أحد مواقف شركة إيجي باص. الصورة من موقع الشركة.

وداعًا للسفر الرخيص: كيف سنتأثر بخصخصة النقل الداخلي؟

قد يكون أوتوبيس القطاع العام للنقل بين المحافظات قديمًا ومتهالكًا، لكنه رفيق مخلص يغطي شبكة واسعة من المدن التي لا تصل إليها شبكات النقل الخاصة، يزور المصايف التي هجرها الزوار الأكثر ثراءً منذ زمن طويل مثل جمصة، ويقدم خدماته بأسعار في متناول الجميع.

ولكن مؤخرًا، اتجهت وزارة قطاع الأعمال إلى توحيد خطوط الأوتوبيسات الحكومية الثلاثة تحت اسم تجاري واحد إيجي باص وضخت استثمارات كبيرة لتحديث نسبة من الأوتوبيسات العاملة، كان ذلك تمهيدًا لطرح الخطوط العامة لإدارة وتشغيل القطاع الخاص.

لم تعلن وزارة قطاع الأعمال بعد عن الشركة الفائزة بحق إدارة إيجي باص، ولم يتضح أيضًا ما هي التغييرات التي سيترتب عليها انتقال الإدارة للقطاع الخاص، لكن المؤكد أن دخول مستثمر لإدارة كيان محمل بالخسائر سيؤثر على سعر الخدمة وخريطة توزيع الرحلات، فالمستثمر أيا كان اسمه سيكون هدفه الأساسي هو التحول بالشركة إلى طريق الأرباح.

خسائر بمليار جنيه

حتى ستينيات القرن الماضي، كان القطاع الخاص يلعب دورًا رئيسيًا في عمليات النقل على الطرق السريعة، وفي 1961 أممت الحكومة عددًا كبيرًا من هذه الشركات مثل أوتوبيس الصعيد والمنوفية والمنيا والبحيرة وغيرها، وهو ما مهّد لتأسيس كيان ضخم في القطاع العام له شبكة متفرعة في عشرات الخطوط بين الدلتا والصعيد يعمل تحت مظلة الشركة القابضة للنقل البحري والبري، والتي تضم أيضًا شركات لنقل البضائع وصناعة السيارات.

لكن رغم أهمية الخدمات التي تقدمها شركات النقل الثلاث؛ الصعيد وشرق الدلتا وغربها، كانت تحقق خسائر متوالية، وهو ما كان يكبح قدرتها على تجديد أسطولها من الأوتوبيسات، ما يؤدي بدوره لإضعاف قدرتها على المنافسة أمام الشركات الخاصة.

وظلت الشركات الخاصة تتوسع بقوة في مجال النقل الداخلي خلال العقود الأخيرة، حتى أصبحت حصة الدولة في سوق رحلات الطرق السريعة تقتصر على 25%، وفقا لتقديرات قالها وزير قطاع الأعمال هشام توفيق في تصريحات إلى المنصة.

وفي 2021 قدّرت لجنة النقل بالبرلمان خسائر الشركات الثلاثة بـ مليار جنيه، دون أن توضح هل هي خسائر تراكمية أم تحققت في عام واحد فقط، لكن اللجنة اعتبرت أن حال الشركات بصفة عامة في وضع متدهور.

وفي محاولة للوصول لتفسير كيف تخسر الدولة من نشاط نقل المسافرين على الرغم من أهميته في حياة المواطنين، شرح لنا مصدر بالشركة القابضة للنقل، طلب عدم ذكر اسمه، أن طريقة تقسيم العمل بين الشركات الثلاث تعد أحد الأسباب الرئيسية وراء الخسارة.

أوضح المصدر أن الدولة فرضت على كل شركة منهم العمل على خطوطها فقط، وبالتالي ليس مسموحًا مثلًا لشركة الصعيد أن تستفيد من إقبال المصيفين على الانتقال إلى شاطئ المتوسط بأن ترسل أتوبيسات من أسيوط إلى الإسكندرية، حتى وإن كان لدى الشركة أتوبيسات كافية للقيام بذلك.

