القط يقضي وقتًا في الجاليري. الصورة: سارة إبراهيم

أرواح المقاتل السبعة: يوميات قط شوارع

1

منذ ستة أشهر، بدأت صداقتي بأحد قطط الشارع الذي يقع عليه الجاليري، الذي أعمل به وأقضي فيه شطرًا من نهاري. مع الوقت أصبح هذا القط شريكي فيه.

هناك مدرسة ابتدائية تقع أمام الجاليري، كانت قصرًا أيام الملكية تحول لمدرسة بعد الثورة (1952)، لها حديقة كبيرة، منحت سلالات من القطط أن تعيش فيها برغد، بل وتتوارثها، بعيدًا عن سلالات التلاميذ الذين كانوا يشغلون فقط الحوش الترابي من المدرسة، وغير مسموح لهم باللعب في هذه الحديقة. للمفارقة قضيت السنة الأخيرة من المرحلة الابتدائية في هذه المدرسة، القريبة من بيتنا.

مساحات خضراء من النجيل، أماكن ظليلة ومشمسة، أشجار للتسلق، وأخرى صغيرة للعب والدوران حولها، فسقية للمياه، أركان وزوايا وبرجولات، كلها وفرت لها مجتمعًا نموذجيًا، كالجنة التي حلم بها أجدادها، فعاشت هانئة داخل هذه القوقعة، بعيدًا عن مطاردات الشارع وزحامه وعرباته، ربما كانت تتردد على الشارع كفسحة حتى لاتستسلم لحياة الهدوء والترف، وتنسى أصلها البري.

2

قلما كنت ألحظ هذه القطط في الشارع، إلا في السنة الأخيرة، بعد تفشي وباء كورونا، وإجازة المدارس، أجدها متحلقة حول أكياس الزبالة، أو نائمة أسفل العربات، أو هائمة بلا هدف، أو تتمسَّح في أرجل المارة. يبدو أنه بسبب غياب التلاميذ، حدث شح مفاجيء في الطعام، بقايا السندوتشات والبسكويت وغيرها، الساقطة بعد جرسي الفسحة والمرواح، التي كانت توفر عليها، الاقتراب من زبالة الشارع، والاحتفاظ بظل من شخصيتها البرية الأنيقة، التي لها جذور نسب بالنمور، قبل أن تُستأنس. هناك اعتقاد بأن القطط من أوائل الحيوانات التي استُئنست، في مصر القديمة، وصارت صديقة للإنسان وجزءًا من حياته ومقدَّساته، يرجع هذا لحوالي 5000 سنة، حيث كانت تُعبد كآلهة، من أهم وظائفها حماية البيت، وجلب السعادة، وأحيانًا كانت تقدم كقرابين.

من هذه السلالة الحديثة التي طُردت من الجنة بسببب وباء كورونا، وتفرقت على أهل الشارع ومحلاته وأرصفته؛ وقع من نصيبي هذا القط.

3

في أحد الصباحات وجدت إحدى سيدات الشارع، عندما لمحت القط واقفًا أمام باب الجاليري، ذهبت مسرعة للسوبر الماركت القريب، وعادت وفي يدها ربع كيلو لانشون فاخر، ووضعته أمامه على الرصيف. فما كان منه إلا أن انهال على الشرائح الدائرية الرقيقة بفمه وأنفه وأظافره. كان هناك جرح مندمل في فكه الأيمن، يفرمل جريان شهيته في التهام شرائح اللانشون.

أخبرتني السيدة بانها اندهشت عندما رأته مازال حيًا يرزق، فمنذ أسبوع، رأته في وضع لم يكن للحياة فيه ثقب إبرة لتعبر منه. لذا عندما رأته مجددًا، لم تجد ما يعبر عن فرحتها وتكفيرها عن ذنبها، سوى أن تمنحه هذه الوجبة الفاخرة. بنجاة هذا القط، من هذا الجرح العميق، يكون قد استهلك روحًا من الأرواح السبعة التي يملكها في بنك الأرواح القططية، كما تقول الأساطير الشعبية. بالطبع ميَّزته السيدة، في ذاكرتها، عن باقي قبيلته المتجمهرة، بهذا الجرح في فكه الأيمن، الذي سيتحول إلى عاهة مستديمة.

