رسم هشام عبد الحميد - المنصة

يوميات 19 شهرًا من الحبس الاحتياطي| لعبة الأمل (11)

قضيت الشهور الخمسة الأولى من السجن متوقعا أو متوهما أن حبسي لن يطول كثيرا. توقعت أن التجديد عشر مرات على مدار 150 يوما من قبل نيابة أمن الدولة سيكون حدا فاصلا يتبين بعده إذا ما كانت الحبسة ستطول كما حدث مع أصدقاء وزملاء آخرين، أو أن الأمر بمثابة إبلاغ رسالة مفادها أن طريقة معارضتك للنظام مرفوضة، وبما أن الرسالة وصلت فبالتالي لا داع للمبالغة في الانتقام وتلقين الدروس.

ولأن انقضاء هذه الشهور الخمسة كان يتزامن مع مناسبتي ذكرى ثورة 25 يناير 2011، وعيد الشرطة، زاد سقف توقعاتي أنه ربما تشملنا حملة افراجات في ذلك التوقيت، كما جرت العادة.

هكذا هو الحال في السجن، تضع لنفسك توقيتات تتوهم معها أن الفرج قد يكون قريبا، ويزداد الوهم مع اقتراب المناسبات القومية والأعياد، بداية بثورة 25 يناير وعيد الشرطة، ثم ذكرى تحرير سيناء في أبريل، وبداية شهر رمضان، ثم العيد الصغير، فالعيد الكبير، وذكرى انتصار حرب أكتوبر 1973، وهكذا. مع كل من هذه المناسبات يراوح كل سجين أمل ما أنه قد يتم النظر في أمر إخلاء سبيله.

ولكن الوضع بالنسبة للسجناء الاحتياطي أكثر صعوبة، فالمحبوسين احتياطيا يخضعون لسلطة النيابة العامة، ومن غير الممكن إطلاق سراحهم بموجب عفو رئاسي كما هو الحال مع المحكوم عليهم بشكل نهائي، سواء في قضايا جنائية أو سياسية، وإلا يعتبر ذلك تدخلا من السلطة التنفيذية في شؤون السلطة القضائية التي تعد النيابة العامة جزءا منها.

وبالتالي ينحصر أمل المحبوسين احتياطيا في أن يتزامن العفو الرئاسي مع قائمة شبيهة قد يصدرها النائب العام بعد مراجعة مواقف المحبوسين احتياطيا، وهو ما كان يحدث أحيانا ولكن ليس بنفس معدلات الإفراج في المناسبات القومية والأعياد عن الصادر بحقهم أحكام بموجب العفو الرئاسي.

شقيقتي الراحلة المبتسمة دائما منال كانت، كالمعتاد، متفائلة، وأبلغتني أنها أجلت خطوبة ابنها حتى شهر أبريل/ نيسان 2020 وذلك لتوقعها خروجي في أول جلسة تجديد أمام غرفة المشورة، أو ما يعرف بدوائر الإرهاب أمام قضاة مخضرمين اشتهرت أسماؤهم بسبب الأحكام التي أصدروها في قضايا ضمت قيادات جماعة الإخوان المسلمين.

كانت الرسائل متضاربة طوال فترة السجن بشأن احتمالات إخلاء سبيلي في أول جلسة تجديد. الزملاء الذين قضوا شهورا طويلة في السجن الاحتياطي كانوا أكثر تشاؤما وأقل ميلا لتصديق احتمالات الخروج، وهو ما يحدث مع كل السجناء مع مرور الوقت: تتعلم ألا تصدق أو تتفاءل حين يقول لك أحد أنه يتوقع أن تخرج من السجن قريبا، بل تضحك بمرارة وسخرية وتردد "يا عم فكك، شكلها محدش خارج".

كان الأستاذ كمال خليل أول مَن سيمثلون أمام غرفة المشورة من ضمن الزملاء في عنبر 1 سياسي ممن شملتهم حملة الاعتقالات في ما يمكن تسميته بـ"هوجة محمد علي" لأن القبض عليه تم قبلي بأسبوع تقريبًا. ورغم كل مرار السجن، يبقى التواجد مع المهندس كمال خليل صاحب التاريخ النضالي الطويل، في عنبر واحد تجربة فريدة من نوعها.