أحد أوتوبيسات شركة إيجي باص من الداخل. من موقع شركة إيجي باص

ويضرب مثالًا آخر بأن الشركة العامة الوحيدة المسموح لها تنظيم رحلات من القاهرة إلى شرم الشيخ هي شرق الدلتا، وإذا أرادت شركة عامة أخرى تنظيم مثل هذه الرحلات في موسم الصيف فإن أقصى ما يتاح للشركات الأخرى هو تنظيم رحلة تبادلية مع شرق الدلتا، من أسيوط للقاهرة مثلًا على خطوط الصعيد ثم من القاهرة لشرم الشيخ على خطوط شرق الدلتا.

"نتيجة لهذه التوزيعة للرحلات، لا يمكن لجميع الشركات الاستفادة من مواسم العام، في موسم الأعياد مثلًا لا تكفي أتوبيسات شركة الصعيد لملاحقة الطلب على السفر إلى الصعيد، في حين لا يمكن للشركة الاستفادة من الطلب في موسم الصيف" كما يقول المصدر.

في مقابل ذلك، تتمتع شركات القطاع الخاص بمرونة كبيرة للمنافسة، فهي تحدد الخطوط التي ستعمل عليها بناء على كثافة الطلب المتغير على مدار العام، كما أنها تمتلك المرونة أيضًا في تحديد أسعار التذاكر لتحقيق أكبر ربح ممكن، على عكس القطاع العام، يقول المصدر "في الأوقات التي تصعب فيها حركة السفر تتجه بعض الشركات الخاصة لتخفيض أسعار التذاكر من خلال تقديم عروض خاصة للركاب، نحن لا يمكننا ذلك فسعر التذكرة يُعتمد من جهات متعددة وتغييرها يتطلب موافقتها جميعًا، ولهذا نفقد الكثير من الركاب".

وبصفة عامة، فإن شركات الدولة لا تزال تراعي البعد الاجتماعي في تسعير الرحلات، يظهر ذلك بوضوح من مقارنة أسعار الرحلات، مثلا يتراوح سعر تذكرة القاهرة - شرم الشيخ على خطوط شرق الدلتا بين 180 و190 جنيهًا، بينما يتراوح على خطوط شركة جو باص الخاصة بين 195 و540 جنيهًا، وهو أمر متكرر في باقي الخطوط العامة.

ساهم هذا البعد الاجتماعي، مع جمود سياسات التسعير وتقسيم الخطوط، في مفاقمة الخسائر، أضف إلى ذلك أن عدد العاملين في الشركة يفوق احتياجاتها الفعلية، وفقًا لتقديرات المصدر "لسنوات طويلة كان هناك 13 عاملًا إداريًا بالإضافة إلى السائق يعملون على الأوتوبيس الواحد، ويحصلون على نسبة من الإيرادات كجزء من دخلهم، منذ عشر سنوات اتجهت القابضة للحد من التعيينات في الشركة وأصبح هناك 8 عمال إداريين لكل أوتوبيس، هذا جيد ولكنه لا زال يحمّل الشركة أعباءً مالية كبيرة، خاصة وأنه يحد من قدرتها على تعيين عمالة فنية وسائقين جدد".

وهناك العديد من المسميات على الخطوط العامة تندرج تحت توصيف العمالة الإدارية، منهم مثلًا حاجزي التذاكر وعمال الخدمات والمسؤولين الإداريين بالفروع وغيرهم، وفقًا للمصدر.

محاولات غير موفقة في الإصلاح

أمام هذه المشكلات المتراكمة، رأت وزارة قطاع الأعمال أن تحديث أسطول الأتوبيسات، التي تعود أعمار أغلبها لحقبة التسعينيات، سيكون أول خطوة نحو إنقاذها من نزيف الخسائر.