وقتها كان القط يقيم أمام باب الجاليري، يحوم حول هذا المربع، ولا يجرؤ على الدخول، كأنه يختبرني، أو يراقب سلوكي قبل أن يتورط في صداقته معي.

كان القط في مرحلة متقدمة من برء جرح فكه، الذي تسببت فيه خناقة شوارعية مع أحد أفراد قبيلته من الذكور أو ربما الإناث، من أجل فرض السيطرة. كان حجمه صغيرًا، وأضأل من كل أفراد القبيلة التي يتحرك معها، لايتساوى مع حجم طموحه في السلطة وفرض السيطرة اللذين يجريان في عروقه. سألت الطبيب البيطري عن طريقة علاج هذا الجرح، فأخبرني أنه يحتاج لعملية ترقيع، وغالبًا لا تنجح، وأنها إحدى المشاكل المزمنة للقطط الذكور، التي يحمل غالبيتها عاهات مستديمة كأسرى الحروب، من كثرة معاركها وصراعاتها على الأنثى والطعام والرعاية.

4

في البداية اعتقدت أنها قطة أنثى، أناديه وأعاتبه وأتكلم معه بصيغة المؤنث. بسبب تكرار رغبته في التمسُّح في قدمي، ربما أخطأت وربطت هذا السلوك بالأنثى، فأنثى القطط كما تذكر الكتب، ليست الأكثر قوة، ولكنها الأكثر شراسة كونها تحمل في داخلها موهبة الدفاع عن صغارها، بخلاف القط الذكر، الذي لايدافع عن أحد ويتنكر لصغاره، ويعوض هذا التنكر، بالمزيد من العلاقات، وبحبه الشديد للعب والتدليل والمداعبة، أكثر من القطة الأنثى، التي ليس لديها وقت، لذا تتسم ساعات يومها بالجدية، والمزاج الحاد المتقلب، ولكن لا يمنع هذا المزاج أنها أكثر نشاطًا من الذكر الذي ينام ويتمدد ويحلم طوال الوقت، كما سأرى في هذا القط الذي سقط علي من جنة القطط.

ربما هذا الالتباس في جنس القط، له علاقة بأصله الطوطمي المقدس. في مصر القديمة ترمز القطة إلى المعبودة باستت، ابنة معبود الشمس رع، وكانت الرسومات تصورها على شكل امرأة لها رأس قطة، وكانت معبودة للحنان والوداعة، والخصوبة، وحماية المرأة الحامل، لذا ارتبطت كل صفاتها بدورة حياة المرأة وجوهرها. وعند موتها كان يتم تحنيطها، مثل الموتى تمامًا. كما تذكر ويكيبيديا.

ربما تجمعت هذه العصابة من الذكور الضالة، أمام باب الجاليري يوميًا، على أساس عنصري، تبدَّى هذا في استثمار هذه القوة الذكورية، التي تميزها، فيما بينها، في العراك، وفرض السيطرة، وأيضًا في الاستيلاء على إحدى صفات الجنس الآخر، وهي صفة الحنان، التي تظهر في رغبتها الهستيرية، في التمسُّح في أقدام أصحابها، حتى يكون "زيتهم في دقيقهم"، ويتحقق لها الكمال الجنسي.

5

ظل هذا القط حوالي 4 شهور، يقضي جل وقته ممدًا ونائمًا أمام باب الجاليري، ولايجرؤ على الدخول. أحيانًا كان ينتهز فرصة دخول أحد الزائرين، ليدخل في ظله وبين قدميه، ولكن سرعان ما يخرج خوفًا مني. ولكن حدثت له حادثة ثانية حسمت الأمر معه، وغيرت من علاقتي به، وجعلته يقتسم معي غرفتي الجاليري، الغرفة الأمامية له، يقيم فيها فترة وجودي، والغرفة الداخلية لي، ولا يُسمح له بالدخول أو الاقتراب منها، باستثناء النوم أمام عتبتها الموزاييك.

كان يصدر صوت توجع وأنين قوي للغاية من تأثير ملامسة المطهر للجرح المفتوح، ولكني لم أجزع من الألم الذي أسببه له، طالما فيه طريق الشفاء.

