تصميم: يوسف أيمن- المنصة

"مع الريح": في البحث عن تراث السينما المصرية الملون

منذ اختراعها، وحتى يومنا هذا، لا تزال السينما تخوض العديد من مراحل التطوير، على جميع المستويات التقنية والفنية، غير أن أبرز مرحلة تطوير على الإطلاق كانت تحولها من صورة يشاهدها الجمهور بالأبيض والأسود إلى الألوان.

جاءت البدايات بهدف "كسر ملل الصورة بالأبيض والأسود"، حسب تعبير مدير التصوير سعيد شيمي في كتابه سحر الألوان من اللوحة إلى الشاشة، الذي يشير إلى أنه قبل اختراع التصوير بالألوان، كانت العملية تتم بشكل يدوي، حيث يتم تصوير الفيلم على خام أبيض وأسود، ثم يرسل إلى معامل متخصصة، ويتم تلوين المشاهد صورة بصورة يدويًا بالفرشاة.

عرف العالم هذه التجارب الأولى في أواخر القرن التاسع عشر، وفي مصر، عُرض بعضها في بورصة (مقهى) طوسون بالإسكندرية، ضمن أفلام الأخوان لوميير التسجيلية والقصيرة، أحدها عام 1896 باسم حمام إيفيت، الذي يحوي جزءًا ملونًا، والآخر كان فيلمًا عن مساقط المياه، عام 1906، بحسب ما جاء في موسوعة تاريخ السينما في مصر الصادرة عن نادي السينما بالقاهرة، للناقد المؤرخ أحمد الحضري.

لكن ما يهمنا حقًا هنا، هو تتبع خيوط الصورة الملونة وبداية عهدها داخل الأفلام المصرية الروائية الطويلة، بعيدًا عن التسجيلية أو القصيرة، في محاولة للإجابة على سؤال: أين اختفت هذه التجارب؟

ذهبتْ مع الريح

تكشف مذكرات المخرج المصري محمد كريم، النقاب عن أول خطوة اتخذها الإنتاج السينمائي المصري في عمليات التلوين، من خلال فيلمه الصامت زينب عام 1929، حين تم تلوين 400 متر فقط من العمل في معامل باتيه بفرنسا، حيث تكلف تلوين المتر الواحد جنيها، أي بتكلفة إجمالية 400 جنيه، وهذا رقم ضخم بالنسبة لذلك الزمن، خاصة أن الفيلم كله تكلف إنتاجه بدون عملية التلوين 1600 جنيه.

نسخة الفيلم الصامت غير متاحة للمشاهدة الآن بأي شكل، لا بلقطاتها الملونة ولا حتى بالأبيض والأسود، وإنما متاح فقط نسخة أخرى للفيلم نفسه من إنتاج عام 1952، بعد قرار المخرج محمد كريم إعادة تقديمه ناطقًا.

فيلم زينب


يبدو أن تكاليف التلوين الباهظة، أخرت كثيرًا السينما المصرية في خطواتها تجاه تكرار التجربة ومحاولات التلوين بشكل عام، لتظل السينما محتفظة بالأبيض والأسود فترة لا بأس بها كطريقة لتقديم أفلامنا، حتى بدأت تقنية تكنيوكولور التي ظهرت بالولايات المتحدة تفرض وجودها بشكل واضح.

بدأت التقنية عام 1916، وكانت نتائجها مرضية إلى حد ما، لكن حلم الوصول إليها في مصر مازال صعبًا، لنفس السبب، التكلفة باهظة، غير أنه في عام 1933 حدث تطوير كامل لهذه الطريقة، لتكون الصورة أقرب إلى الألوان الطبيعية، ونتج عنها فيلم ذهب مع الريح عام 1939، الذي حقق نجاحًا واسعًا حول العالم، الأمر الذي دفع المخرجين للتفكير مرة أخرى في جعل أفلامهم بالألوان الطبيعية.

يؤكد ذلك، ما رواه محمد كريم في مذكراته عن تجربته في فيلم لست ملاكًا، إنتاج عام 1946، قائلًا "كان قد خطر لي فكرة تصوير أغنية مطلعها (عمرى ما حانسى يوم الاتنين) يغنيها محمد عبد الوهاب ضمن أحداث الفيلم، بالألوان. والتصوير الملون كان لا يزال وقتها اختراعًا أمريكيًا يسمى تكني كالار، لكن اقترح رجل إنجليزي يعمل في جريدة الحرب الإنجليزية، اسمه مارتن، أن نصور منظرنا بطريقة إنجليزية اسمها دوفي كالار، قليلة التكاليف".

