مصلحة الضرائب تمنح الممولين إقرار أنهم أدوا الضريبية إلكترونيًا. الصورة من صفحة مصلحة الضرائب - فيسبوك

مأمور الضرائب يقتحم عالم الديجيتال

لفتت وزارة المالية الأنظار قبل أيام بإعلانها عن فرض ضرائب على خدمات توصيل الطعام إلى المنازل. يعني هذا الخبر للملايين من المستهلكين والتجار أن مأمور الضرائب التفت إلى هذه المعاملات المتحررة من سلطته وسيدس أنفه من الآن فصاعدا في أسواق الديجيتال.

القرار الأخير لم يكن الأول من نوعه، فقد سعت وزارة المالية خلال السنوات الأخيرة لإدماج التجارة الإلكترونية في نظام الضرائب، خاصة وأنها لم تعد تقتصر على هذه الأعمال الصغيرة ولكن دخلت فيها شركات كبرى بعضها عالميا مثل أمازون، وأصبحت تدير تجارة في مصر بملايين الدولارات.

وهكذا بدأ مأمور الضرائب يقتحم هذا العالم ويتتبع حركة التجارة والمال السارية بداخله، متسلحًا بخطط حكومية لإخضاع عالم الديجيتال إلى سلطته، نحاول قراءتها في هذا التقرير.

2016: العين على الديجيتال

التطورات الأسرع تتم في مجال ضرائب القيمة المضافة، وبدأت منذ صدور القانون الجديد لتنظيم هذه الضريبة في 2016، ونص بشكل صريح على ضرورة استهداف الأنشطة الإلكترونية.

القانون السابق عليه، أي قانون الضرائب على المبيعات، صدر في عصر ما قبل الإنترنت والهواتف الذكية، عام 1991، لذا لم يتضمن أية إشارة لهذا النمط من الأعمال، أما القانون الجديد فقد تحدث بشكل مباشر عن خضوع السلع والخدمات للضريبة "أيًا كانت وسيلة بيعها أو أدائها أو تداولها بما فى ذلك الوسائل الالكترونية" .

لكن صدور النص القانوني الجديد في حد ذاته لم يكن كافيًا لتغيير وضع استقرت عليه معاملات السوق لسنوات طويلة، فقد تم الاعتياد على أن التعامل على الإنترنت متحررا من سلطة الضرائب.

وسعت مصلحة الضرائب في 2018 لإلزام المواقع الكبرى مثل سوق وأولكس وجوميا بالضريبة، وذلك من خلال اتفاقيات أبرمتها مع تلك المواقع بشأن الضريبة.

وجاءت هذه المساعي في سياق التوسع القوي لهذه الأسماء في عالم التجارة الإلكترونية بمصر والمنطقة المحيطة، حيث تشير دراسات إلى أن سوق وحدها تستحوذ على نصف سوق التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وعززت تطورات السنوات الأخيرة من رغبة مصلحة الضرائب في التوسع في فرض ضريبة القيمة المضافة على باقي المتعاملين في هذا السوق، كان من أهمها جائحة كورونا التي تشير العديد من الدراسات إلى أنها كانت دافعًا قويًا للمستهلكين للإقبال على خدمات التجارة الديجيتال.

تحدث عن ذلك صراحة رئيس مصلحة الضرائب في تصريحات إعلامية قال فيها إنه "في الآونة الأخيرة نظرًا لظروف انتشار فيروس كورونا اتخذت الدولة إجراءات بخصوص غلق المطاعم والمحلات والسماح بالبيع من خلال المواقع الإلكترونية عبر خدمة التوصيل، ما أدى إلى ظهور كيانات جديدة تستخدم تطبيقات إلكترونية لبيع المأكولات، وهذه الكيانات غير مسجلة بمصلحة الضرائب".

ووجدت هذه الأنشطة الديجيتال بنية أساسية تساعدها على التوسع، تتمثل في شركات الدفع الإلكتروني التي أصبحت قاعدة ضخمة تتيح القيام بالمعاملات المالية خارج القطاع المصرفي التقليدي، حيث تشير دراسة إلى أن عدد منافذ الدفع الإلكتروني في مصر وصل إلى 130 ألفًا، وهو مستوى متقدم من حيث الانتشار مقارنة بدول المنطقة.

فكيف تخطط الحكومة لإخضاع هذا السوق؟

إذا استطاعت الضرائب أن توسع من رقعة الأنشطة التجارية الخاضعة لسلطتها، سيتفاجأ الكثير من صغار التجار بوقوعهم تحت طائلة الضريبة.

تعتبر إدارة الضرائب أنها تواجه تحديًا يتعلق بإخضاع "عمليات البيع التى تتم من تاجر محلي لتاجر آخر أو من تاجر لمشتر عادى عبر صفحات على السوشيال ميديا" كما يقول محسن الجيار مدير إدارة مساعدة المسجلين بمصلحة الضرائب المصرية.