كعادته، عند قدومي في الصباح، عندما يسمع صوتي أو صوت صاج الجاليري وهو يُرفع، يخرج من حيث ينام، إما فوق شجرة الفيكس التي زرعها جاري، أو تحت إحدى العربات، أو من فردوسه المفقود في حديقة المدرسة المقابلة. في أحد أيام السبت، بعد عودتي من إجازتي الأسبوعية، كان إقباله عليَّ ذليلًا، فلاحظت سريعًا نزفًا جديدًا مكان الجرح القديم. يبدو أنه دخل في خناقة كبيرة كالعادة، أكبر من إمكاناته، التي لا يعرفها، وشاهدت بقعًا من الدماء منثورة على شعره الأبيض. خشيت، هذه المرة، أن يكون هناك كسر في الفك، من جراء تكرار تعرضه للإصابة. يومها تعاملت معه كطبيب، جئت بمطهر البيتادين والقطن، وأجبرته عبر محاولات عديدة، على أن أطهر له الجرح، وأنظف له بالماء بقية جسمه بالنيابة عنه، ففي وضعه هذا من المستحيل أن يستخدم لسانه بسلاسة لتنظيف جسده. كان يصدر صوت توجع وأنين قوي للغاية من تأثير ملامسة المطهر للجرح المفتوح، ولكني لم أجزع من الألم الذي أسببه له، طالما فيه طريق الشفاء.

طوال ثلاثة أيام، كنت أقوم بالكشف يوميًا على الجرح، وأعيد تطهيره، فكان صوت توجعه أقل، فعرفت بأنه في بداية الشفاء. وبالطبع سمحت له بأن يقتسم معي الجاليري، فترة وجودي.

خلال أيام البرء من الجرح، كان يأخذ بعضه وينام بعيدًا في غرفته، تحت أحد الاستاندات الخشبية للعرض، بحيث لا أراه. مهما حاولت أن أجذبه برائحة اللانشون، فلم يكن يستجيب، فأترك له الشرائح في إناء فخاري، وابتعد. بعد قليل، أعود وأجده قام ببطء متعكزًا على هذا الفك المجروح، وتناول وجبته. أسبوع تقريبًا، وبدأ يسترد روحه المعنوية وشهيته، ويعود إلى طبيعته المرحة والملحاحة، وزادت ثقته في قدرته على مواصلة الحياة حتى في وجود هذا الجرح المستديم.

6

في ساعات جلوسه في غرفته، يخلق بنفسه ألعابًا للتسلية. أشعر باكتفائه بعالمه، وبشخصيته المستقلة، رغم تمسُّحه في قدميَّ، ورغبته الملحاحة في الاقتراب مني، التي تجسد رغبته في الطعام. دون هذا، يمكنه أن يعيش ويملأ وقته باللعب والحوار مع نفسه، ومع الأشياء التي تحوطه. أولى هذه الألعاب لعبة النظافة، فهناك وسواس ذنب يطارده يدفعه للعق شعر جسمه بلسانه، عدة مرات في اليوم، مع أداء تمرينات رياضية تشبه الجمباز، يرفع فيها قدمه اليسرى عاليًا، ليمرر فمه من تحتها، أو يرفع قدميه لأعلى كأنه على وشك أن يؤدي قفزة للخلف.

أحيانا أخرى، ربما يعثر على صرصار متسللًا من الخارج، لا يتركه ولا يأكله، يظل يتلاعب به، كما يتلاعب ببكرة الخيط، يصنع من الصرصار شكلًا كرويًا، يدحرجه إلى ما لانهاية من فوق قمة الجبل، ثم يعود ويصعد به مرة أخرى. أحيانًا يشد خيوط السجادة البدوي المفروشة أمام مدخل الجاليري، والتي اتخذها فراشًا له. عادة ما ينام على هذه السجادة، بينما شعاع الشمس يغطي نصف جسمه، وهو غير عابئ بحرارة هذا النهار الداخلي الذي ينام ويحلم فيه.

