متظاهرون بالخرطوم في مواكب مساندة للحكومة المدنية- الصورة: خاص المنصة

مدنيون وعسكر: السودانيون يواجهون الانقلاب المزعوم بالغضب والتظاهر

بين ثلاثة وسوم رئيسة:الردة- مستحيلة، وتسقط- تالت، و دعوات تفويض الجيش للاستيلاء على السلطة، تستفحل الأزمة السياسية في السودان، وتُوضع الحكومة الانتقالية في البلاد داخل نفق مظلم، بعد نحو عامين من تشكيلها والتوافق على وثيقة دستورية تقاسم بموجبها العسكريون والمدنيون الحكم في البلاد، عقب إطاحة ثورة شعبية في ديسمبر/كانون الأول عام 2018 بنظام الرئيس المخلوع عمر البشير الذي حكم البلاد لثلاثين سنةً.

قادت قوى إعلان الحرية والتغيير، وهو تحالف سياسي عريض لعدد من الأحزاب والقوى السياسية، الحراك الثوري إبان الاحتجاجات الشعبية التي توجت بتنحية الجيش السوداني للبشير، في 11 أبريل/ نيسان 2019، وتشكيله مجلسًا عسكريًا ضم قادة الصف الأول من الجيش، الذين عرف ولاء بعضهم لنظام الرئيس المخلوع، ليتولى التفاوض مع التحالف الثوري وقتها حول كيفية تحقيق مطالب الشارع السوداني في الحكم المدني، انتهت بتسوية تقاسم فيها المدنيون والعسكريون مقاعد مجلس السيادة السوداني، أعلى هيئة قيادية في الحكومة، وتشكيل مجلس وزراء برئاسة عبد الله حمدوك ووزراء مدنيين.

لم ترق التسوية التي تم التوصل إليها لعدد كبير من السودانيين، وتبعتهم وجوه ثورية عديدة وبعض الأحزاب على رأسها الحزب الشيوعي السوداني، ورفضت تلك المجموعات مشاركة العسكريين في الحكم من وقت مبكر، وأعلنت موقفها المتمسك بإبعادهم ومنح قيادة الحكومة للمدنيين بالكامل.

موقف ذلك التيار نشط خلال عامين من عمر الحكومة تحت خيار "تسقط تالت" (الذي يطالب بإسقاط مجلس السيادة) لكنه لم يكن فاعلًا في الشارع السياسي السوداني، واكتفت أحزابه والمجموعات المدنية الثورية الأخرى بالانسحاب من الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية وتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير.

من البداية: أطراف اللعبة

مضت شراكة الحكم بين المدنيين والعسكريين وسط تحديات عديدة، أبرزها التحديات الأمنية والاقتصادية والمقاومة الشرسة من نظام الإخوان المسلمين، الذي ما تزال بعض عناصره تسيطر على مفاصل الدولة بمساندة الشركاء العسكريين في الحكم، وتمت محاصرة الحكومة الانتقالية بأزمات أمنية عديدة، أبرزها الصراعات الأهلية والاقتتال القبلي في مناطق مختلفة بالسودان، بينها الأحداث الشهيرة بمدينة الجنينة غربي السودان، وأحداث مدينة بورتسودان، التي راح ضحيتها عدد كبير من المواطنين.

وفي لحظات اشتداد تلك الأزمات اكتفى المدنيون في الحكومة بإلقاء اللوم على الجيش، والتعلل بأن إدارة كافة عمليات أمن البلاد خارج سيطرة حكومتهم، حيث إن القائد العام للجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، هو من يقود التحركات العسكرية، وكذلك قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، الذي يشغل منصب نائب رئيس مجلس السيادة.

كذلك اشتكى المدنيون من سيطرة شركائهم العسكريين على جهاز الشرطة وجهاز المخابرات العامة، في مخالفة صريحة لنص الوثيقة الدستورية، التي تحدد ولاية مجلس الوزراء على قوات الشرطة وجهاز المخابرات، وكذلك الإدارة المشتركة للقوات المسلحة للعسكريين والمدنيين في مجلس السيادة الانتقالي.

كيف بدأ التصعيد؟

أحزاب الأمة القومي، والبعث العربي الاشتراكي- قطر السودان، والمؤتمر السوداني، والتجمع الاتحادي، بجانب تحالف قوى مدنية أخرى، هي من تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية، وسط مطالبات مستمرة منذ فترة بتوسيع قاعدتها لتضم كل القوى الثورية الموقعة على ميثاق إعلان الحرية والتغيير، لكن هذه المطالبات واجهت تعنتًا من قبل تلك الأحزاب التي تشارك العسكريين السلطة.

ورغم ذلك، توالت مؤخرًا التصريحات الناقدة من قبل قادة المكون العسكري في الحكومة الانتقالية لشركائهم المدنيين، واتهمتهم بالفشل في الملفات الاقتصادية في وقت حقق اقتصاد البلاد نموًا مشهودًا عقب سياسة التحرير التي اتخذتها حكومة رئيس مجلس الوزراء، وانتفاء أزمات كانت ماثلة منذ سنوات في طوابير الخبز والوقود والدواء.