وتنبع صعوبة إخضاع هذه الأنشطة المحلية بالأساس من أنها عادة ما تكون صغيرة الحجم مما يصعب كشفها وتتبعها، لذا يقول الجيار إن المصلحة "وضعت خطة تتضمن التعاون مع شركات الشحن لرصد عمليات توصيل المنتجات، سواء تمت عمليات السداد عبر الشكل النقدى " الكاش " أو التحويلات البنكية أو شركات تحويل الأموال".

وفي حالة ما إذا استطاعت الضرائب أن توسع من رقعة الأنشطة التجارية الخاضعة لسلطتها، سيتفاجأ الكثير من صغار التجار بوقوعهم تحت طائلة الضريبة، وذلك لأن حد الإعفاء الوارد في القانون وضعته وزارة المالية قبل موجة التضخم الكبيرة التي جاءت بعد تعويم الجنيه في نوفمبر 2016، وبالرغم من ارتفاع الأسعار بقوة بعد ذلك رفضت المالية تحريك هذا الحد.

ويشترط القانون من أجل السماح بالإعفاء من ضريبة القيمة المضافة أن يقل حجم النشاط السنوي عن 500 ألف جنيه، أي ما يعادل معاملات شهرية بحوالي 42 ألف جنيه.

"التحدي الأكبر في فرض ضريبة القيمة المضافة يتعلق بإخضاع عمليات بيع الخدمات والأصول المعنوية للمستهلكين من الأشخاص الطبيعيين "، كما يقول مصطفى عبد القادر، الرئيس الأسبق لمصلحة الضرائب.

وما يشير إليه عبد القادر هو طبيعة عمليات البيع التي تتم من جهات غير موجودة في مصر، ببيع منتجات غير ملموسة لمصريين، مثل خدمات عرض الافلام أو بيع برامج السوفت وير، وهي معاملات من الصعب للغاية اكتشافها ومحاسبتها بالرغم من أنها قد تُقدر بالمليارات.

وقد حاولت وزارة المالية أن تلاحق هذه المعاملات من خلال أسلوب النص في القانون على "التكليف العكسي" والمقصود به أن تقوم الشركة الدولية التي تبيع الخدمة بتعيين ممثل مقيم لها في مصر يقوم بتحصيل الضريبة من المستهلكين ثم يعيد تحويلها إلى مصلحة الضرائب، ولكن عمليًا لم يكن هناك مايلزم الشركات الأجنبية بذلك.

لكن يبدو أن وزارة المالية لم تيأس، وكما يظهر من تصريحات أخيرة لمستشار الوزير هناك تعديلات تشريعية "ستنظم تعاملات التجارة الإلكترونية للشركات أو الكيانات غير المقيمة، والتى تقدم خدمات مدفوعة بشكل مباشر للمستهلكين داخل مصر، منها على سبيل المثال بعض مواقع حجز الفنادق ورحلات الطيران، ومنصات عرض الأفلام والمسلسلات عبر الإنترنت".

وقد سعت بالفعل المالية لمحاصرة بعض هذه الأنشطة الخدمية التي يمكن مراقبتها بسهولة، هذا ما حدث مع شركة النقل التشاركي الشهيرة أوبر، والتي تم التوصل مع الشركة التي تمثلها في مصر لاتفاق خلال 2019 بشأن سداد هذه الضريبة عن خدماتها.

حصار تدريجي لتجارة صاعدة

وتمثل التجارة الإلكترونية 2.5% من نشاط تجارة التجزئة في مصر، لكن كقيمة مالية تتوقع دراسات أن يبلغ حجم تلك التجارة 3 مليار دولار بحلول 2022، وهو ما يجعلها صيدا ثمينا لضرائب القيمة المضافة.

وبعيدا عن عالم التعديلات التشريعية، تعمل وزارة المالية على استغلال الصلاحيات المتاحة لديها من خلال القرارات التنفيذية للتوسع قدر الإمكان في إلزام التجارة الإلكترونية بضريبة القيمة المضافة.

وربما تكون تجارة الملابس من أبرز الأنشطة المستهدفة في الفترة المقبلة، حيث تقول شركة ماستر كارد إنها أجرت استطلاع رأي على مجموعة من المصريين الذين يقومون بعمليات شراء أون لاين وقال 62% منهم إنهم اشتروا ملابس، وجاء بعدها المنتجات الإلكترونية ثم المنتجات الصحية وأخيرًا منتجات البقالة.

"كل تلك الاجراءات ستتم أيضًا بالتناغم مع تعميق تطبيق منظومة الفاتورة الإلكترونية التى ستكشف تعاملات السوق من خلال تضييق الخناق على الراغبين فى التهرب"، كما يضيف الجيار.

وأطلقت وزارة المالية منظومة الفاتورة الإلكترونية فى نوفمبر /تشرين الأول من العام الماضى بهدف بناء قاعدة بيانات عن المتعاملين في قطاع التجارة، وتوسعت في الإلزام بتطبيقها بشكل تدريجي.