في إحدى المرات شاهد برصًا يتحرك أعلى الحائط، ظل مسددًا له بصره، من بعيد، كأنه يثبِّته، أو يمارس عليه تنويمًا مغناطيسيًا من بعيد، ليسقط من تلقاء نفسه بين يديه. لا شيء يوازي حركة البرص، في هذه اللحظة، مهما كانت حجم المخاطر من حوله، وجود شيء يتحرك غيره، يدفعه للسيطرة عليه، واستئناسه، وربما يبرر هذا تسلله بين أقدام زائري الجاليري، يريد أن يوقف حركتها، أو يُهيأ له هذا. تسلل البرص في فتحة شباك التهوية العلوي، فلم يستسلم، وظل ينتظر خروجه لمدة طويلة، يشغل نفسه بأشياء عالمه، الظاهر منه والمخفي. خفت وقتها أن يقوم بالقفز لأعلى كما يتسلق الشجرة، وهذا معناه العديد من الخسائر والزجاجات والأواني المكسورة في معروضات الجاليري، التي سيأخذها في طريقه، ولكن لم يحدث، يبدو أنه يفهم طبيعة مهنتي، ولايريد أن يسبب لي الخسائر.

بينما قبيلته الضالة تقف خارج الجاليري، تنظر له بعين الحسد، لا يغير هذا من سلوكه، يظل داخل الجاليري، يأكل وينام، ويتسلى، مستمتعًا بالحماية ونوعًا من الطبقية يظهرها أمام هذه القبيلة الشوارعية.

أحيانًا أيضًا يسلّي نفسه باللعب مع كلب صغير، في حجمه، مملوء بالرمل أضعه كتقِّيلة خلف الباب، له أذنان متدليان، وعينان زجاجيتان. يظل ينكشه ويخمش وجهه بأظافره، بينما الكلب الرملي لايرد الإهانة. ربما يريد منه أن ينطق أو يصدر صوتًا، أو حركة. من قوة أظافره التي نشبها في جسم الكلب، تقطع النسيج وانثال الرمل، فخاف القط وجرى بعيدًا، ليتبرأ من مسؤولية فعلته، بعد أن رأى تلًا صغيرًا من الرمال الصفراء يخرج من جسم الكلب، ربما اعتقد أنه شكل آخر للدماء.

غالبًا بعد فراغه من هذه الألعاب، يعود ويتمدد على عتبة غرفتي ليناله نصيب من تيار الهواء الآتي من المروحة. أضبطه ينظر إليَّ بإمعان، كأنه روح أخرى تسكن بداخله وتراقبني من خلاله. في البوذية، التي تؤمن بعقيدة تناسخ الأرواح، تعتبر القطط مسكنًا للأرواح المقدسة، التي تختارها لتسكن فيها. أنظر إلي عينيه، وهو ينظر لي، أرى شريطًا رفيعًا في منتصف عينيه، كعقربي الساعة التي رآها بودلير في عيني قطته "فإنني أرى في عمق عينيها: الساعة بكل وضوح".

7

بينما قبيلته الضالة تقف خارج الجاليري، تنظر له بعين الحسد، لا يغير هذا من سلوكه، يظل داخل الجاليري، يأكل وينام، ويتسلى، مستمتعًا بالحماية ونوعًا من الطبقية يظهرها أمام هذه القبيلة الشوارعية، كأنه يرغب في أن يُبرز أمامها هذا الفارق الطبقي، العارض، الذي يتمتع به. فكل القبيلة أولاد شوارع، حتى ولو جاءوا من الفردوس، ولكنها في النهاية دون نسب معروف، ودون أن يحمل أحد عنها مسؤولية رعايتها.

قد يقطع نومه ويقوم بزيارات خارجية لقبيلته، كي يمد حبل الود، ولا يشعرهم بانفصاله النهائي عنهم، فكلها ساعات قليلة، ويعود إليهم واحدًا صحيحًا، بلا حماية أو طعام، أو بيت. لا أعرف ماذا يقول لأفرادها عني في غيابي، وماذا ينقل لها من أخباري في الجاليري، ومن حواراتي مع الأصدقاء. عندي ثقة بأن جميع أفراد قبيلته يعرفونني جيدًا ويقدرونني أيضًا. أحيانًا يجلس على الدكة الخشبية لمحل جاري، أو يبحث عن رقعة رمل ليقضي حاجته عليها، أو يتسلق شجرة الفيكس ليتأمل من هذا المستوى العالي شكل الحياة والناس. لكن مهما غاب في الخارج، لاينسى أبدًا موعد خروجي، كأنه يضبط عليه ساعة عينيه، كما رآها بودلير بوضوح، لأنه أيضًا موعد وجبته الثانية، والأخيرة بالنسبة لي.