شكوى من أحد الركاب بسبب تقادم الأوتوبيسات على صفحة شركة شرق الدلتا. الصورة من فيسبوك

وعلى أثر ذلك، تعاقدت القابضة للنقل في 2019 مع شركة صينية لتوريد 125 أوتوبيسًا سياحيًا فاخرًا "يوتونج سوبر هاي دك" من إنتاج الشركة الصينية (يوتونج)، بإجمالي 356.2 مليون جنيه، لتوزيعها على الشركات الثلاث.

على الرغم من ضخامة الاستثمارات، فإن الأتوبيسات الجديدة تمثل نحو 14% فقط من الأسطول الحالي للشركات، ويقول المصدر إن إدخال بعض منها إلى الخدمة لم يحُدث فارقًا كبيرًا في النتائج المالية.

ربما ساهم عدم مرونة الشركات العامة في مواكبة التطور الجاري في خدمات النقل في الحد من الأثر الإيجابي لتحديث الأسطول، فرغم أن الأوتوبيسات الجديدة توفر للركاب شاشات كبيرة وشبكات واي فاي على طريق الرحلة، لا تزال إمكانية الحجز أونلاين في رحلات الشركات العامة غير متوفرة لجميع المدن، وحتى المدن المتاح الحجز الإلكتروني إليها مثل شرم الشيخ، فكثيرًا ما تتعطل عملية الحجز لخطأ تقني، كما أفاد الكثير من المستخدمين، الذين اضطروا للتوجه إلى شباك التذاكر لقطع التذكرة أو أن ينتظر الأوتوبيس في أحد المواقف الشهيرة لشراء تذكرة على الطريق.

من الصفحة الرسمية لشركة شرق الدلتا. الصورة من فيسبوك.

أمام هذه الإخفاقات المتوالية رأت وزارة قطاع الأعمال أن تمضي قدمًا في مخططات دمج الشركات الثلاثة تحت اسم واحد إيجي باص والتي بدأت في 2020، ثم تطرح هذا الكيان الجديد لإدارة القطاع الخاص وهو ما تم فعلًا في أغسطس/ آب الماضي ولم يتم الإعلان عن الشركة الفائزة حتى الآن، فكيف سيتغير دور الشركة في حياة المواطنين بعد دخول الإدارة الخاصة؟

وداعا أوتوبيسات الحكومة

"الشركة تهدف بالأساس للربح، بالطبع سيتم تعديل أسعار التذاكر لتتناسب مع السوق والقطاع الخاص وتكلفة الخدمة" كما قال لنا وزير قطاع الأعمال عندما سألناه عن التغييرات المتوقعة بعد دخول القطاع الخاص في إدارة إيجي باص.

لا تنفي المصادر الحكومية أن ثمة تغير في الدور الاجتماعي لأوتوبيسات الحكومة سيحدث بعد ترسية الإدارة والتشغيل على شركة خاصة، ولكنهم يدافعون عن ذلك من منطلق أن القطاع الخاص سيرفع من مستوى جودة الخدمة في مقابل زيادة الثمن.

ويقول المسؤولون إن المواطن سيشعر بفارق واضح في مستوى الخدمة "المسؤول عن تشغيل الشركة الجديدة سيكون مهتمًا في بادئ الأمر بـ "فلترة" الأوتوبيسات التي تمتلكها الشركات، وتحديد الاحتياجات اللازمة سواء بإضافة أتوبيسات جديدة إلى أصول الشركة، أو استئجار أتوبيسات سياحية"، كما قال عضو في الجمعية العمومية للقابضة للنقل في تصريحات إلى المنصة.