الابتسامة لا تفارق وجهه ومواقفه صلبة لا تلين وأحكامه قاطعة. وكان الوحيد الذي يطل علينا من النضارة كل عدة أيام ليلقي قصيدة شعر لأحمد فؤاد نجم أو فؤاد حداد، أو يروي واحدة من قصصه التي لا تنتهي من ذكريات تجارب اعتقال سابقة. عندما وصلت عنبر 1 سياسي، كان الاستاذ كمال خليل يلقى معاملة خاصة، وكانت نضارة زنزانته مغلقة بصاج حديدي مما جعل التواصل معه صعب نسبيا. ولكن بعد عدة أسابيع، تم فتح النضارة وأصبح الحديث الممتع معه لا ينقطع كلما خرجت للتريض.
صباح الخير يا عم كمال يا صاحب أطيب قلب.

توجه المهندس كمال لحضور أول جلسة مشورة في مطلع شهر فبراير/شباط 2020، ولم تمض ساعات حتى عاد لنا ليزف لنا بشرى جعلت توقعاتنا بالفرج القريب ترتفع عنان السماء. قرر القضاة إخلاء سبيله ومعه 114 آخرين. إذن التقارير التي كنا نسمعها ليست مفبركة أو مجرد أمنيات وآمال، وقد يكون هناك بالفعل قرار بإخلاء سبيل من شملتهم حملة اعتقالات سبتمبر 2019. احتفينا جميعا بقرار خروج كمال خليل، والذي تم تنفيذه بعد نحو ثلاثة أيام من صدوره. صفقنا له وهو يغادر زنزانته بعد أن قام سريعا بتوزيع كل ما فيها من مأكولات ومتعلقات على بقية الزنازين التي تضم سجناء سياسين.

كنا نقتل الوقت أو يقتلنا داخل زنزانتنا حين جاء السجان وأخبر الدكاترة حسن نافعة وحازم حسني أن اليوم جلسة تجديد لهما في معهد الأمناء. استغربت أن القرار لم يشملني رغم أننا تم اعتقالنا في نفس اليوم. دارت في رأسي التوقعات والشكوك: هل سيتم إخلاء سبيلهما ويستمر حبسي، أم العكس؟ رسم هشام عبد الحميد - المنصة

وفي يوم 11 فبراير 2020، جاء لزنزانتنا السجان في وقت مبكر ليخبر الدكاترة حسن نافعة وحازم حسني أن عليهم الاستعداد لحضور جلسة التجديد في معهد الأمناء. استغربت كثيرا أنه لم يتم اصطحابي معهم لحضور الجلسة رغم أنه تم اعتقالنا في نفس اليوم، وهو ما فتح الباب لكل التوقعات والشكوك: هل سيتم إخلاء سبيلهما ويستمر حبسي، أم العكس؟

من يمر بتجربة الحبس يتعلم قراءة وتأمل وتحليل كل كلمة أو إشارة ترده لكي يمكنه توقع فرص انتهاء تلك التجربة. انتظرت عودة زملاء الزنزانة بفارغ الصبر لمعرفة ما حدث معهم، ولم أتوقف عن سؤال الزميل زياد العليمي في الزنزانة المجاورة عن الاجراءات المتوقعة بصفته محامي، وكذلك لأنه سبقني ومعه الزملاء حسام مؤنس وهشام فؤاد في تجربة المثول أمام غرفة المشورة وتم تجديد حبسهم 45 يومًا.

لم يكن الدكاترة على علم بالقرار الذي أصدره القضاة بعد نهاية الجلسة، وإن كان تم السماح لهما بالمثول أمام القاضي والدفاع عن أنفسهما بناء على طلب المحامي خالد علي، والذي عرفت أنه ألقى مرافعة مفوهة كعادته نالت تصفيق الحضور. وقضى الجميع ليلة صعبة في انتظار معرفة القرار الذي لم يكن من الممكن الإطلاع عليه إلا عن طريق أفراد الأسرة في زيارتهم التي كانت مقررة اليوم التالي، أو عن طريق إدارة السجن.