يعيدنا المخرج الراحل إلى النقطة نفسها من جديد، التكلفة الباهظة التي تمنعنا من اتخاذ خطوة جدية متكاملة تجاه التطوير، والتي اضطرته إلى اللجوء إلى تقنية أخرى، لتوفير النفقات.

ودوفي كالار، ظهرت بالمملكة المتحدة البريطانية عام 1925، وهي نظام جمعي لثلاثة ألوان، استغلت تجاريًا في السينما بدءًا من عام 1933، بحسب سعيد شيمي، في كتابه سحر الألوان من اللوحة إلى الشاشة، لكنها أقل جودة من نظيرتها الأمريكية تكنيوكولور، بحسب إشارة المخرج محمد كريم في مذكراته.

يقول كريم "كان التلوين باهتا بعض الشيء للفرق بين الأسلوب الإنجليزي والأمريكي في ذلك الوقت"، ومع ذلك، يؤكد أنها كانت ناجحة على الصعيد الجماهيري، قائلًا "من أحسن ما أبهج الجمهور، ظهور الألوان للمرة الأولى وهي تعرض زرقة سمائنا الصافية ولون البحر، وصفرة الرمال، والشمسية الحمراء فوق عبد الوهاب وليلى فوزي".

للأسف، جميع النسخ المتاحة الآن من فيلم لست ملاكًا بالأبيض والأسود فقط، ورديئة للغاية، لكن أكثرها جودة تلك التي نشرها حساب يحمل اسم عيسى متري، أحد أشهر الموثقين لتراثنا الغنائي والموسيقي، الذي سألته المنصة عن سبب عدم ظهور أغنية يوم الاثنين داخله بالألوان، حسب إشارة كريم في مذاكرته، فكانت الإجابة "هذه هي النسخة المتوفرة، وأدخلت عليها تعديلًا طفيفًا لضبط الجودة فقط".

نسخة منقحة من لست ملاكًا على يوتيوب


وحول أسباب اختفاء النسخ الملونة من هذه الأعمال الأولى، يرى الدكتور سمير فرج، مدير التصوير، ورئيس جهاز السينما من عام 2012 حتى أكتوبر 2014، وعضو مجلس إدارة غرفة صناعة السينما، أن "فكرة التلوين في بدايات السينما لم تكن عملية بشكل كاف. كانت أشبه بتلوين لوحة بالفرشاة، وبعد عرض أو عرضين والاستهلاك المستمر، تبدأ الألوان في التأثر ثم الاختفاء تدريجيًا، على عكس فكرة أن يكون الخام والنيجاتيف نفسه ألوان".

ويضيف فرج للمنصة، أن تجربة فيلم لست ملاكًا، ربما واجهت مشكلة أخرى تتمثل في أنه "حتى منتصف الستينيات تقريبًا، لم تكن هناك أي آلية لتخزين هذا النيجاتيف بشكل صحيح، للمحافظة عليه، والنتيجة في النهاية أن تختفي ألوانه وربما يتعرض كليا للتلف".

التفريط في التاريخ

لم تكن محاولات محمد كريم الوحيدة في تلك المرحلة، ففي العام التالي مباشرة على نجاح فيلم لست ملاكًا، قرر المخرج فؤاد الجزايرلي خوض التجربة نفسها داخل فيلمه معروف الإسكافي إنتاج 1947، بتصوير فصل كامل من الفيلم بالألوان الطبيعية، لكن المؤسف أن الفيلم كله أصبح الآن "من مفقودات السينما المصرية" بحسب الوارد في موقع السينما دوت كوم.

وبحسب الموقع نفسه، فإن المخرج فؤاد الجزايرلي، قام بتكرار تجربة التلوين داخل فيلم الشاطر حسن عام 1948، لكن يصعب تأكيد ذلك، نظرًا لأن مصير الثاني يشبه الأول "من مفقودات السينما المصرية".

معروف الإسكافي والشاطر حسن من إخراج فؤاد الجزايرلي، الصورة: موقع السينما دوت كوم

يعلل الناقد طارق الشناوي، جملة "من مفقودات السينما" للمنصة بجملة أخرى أكثر تراجيديا "إحنا معندناش أرشفة، ولا اهتمام بالتاريخ"، ويدلل على ذلك بتجربة خاضها شخصيًا، قائلًا "سنة 1991، أنقذت فيلم قصير اسمه نمرة 6 بطولة إسماعيل يس، بالصدفة البحتة، حكى لي عنه صلاح أبوسيف بشكل شخصي، إنه عمله قبل ما يبقى مخرج أفلام روائية طويلة، بس الداخلية اعترضت عليه وما اتعرضش، وإنه محتفظ بالخام بتاعه عنده، ومعرض للتلف".