وأضاف أن المشغل سيستفيد من دمج الشركات الثلاثة في تحقيق أقصى استفادة من أتوبيسات الشركة في استهداف الخطوط التي تشهد كثافة في الطلب على الرحلات خلال المواسم، كما ستتدخل التكنولوجيا بقوة في تحسين أداء الشركات؛ "ستتم عملية حجز الرحلات إلكترونيًا، من خلال تطبيق إلكتروني يطلق خصيصًا للشركة، على أن يتم التخطيط لتكامل منظومات الحجز المركزي مع نظام تخطيط وإدارة الموارد ERP، والتعاقد مع إحدى الشركات العالمية المتخصصة في إدارة خدمة العملاء CRM، بحيث تصبح الخدمات مميكنة بنسبة 100%".

لاشك أن هذه المخططات ستجعل السفر على خطوط إيجي باص أكثر رفاهية، لكن هناك شرائح من الركاب لن تستفيد من ارتفاع مستوى الجودة لأنها تعجز عن سداد ثمن التذكرة الجديدة، يقول المصدر بالقابضة للنقل "ركاب الأوتوبيسات ينقسمون إلى شرائح، بينهم من يمكنه تحمل زيادة 50 جنيهًا في التذكرة مقابل تلقي خدمة متميزة تتضمن الواي فاي والتكييف والشاشة بينما هناك ركاب يفرق معهم الزيادة ولو جنيه واحد، وهذا يعني ضرورة وجود تدرج في سعر الخدمة بما يخدم كافة الشرائح".

كما أن عقلية الإدارة الخاصة قد تؤدي إلى إلغاء خطوط النقل في المحطات التي لا تشهد كثافة قوية مثل المحطات السياحية، وهو ما يمثل عبئًا إضافيًا على الفئات الأقل دخلًا خاصة المغتربين الذين يسافرون بصفة منتظمة إلى القاهرة للدراسة أو بحثًا عن فرص العمل.

على مدار العقود الماضية تميزت شركات الدولة بأن لها محطات في المراكز الرئيسية في المحافظات، عكس الشركات الخاصة، لم نتمكن من الوصول لخريطة تفصيلية لحركة النقل الداخلي في مصر للمقارنة بين انتشار خطوط العامة والخاصة، ولكن هذا ما استنتجناه من الحديث مع سائقين على الخطوط العامة.


اقرأ أيضًا: دجاجة تبيض ذهبًا: هل مضى زمن احتكار السجائر؟

إنتاج سجائر كليوباترا في الشرقية للدخان. الصورة من موقع الشركة على الإنترنت

يقول أحد السائقين "شركات القطاع الخاص لا تملك نفس الانتشار لمحطات الشركات الحكومية التي تمتلك خطوطًا تتحرك من مراكز في المحافظات لا يوجد سوى الخدمة الحكومية، في حين تركز شركات القطاع الخاص على وجودها في المراكز الكبرى فقط بالمحافظات .

وبعيدا عن المستهلك، فإن الأثر الاجتماعي لدخول الإدارة الخاصة سيمتد أيضًا إلى عمالة إيجي باص خاصة في ظل الطموحات بتقديم خدمة مميكنة 100%. يقول المصدر بالقابضة للنقل إن عدد العمال في الشركات الثلاث يقترب من 8 آلاف عامل، بينما تحتاج الشركات فعليًا أقل من نصف هذا العدد "إذا كانت الشركة ستدار بفكر القطاع الخاص فهو لن يقبل كل هذه العمالة الزائدة، وسيكون ضروريًا تخفيض العمالة وهو تحد كبير أمام الوزارة".

عندما سألنا الوزير عن هذه التحديات التي يفرضها دخول القطاع الخاص، قال إن الشركة الجديدة ستكون حريصة على قدر من التدرج في تسعير الخدمة يتناسب مع مستويات دخل كل منطقة. أما عن مستقبل أحوال العمالة، فقال إن الوزارة ستنفذ عملية الدمج وإعادة هيكلة العمالة على كل حال، لكنه لم يقدم إجابة محددة بشأن كيفية الهيكلة، حيث إن "الملف لا زال قيد الدراسة".