وبعيدًا عن عالم التعديلات التشريعية، تعمل وزارة المالية على استغلال الصلاحيات المتاحة لديها من خلال القرارات التنفيذية للتوسع قدر الإمكان في إلزام التجارة الإلكترونية بضريبة القيمة المضافة، كان ذلك واضحًا في القرار الأخير الخاص بإلزام عمليات بيع الأغذية على الإنترنت بالضريبة.

وتعود جذور هذا الأمر إلى عام 2017، عندما وضعت وزارة المالية قرارًا لتنظيم عملية فرض ضريبة القيمة المضافة على المطاعم، وفرض القرار الضريبة على كل المطاعم التي يسيطر عليها الطابع الترفي، مثل التي تحمل براندات عالمية أو التي تأخذ الطابع السياحي، بحيث يتم استثناء المطاعم الشعبية الصغيرة فقط.

لكن يبدو أن المالية لاحظت أن عمليات الدليفري أصبحت واسعة الانتشار، مما دفعها لإصدار قرار جديد يضيف إلى المطاعم الخاضعة تلك التي تبيع منتجاتها عبر الإنترنت، ولم يتضح حتى الآن كيف ستقوم المصلحة بحصر آلاف من أوامر الدليفري التي تتم يوميًا عبر الإنترنت من الفول والطعمية إلى السوشي.

ليست القيمة المضافة فقط

كل تلك التطورات كانت تتم في مجال ضريبة واحدة فقط وهي ضريبة القيمة المضافة، لكن وزارة المالية تتطلع أيضًا لإخضاع التجارة الإلكترونية لضرائب أخرى، ربما يكون أقربها للتحقق ضريبة الدمغة.

وتُفرض ضريبة الدمغة على الأنشطة الإعلانية التقليدية، مثل الإعلانات المطبوعة، بنسبة 20% من تكلفة الإعلان، وما سيساعد مصلحة الضرائب على فرض تلك الضريبة على إعلانات الإنترنت هو أنها استطاعت بالفعل أن تصل لتفاهمات مع شركتي فيسبوك وجوجل بحيث أن تقوم الأخيرة بإبلاغها عن الإعلانات المباعة في مصر وتقوم بإضافة رسوم الضريبة على تكلفة الإعلان ثم تحولها إلى الحكومة المصرية.

وسيتطلب تنفيذ هذا الاتفاق تعديلًا على قانون ضريبة الدمغة في مصر، وهو واحد من حزمة التعديلات التي تناقشها المالية مع البرلمان في الوقت الراهن.

ويأتي أكبر تحدي أمام الدولة هو فرض ضريبة الدخل على شركات التجارة الإلكترونية.

ويفسر عبد القادر هذه الظاهرة بأنه وقت إعداد قانون الضرائب على الدخل الحالي، 2005 ، لم يكن في الحسبان هذا التطور الهائل للتجارة الإلكترونية، لذا تم وضع شروط لفرض الضريبة على الكيانات الأجنبية، أصبح من السهل على الشركات الإلكترونية تجاوزها في الوقت الراهن، بحيث لا تصبح بالإصطلاح القانوني "منشأة دائمة" تخضع للضريبة المحلية.

من الأمثلة على ذلك "الأرباح التي تحققها شركة أوبر العالمية التي لا تخضع إيراداتها المحققة في مصر للضريبة، ولكن تخضع فقط أرباح شركة أوبر المحلية التابعة عن عمولة الخدمات التي تقدمها لأوبر العالمية بشأن توصيلها بالسائقين المحليين" كما يوضح عبد القادر.

وبعيدًا عن الشركات الدولية، ستجد مصلحة الضرائب نفسها في مواجهة قطاع ضخم من صغار التجار على الإنترنت، ممن لم يسجلوا نشاطهم بشكل رسمي ويعملون في معاملات يفوق حجمها حد الإعفاء من ضريبة الدخل.


اقرأ أيضًا: محفظة مليئة بالكروت: الخاسرون من رقمنة القطاع المصرفي

تصميم: يوسف أيمن - المنصة

وتراهن المصلحة على حصر هذه القاعدة من الأنشطة من خلال الإلزام بكتابة الإقرار الضريبي الإلكتروني، وتنبع قوة هذا الإقرار في أنه مؤسس على برنامج إلكتروني لا يسمح بإرساله للمصلحة بدون استكمال البيانات، وبالتالي سيكون الموردين الكبار مجبرين على ذكر صغار التجار الذين يتعاملون معهم، ومن ثم ستتم متابعتهم في ما بعد.

وبصفة عامة، فإن وزارة المالية تقع تحت ضغط قوي لخلق أكبر قدر ممكن من الإيرادات الضريبية للحد من الدين العام ودوره في تمويل الموازنة، فبحسب تقرير برلماني أخير ستلعب القروض دورًا أكبر في تمويل استخدامات (نفقات) موازنة 2021-2022 بنسبة 43.4% مقابل دور الضرائب الذي يقتصر على 40%.