإنه "من المفترض أن تتيح مؤسسات الدولة الاعتراف بأي طائفة دينية جديدة وتحصل على الشخصية القانونية طالما هي متواجدة في العلن ولم تكسر القانون"، مشيرًا إلى أن "المؤسسات الدينية في مصر على اختلافها لا تؤمن بالتنوع والتعدد، وأي ظهور لتنوع داخلي يعتبروه خصمًا من الكل".

وأشار إلى أن طلب تأسيس أو تقنين وضع طائفة دينية يقدم إلى وزارة الداخلية، التي بدورها تسأل المؤسسات الدينية الرسمية عن رأيها في تقنين وضع أي طائفة جديدة.

ولفت إلى أنه من منظور حرية الاعتقاد "إذا كانت الكنيسة الأسقفية طلبت الانضمام للطائفة الإنجيلية وبعد فترة طلبت الانفصال عنها، فلا معنى لإجبار كنيسة على التواجد تحت تبعية كنيسة أخرى بحجة القانون"، مشيرًا إلى أن "التعاليم الدينية ضد الجبر أو الإكراه للانضمام لطائفة معينة، والكنيسة الأسقفية ليست طائفة جديدة بل متواجدة ولها نظام ديني مستقل ومختلف عن بقية الكنائس".

وأوضح أن الدولة تعامل الكنيسة الأسقفية بشكل مستقل في الأمور البروتوكولية، وعند إعداد قانون الأحوال الشخصية لم تدع الكنيسة الأسقفية وسط الكنائس، لكن تمت دعوتها من قبل وزارة العدل في جلسات مناقشة مشروع القانون بالوزارة.