8

بائع السوبر ماركت، القريب من الجاليري، بمجرد أن يراني يرفع يده من وراء الثلاجة "ربع لانشون عادي، شرايح رفيعة أوي"، فأؤمن على كلامه. طبعًا استبعدت اللانشون الفاخر، لغلو ثمنه، وهي الوجبة المعتادة التي أقدمها له مرتين في اليوم. أحيانًا أجدد شهيته بمذاقات جديدة، وأشتري نوعًا رخيصًا من الجبنة المثلثات، وأحيانا زبًادي وعيش. بائع السوبر ماركت أثناء تقطيعه شرائح اللانشون الرفيعة، يظل يثني عليَّ، وعلى الثواب الذي سأجنيه، وربما يحسدني على هذا الثواب، فيقوم بإضافة بعض قطع الجبنة الرومي المتبقية من تنظيف القالب الدائري، ويخلطها مع اللانشون.

عندما أريد أن أحتفل به، آتي له بعلب التونة المفتتة، وأقدمها له بعد أن أصفي زيتها. في إحدى المرات حدث خطأ، وقدمت له تونة من النوع الحار المليء بقرون الشطة الحمراء. لم أدرك هذا إلا بعد أن التهمها. توقعت الأسوأ، فقمت ببعض الإسعافات السريعة، وقدمت له علبة زبادي لتطلف حرارة الشطة، ونجا منها، دون أن يستخدم روحًا جديدة من أرواحة الخمسة المتبقية في "بنك الأرواح القططية"، بعد أن استهلك منها روحين في النجاة من جروح فكه العميقة.

9

بمجرد أن يسمع صوت الصاج وهو يُرفع، حتى أجده ساعيًا بين قدميَّ، وأحيانا يقفز على ساقي، معبرًا عن فرحه بهذا اللقاء اليومي المتجدد. ربما في المساء يفقد الأمل في عودتي، إلى أن يأتي الصباح، فيتجدد الأمل عبر هذا الصوت. بالنسبة لي أيضًا، أول ما أفكر فيه عند نزولي من البيت هو لقائي به، حتى وإن حاولت بقوة أن أستبعده عن المكان العاطفي بداخلي، حتى لا أتورط في حبه، ومن ثم أتورط في الخوف عليه. في إحدى المرات غاب ثلاثة أيام، اعتقدت خلالها أن مكروها حدث له، واحترمت فيه هذا الوداع الصافي، من بعيد لبعيد، دون ألم، أو مواجهة. ربما شعرت بوخزة مؤلمة على غيابه، ولكن تكبرت عليها. في اليوم الرابع وجدته متسللًا بين قدميَّ، بينما أرفع صاج الجاليري، فانفجر فرحي عندما رأيته، ومسح ذنب هذا الوداع الصافي وتكبري عليه.

أحيانًا يثيرني تمسُّحه هذا في البنطلون، بشكل يدعوني للنرفزة والصراخ في وجهه، وربما أزيحه بقدمي عن طريقي، ولكنه لا يغضب ويعود، ليكرر ما فعله. بالطبع هو لا يرى أي إهانة في إزاحته بقدمي، هي جزء من لعبة تعود أن يلعبها مع جميع الأشياء من حوله، وخاصة التي تتحرك، وقدمي إحدى هذه الألعاب اليومية.