حينها، كان الشناوي عضوًا في لجنة أول مهرجان للسينما القومية، وعرض على زملائه من القائمين على المهرجان، تبني الفيلم وترميمه لعرضه ضمن البرنامج، كتجربة فريدة ونادرة، لمخرج أصبح بعد ذلك رائدًا للواقعية في السينما المصرية، وهو ما تم بالفعل، وأُنقذ العمل من التلف، بالصدفة.

هذه التجربة، أكدت للناقد السينمائي، بما لا يدع مجالًا للشك، أن آفة السينما المصرية الإهمال، ولهذا ضاع عشرات الأفلام، لأننا وفق تعبيره "بنفرط في التاريخ. أخطأنا ولا نزال نخطئ، وبندفع تمن الأخطاء دي".

نقلة جديدة

شهد عام 1950 نقلة كبرى، عندما قرر المخرج حسين فوزي، لأول مرة في تاريخ السينما المصرية، تلوين فيلما كاملًا، لا مجرد أغنية أو فصل داخله، بالألوان الطبيعية، يحمل اسم بابا عريس، بطولة نعيمة عاكف، كاميليا وشكري سرحان، ومن إنتاج ستوديو نحاس، الذي أحضر له مدير تصوير خاص من الخارج، يدعى ويلي فيكتور فيتش، وكذلك أخوه منسق الألوان، ليصبح بذلك أيضًا أول عمل مصري يستعين بمهنة منسق الألوان لجعلها في هارمونية مقبولة وغير فارغة.

لقطة بالأبيض والأسود من مقدمة فيلم بابا عريس أول فيلم مصري بالألوان الطبيعية - إنتاج عام 1950

يبدأ الفيلم في نسخته المتاحة الآن، سواء للعرض التلفزيوني أو على الإنترنت، بجملة بالبنط العريض مكتوبة باللغتين، العربية والفرنسية "أول فيلم مصري بالألوان الطبيعية – le premier film égyptien en couleurs لكنها لا تعبر أبدًا عن جدية مضمونها، لأنها مكتوبة بالرمادي والأسود، ثم تكتشف أن الفيلم كله لا يعبر عنها، لا بالعربية ولا الفرنسية، لأنه يعرض إلينا بالأبيض والأسود.

نسخة وحيدة فقط من الفيلم، متاحة بألوان مهزوزة، وغير طبيعية، عبر قناة على يوتيوب تحمل اسم قديم بالألوان، تمنحنا بريق أمل في أن النسخة الملونة ربما مازالت موجودة، حتى لو رديئة. لكن بعد التواصل مع صاحبها، تكتشف أنها لن تمنح أملًا في استعادة الملونة، لكنها تحمل أملًا آخر بوجود شباب شغوفين بالسينما.

ينفي الشاب محمد عادل، صاحب قناة قديم بالألوان، فكرة أن النسخة أصلية، مؤكدًا للمنصة "الأمر كله متعلق بشغفي الشخصي تجاه السينما. قمت بشراء برنامج بتكلفة 200 دولار، يقوم بتلوين الأفلام أوتوماتيكيًا، نظير 10 دولارات عن كل عمل، وتستغرق عملية التلوين بين يوم إلى ويوم ونصف، وبعدها أبدأ عملية تحسين الجودة عن طريق برنامج آخر، نظير 40 إلى 50 دولارًا، حسب طول الفيلم، في عملية تستغرق 3 أيام تقريبًا، وبعد الانتهاء من العمليتين، أقوم برفع المنتج النهائي على قناتي أو صفحتي على فيسبوك، لأشارك الجميع التجربة".

نسخة ملونا تقنيًا من فيلم بابا عريس


بالعودة إلى عام 1950، فإن حماس شركة نحاس فيلم لفكرة الألوان، لم يتوقف عند حدود بابا عريس، بل دفعها إلى إنتاج فيلم ثان اسمه ست الحسن، عرض في ديسمبر من العام نفسه، بالألوان الطبيعية روكولور، لكن مصيره الآن لا يختلف كثيرًا عن التجربة الأولى، حيث تعرض النسخة في التلفزيون بالأبيض والأسود، والسبب بحسب السينما دوت كوم، فقدان النسخة الملونة للفيلم.

يؤكد ذلك المؤرخ محمود قاسم، صاحب العديد من المؤلفات المتخصصة في السينما، ومن بينها موسوعة الأفلام العربية، مشيرًا إلى أنه "يتم تلوين نسخة من الفيلم، مع الاحتفاظ بالنيجاتيف الأصلي بالأبيض والأسود. لذلك، اختفاء النسخة الملونة أو تلفها لا يعني اختفاء الفيلم كله، بل يظل النيجاتيف متاحا بالأبيض والأسود، كما هو الحال مع بابا عريس وست الحسن".