عمليا، وبغض النظر عن معرفة القرار، فالبقاء في السجن يومين أو ثلاثة بعد حضور جلسة التجديد معناه أن القضاة قرروا تمديد الحبس. لم تكن أسرتي ولا أسرة الدكتور حسن نافعة على معرفة بالقرار حين جاءوا لزيارتنا في السجن، فهم يأتون من الصباح الباكر ولم يبلغهم المحامون بأية معلومات. ولكن لم تكد تمضي عدة ساعات على انتهاء الزيارات حتى أتانا "مسير" العنبر وأخبرنا أن القرار هو تمديد الحبس 45 يوما لزملاء الزنزانة.

كان القرار له وقع الصدمة على الجميع، وتأرجحت التوقعات بشأن القرار المتوقع بالنسبة لي. كنت أقول أنه سيتم تمديد حبسي مثلهما 45 يوما، بينما توقع غالبية الزملاء في العنبر إخلاء سبيلي، وبنوا تحليلهم فقط على عدم مثولي في نفس الجلسة مع الدكاترة حسن نافعة وحازم حسني. وأخيرا جاء الموعد المنتظر بعد أسبوع من التجديد الأول لزملاء الزنزانة.

في 18 فبراير/ شباط 2020، جاء السجان مبكرا وأعلن "خالد داود. جلسة". حلقت ذقني بسرعة وأخذت حماما ساخنًا وارتديت ملابس جديدة كان أخوتي أتوا بها في الزيارة السابقة: بدلة رياضة مكتوب على سترتها من الخلف بحروف كبيرة للغاية: تحقيق. وكنت تمكنت قبل تلك الجلسة بأسابيع، وبعد طول معاناة وإلحاح، من إدخال حذاء رياضي أبيض اللون يشبه تلك الأحذية التي يرتديها الممرضون في المستشفيات، ولكنه في نظري كان أفخر أنواع الأحذية بعد تجربة طالت مع الشبشب الزنوبة.

كانت هذه المرة الأولى التي أتوجه فيها لحبسخانة معهد أمناء الشرطة، والتي كانت أفضل كثيرا من حبسخانة نيابة أمن الدولة العليا: عدة زنازين متسعة، لكل منها حمام مغطى بستارة، وحوض كبير به عدد من الحنفيات. وإن كان الجلوس أيضا يتم على أرض جرداء من البلاط فقط، ولكني هذه المرة كنت أكثر استعدادا وكان معي سجادة صلاة للجلوس عليها في انتظار انعقاد الجلسة. كانت الأعداد مهولة بالنسبة لي، عدة مئات على الأقل، من القضية 488 التي تم ضمي لها، ومن قضايا أخرى.

وللقضية 488 قصة، بدأت بعد تصادم قطارين في محطة رمسيس في مارس/آذار 2019، والتي نجم عنها وفاة عدد كبير من المواطنين. على إثر ذلك، أطلق مقدم البرامج في قناة الشرق معتز مطر، دعوة للمواطنين عبر برنامجه بالنزول للشارع والاحتجاج على تردي الخدمات العامة والسكة الحديد عن طريق إطلاق الزمامير والصفافير.

حدث ذلك بالفعل، وألقي القبض على عشرات المواطنين أثناء قيامهم بالتصفير والتزمير في الشارع وتصوير أنفسهم وإرسال الفيديوهات لبرنامج معتز مطر. وكان الاسم الإعلامي الشائع للقضية 488 هو "قضية صفارة وزمارة"، كما جرت العادة بإطلاق أسماء إعلامية جذابة للقضايا كما هو الحال مع قضية "الأمل"، أو "قضية البطولة الأفريقية"، أو "قضية مظاهرات محمد علي"... إلخ.

ولكن ما الذي أتى بنا أنا والدكاترة حسن نافعة وحازم حسني، وكمال خليل، وماهينور المصري، وإسراء عبد الفتاح، وسلافة مجدي وحسام الصياد، وعبد الناصر اسماعيل، وآخرين تم القبض عليهم في سبتمبر 2019، أي بعد فتح القضية بأكثر من ستة شهور، لنصبح كلنا متهمين في "قضية صفارة وزمارة"؟ كان هذا سؤالا أوجهه لمحققي النيابة والقضاء ولنفسي طوال الوقت، ولم أجد إجابة حتى الآن.