10

عندما أقدم له وجبته الثانية، عند موعد انصرافي، على الرصيف خارج الجاليري. رغم اقتراب أعضاء قبيلته من رائحة الطعام، كأنها سمعت نفير بروجي، فأجد العديد منها تأتي سعيًا من تحت العربات، وتتقدم وتشكل قوسًا من حوله. أنتظر قليلًا بعيدًا، متوقعًا الشجار، أفاجئ بأنه لا يحدث نزاع على الطعام، يتركونه يأكل بينما القبيلة متحلقة من حوله، مثل تحلق عائلة سيد أحمد عبد الجواد حول طبلية الإفطار. هناك احترام لخصوصيته، ربما يقترب أحدها، ويمد فمه في طبق الطعام الفلين، عندها لا يشعر القط بالغيرة، أو بالملكية، ويداوي سريعًا هذا الفارق الطبقي الذي صنعه بنفسه، فالأكل مشاع للجميع، ودون نزاع، مع أنه نادر في الشوارع. يبدو أن هذه الجروح العميقة والعاهات المستديمة، سببها الأساسي جوع السيطرة على الجنس الآخر، وليس الجوع للطعام.


اقرأ أيضًا: الإنسان والخل الذكي: أرواح طيبة تنقذنا من الهلاك

11

ربما القطط لها طريقة غير تقليدية في تبادل الحب مع أصحابها، عكس الكلاب التي تهبك حبًا بحب، ربما من فرط أنانيتها ترى أنها تمنحهم بهذا التمسُّح، في الذكور، والنأي في الإناث، مايحتاجونه من دفء، كأنها تبذل مجهودًا نفسيًا مضاعفًا حتى يرضوا عن أنفسهم. أشعر بأن القطط غير مكتملة الشخصية، من الصعب أن تتماهى معها، دائمًا هناك فرق، ربما بسبب صغر حجمها، ونوع عاطفتها الاستبدادية.

دائما أشعر باستقلال حياة هذا القط عني، ما يهمه فقط أن يأكل، ثم يتمسًّح فيَّ، ثم يبتعد مع قبيلته أو ينام بعيدًا على السجادة أمام الباب، أو على عتبة غرفتي الداخلية. أستغرق في تأمله، وهو نائم، وفي سلامه الداخلي سواءً كان متكورًا كالجنين أو فاردًا قدميه على آخرهما، يفتح عينيه قليلًا ليطمئن بأن الحياة لم تتغير من حوله، ثم يعاود النوم مرة أخرى، أو يتثاءب، أو يغير شكل رقاده، وتُستأنف وصلة جديدة من الأحلام، والسلام النفسي الذي يصدره لي، ربما أنا جزء من هذا الأمان، الذي أود أن لايفقده.

12

هناك عهد غير مكتوب، بيننا، ألا أشعر بالقلق عليه، وعلى طعامه وعلى حياته، أثناء غيابي عنه، هو ابن الشارع، ولم أختره بإرادتي، بل فرض وجوده عليَّ، لذا لي الحرية في نقض هذا العهد في أي وقت. أكرر هذا العهد الشفوي على مسامعي، وعلى مسامعه، لا أريد أن أتعلق به، ولا أن يتعلق بي، خلينا حبايب من بعيد لبعيد. بالفعل، صارت بيننا علاقة مفتوحة لا تتأثر بالغياب، يعجبني أنه تفهم هذا العهد الشفوي، ينساني أثناء غيابي عن الجاليري في الإجازات، أو يقوم هو أحيانًا بأخذ إجازات خاصة به، يندمج فيها كلية مع قبيلته، ثم يعود كأن شيئا لم يكن، ليجد طعامه وأمانه النفسي جاهزين.

يذكر هيرودوت عند عبوره بمصر في رحلته التي قال فيها إن مصر هبة النيل، أنه شاهد الناس يربون القطط في البيوت، وعند موت قطة، يعبر صاحبها عن حزنه بحلق جفني عينيه، نعم جفني عينيه، لهذه الدرجة كان الحزن على فقد هذه الآلهة المقدسة. بالطبع أخاف من هذا الحزن، لا أريد أن أعيشه، مرة أخرى، بعد أن فقدنا "شيبا" كلبتنا، وأحد أفراد عائلتنا، منذ 15 شهرًا، التي أمضت معنا 13 سنة، كانت فيها جزءًا أساسيًا من حياتنا. لا زال حزني عليها حبيسًا، ولم يخرج بعد، ولا أعرف كيف سأخرجه، كأن هذا الحزن تحوَّل إلى مومياء.