ويبرر قاسم في تصريحات للمنصة فكرة اختفاء أو تلف النسخة الملونة بأكثر من احتمال "الاستهلاك المستمر باعتبارها النسخة الوحيدة"، أو "سوء التخزين"، وأخيرًا "دولة ناصر، التي قضت على الكثير من تاريخ العهد الملكي للتخديم على مصالحها في الريادة، ومن بين التاريخ كانت أفلام مصرية عديدة، إما لأنها تمجد العهد الملكي، أو لأنها تكشف حقيقة أن السينما كان تتطور في عهد الملكية، ومن ملامح هذا التطور بعض التجارب الملونة. وهذا يبرر مثلا لماذا فيلم دليلة إنتاج 1956 محتفظا بألوانه حتى الآن، بينما ما قبله اختفى"، على حد قوله.

... يعرقلها الحرق

دفعت تجربتا تلوين فيلمي بابا عريس وست الحسن بشكل كامل لأول مرة في مصر، فنانًا حداثيًا متفتحًا تغريه التكنولوجيا ويدهشه التطور هو محمد فوزي، إلى إنتاج فيلمين دفعة واحدة عام ، أي بعد التجربة الأولى بعام واحد فقط، وشحنهما إلى معامل فرنسا لتحويلهما إلى نسختين بالألوان الطبيعية، هما الحب في خطر ونهاية قصة، لكن النسختين الملونتين احترقتا بعد نقلهما من باريس للطبع والتحميض، وبقيت نسختي الفيلمين بالأبيض والأسود، وهما اللتان تعرضان اليوم، مع التأكيد أن النسخة المتاحة بالألوان عبر الانترنت، لا يجب أن تخدعك، لأن هواة قاموا بمعالجتها، على طريقة محمد عادل صاحب قناة قديم بالألوان على يوتيوب.

الحب في خطر ونهاية قصة لمحمد فوزي، الصورة: موقع السينما دوت كوم

ويوضح مجدي الشحري، مدير عام مركز الثقافة السينمائية، ومسؤول مشروع توثيق التراث السينمائي الورقي للفنانين والعاملين في الصناعة، أسباب تعرض بعض الأفلام للحرق بعد تلوينها، بشرح مبسط في البداية لعملية التلوين نفسها، قائلًا "يتم في البداية إرسال نسخة من النيجاتبف الأصلي الخاص بالفيلم، وبعد تأكد الشركة أنها خالية من التشوهات أو التجريح، تبدأ إجراءات التلوين بعملية غسيل داخل المعمل بمواد مخصصة لذلك، ثم يعاد طبع النسخة على خام ألوان، في إجراء يتكلف أموالًا باهظة".

ويتوقع الشحري، أن يكون سبب احتراق النسخة الملونة، بعد خروجها من المعمل "سوء التخزين أثناء رحلة العودة. لأن هذه الأفلام يجب أن تحفظ في درجة حرارة معينة، أشبه بثلاجات، بعيدًا عن الحر أو الرطوبة. وربما لعدم وجود وعي كاف بذلك وقتها، انتهى الأمر بحرق النسختين"، حسب تصريحاته للمنصة.

نهاية وبداية

كانت تجربة فوزي حماسية ومؤثرة، حتى لو لم تكتمل حسب الروايات المتاحة والمطروحة، لأنها في النهاية دفعت بالصناعة إلى التفكير في حماية تجاربها وتأمينها، ففي عام 1956، تم إنتاج فيلم دليلة بالألوان بنظام سكوب، المؤمن من الاحتراق بعد التلوين، بطولة عبد الحليم حافظ وشادية، ليحتفظ إلى يومنا هذا بنسخته الملونة، لدرجة أن الغالبية تغالط التاريخ وتعتبره التجربة المصرية الأولى في التلوين.

في الحقيقة، هذه المغالطة مبررة بين الجمهور الذي لا يعرف كثيرًا عن تاريخ السينما، لكنها في الوقت نفسه تؤكد مسؤولية المعنيين والمهتمين بالصناعة، تجاه ضرورة تقدير قيمة التراث السينمائي، والحفاظ عليه، ووضع تفسيرات واضحة لأسباب الاختفاء أو التلف ومحاولة إيجاد الحلول، فإذا كانت بعض التجارب يبرر التاريخ اختفائها بأنها مفقودة أو مسروقة أو محروقة، فهناك تجارب أخرى عديدة لا يعرف التاريخ مصيرها بشكل دقيق.