أدخلونا أقفاص زجاجية معزولة الصوت ومغطاة بالسلك الحديد. كنت داخل القفص لا أسمع أي مما يجري في القاعة إلا إذا قام القاضي بضغط زر السماعات. وحتى لو تذكر وفتح الصوت، فمع الضجيج لا يمكن عمليا سماع أي شيء مما يجري خارج القفص. اقتصر تواصلي مع المحامين على لغة الإشارة. لوح لي خالد علي أن الأمر انتهى. ما الذي انتهى؟  رسم هشام عبد الحميد - المنصة

بعد ساعات من الانتظار تم اصطحابنا من الحبسخانة إلى قاعة المحكمة حيث تم تقسيمنا على عدة أقفاص زجاجية مصمتة. عندما بدأت محاكمات قيادات وأعضاء جماعة الإخوان بعد 3 يوليو 2013، كانوا يقاطعون القضاة ويهتفون ويحتجون دون توقف خلال الجلسات، فتم اللجوء إلى بناء الأقفاص الزجاجية المعزولة المغطاة بالسلك الحديد. وبالتالي لا يستطيع من داخل القفص الاستماع لما يجري في القاعة إلا إذا قام سيادة القاضي بضغط زر السماعات داخله.

وحتى لو قام القضاة بفتح السماعات، فمع ضخامة الأعداد لا يمكن عمليا سماع أي شيء مما يجري في الخارج. وبعد أن كنت أتمكن من مصافحة المحامين ومحادثتهم بعد جلسات التجديد في مقر نيابة أمن الدولة العليا بالتجمع، أصبح المتاح فقط في جلسات تجديد معهد الأمناء هو التواصل معهم عبر لغة الإشارة، أو أن يقوم المحامين بكتابة عبارات قصيرة مقتضبة على أوراق يرفعونها أمامنا لكي يبلغونا رسالة ما. صديقتي المحامية داليا زخاري طمأنتني على صحة أبي الذي تحول في لغة الإشارة إلى رجل طويل بشنب.

انتابتني حالة فزع من الزحام وتساءلت إذا ما كان المحامي خالد علي سيقوم باستدعائي للدفاع عن نفسي أمام القاضي كما حدث مع الدكاترة نافعة وحسني. لم يحدث شيء. فجأة رأيت خالد علي ومعه مجموعة من المحامين يتوجهون نحو منصة القضاة. وبعد نحو ثلاثة دقائق، عادوا الى مقاعدهم مجددا بينما يلوح لي خالد علي من بعيد أن الأمر انتهى.

ما الذي انتهى؟ لم يقم القاضي باستدعائي، لم أشهد شخصيا أية مرافعة، لم أسمع الاتهامات الموجهة لي، ولم أقم بالرد "ما حصلش" كما كان يحدث أمام رئيس النيابة في تجديدات الخمسة عشر يوما. كيف يكون الأمر انتهى بهذه السرعة؟ لا إجابات. فقط تدافع داخل القفص بعد صدور الأوامر من الشاويشية والضباط بالعودة إلى الحبسخانة.

تم تجهيزنا للعودة للسجن بوضع القيود الحديدية في أيادينا والوقوف في طابور لركوب عربات الترحيلات. ولكن ما هو القرار؟ هل سأخرج من السجن بعد قضاء 150 يوما؟ لقد أنهيت عد تلك الأيام على أصابع يدي كما طلب مني المسير؟ كنت متشوقا جدا للحرية. لن يتم معرفة القرار فورا، ويجب الانتظار حتى اليوم التالي على أقل تقدير. ولكن التجربة التي مررت بها في ذلك اليوم الصعب لم تكن توحي بالتفاؤل مطلقا.


الحلقة 1: زي ما انت

الحلقة 2: احكيلنا عن نفسك

الحلقة 3: أجواء ما قبل الحبس

الحلقة 4: سريرك سقف الحمام

الحلقة 5: أنت في الإيراد
الحلقة 6: عد على صوابعك 150 يوم
الحلقة 7: مش هترجعونا السجن بقى؟

الحلقة 8: عندك مطلب غير إخلاء السبيل؟

الحلقة 9: القادمون الجدد
الحلقة 10: لو كان الوقت رجلًا
الحلقة 12: كورونا.. الثقب الأسود