انتقادات العسكريين صاحبتها أزمات أمنية عديدة، منها مثلًا إغلاق قبائل البجا، بقيادة محمد الأمين ترك، لميناء بورتسودان الرئيسي في البلاد، ورفعها مطالب ارتبطت في البداية بتنمية شرق السودان، وإلغاء مسار شرق البلاد في اتفاقية جوبا لسلام السودان، قبل أن تتطور إلى حل الحكومة الانتقالية وتفويض القوات المسلحة باستلام السلطة، الأمر الذي اعتبرته مصادر متطابقة في مجلس الوزراء، للمنصة، تفويضًا من قادة الجيش للزعيم الأهلي لإثارة التحريض ضد الحكومة المدنية.

لحظة الذروة

في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، تنتهي رئاسة المكون العسكري لمجلس السيادة الانتقالي، بحسب نص الوثيقة الدستورية التي حددت رئاسة الولاية الثانية من عمر الفترة الانتقالية لأحد أعضاء المكون المدني لمجلس السيادة.

وعلى الرغم من دستورية خطوة انتقال رئاسة مجلس السيادة للمدنيين، لكن العسكريين في طريقهم لخرق واضح لنص الوثيقة الدستورية بإثارة الاضطرابات والتصعيد السياسي تجنبًا لتسليم السلطة للمدنيين، حسب المحلل السياسي وائل محجوب، الذي يضيف للمنصة أن "العسكريين أثاروا العديد من القضايا مع اقتراب نهاية ولايتهم لرئاسة مجلس السيادة في اجتماعات مع شركائهم المدنيين، لاسيما المرتبطة بهواجسهم فيما يتعلق بالاتهامات التي طالتهم في عمليات القتل للمحتجين السلميين أثناء رئاستهم للمجلس العسكري، ومن بين هذه المخاوف المحاسبة على مجزرة فض اعتصام القيادة العامة".

تزايد هجوم العسكريين على شركائهم المدنيين في أعقاب محاولة الانقلاب على السلطة في 21 سبتمبر/أيلول الماضي، التي يعتقد المدنيون أنها من صنع العسكريين، وهي المحاولة الخامسة منذ الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع عمر البشير للضغط على الحكومة المدنية وتغيير المعادلة السياسية في البلاد.

ولجأ العسكريون في طريق تصعيدهم ضد الشركاء المدنيين لتعليق الاجتماعات المشتركة في مجلس السيادة الانتقالي منذ الثلاثين من سبتمبر الماضي، بجانب حظر سفر أعضاء نافذين في الحكومة الانتقالية إلى خارج البلاد، بينهم المرشح الأبرز لخلافة الرئيس العسكري في مجلس السيادة، محمد الفكي سليمان، ووزير رئاسة مجلس الوزراء خالد عمر يوسف.

تصعيد مفاجئ

من بين المجموعات العديدة التي تطالب بإعادة هيكلة تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير الحاكم، نادت حركات مسلحة موقعة على اتفاق السلام في دارفور، وشريكة في السلطة وفق الوثيقة الدستورية، بمساندة العسكريين على تكوين تحالف الحرية والتغيير 2 وضم حركتين مسلحتين رئيستين، هما حركة جيش تحرير السودان، بقيادة منى أركو مناوي، والحاكم الحالي لإقليم دارفور، وحركة العدل والمساواة، برئاسة جبريل إبراهيم وزير المالية الحالي.

ودعت هذه المجموعة أنصار النظام المخلوع إلى مسيرة في 16 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، قبل أن يتحول إلى اعتصام مستمر حتى اليوم في محيط القصر الرئاسي، الذي كان عصيًا على قوى الثورة السودانية، وتحرسه المدرعات طوال عمر الفترة الانتقالية، وتعرضت أمامه عشرات المواكب المطالبة بتصحيح الثورة للقمع المفرط.

توزعت شعارات الاعتصام بين تحقيق المشاركة العريضة في الحكومة الحالية، وشعارات أخرى تدعو لتفويض الجيش لاستلام السلطة، ويتحرك في أرض الاعتصام كوادر التنظيم الإسلامي المخلوع وفقًا لما رصدته المنصة، هذا إلى جانب الأموال الطائلة التي يجري إنفاقها على التحشيد ونقل المعتصمين من وإلى أحياء الخرطوم، وآخرين تم نقلهم من ولايات السودان القريبة من العاصمة.

شارع العسكر

كان هذا الاعتصام بمثابة رد على التصريحات التي أدلى بها رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع، وتهديدهم المستمر بتحريك الشارع السوداني في مواجهة استدعاء المدنيين للشعب السوداني لحماية ثورته وتحصين الانتقال الديمقراطي ضد الانقلابيين في معسكر القوات المسلحة وحلفائهم العسكريين الجدد من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق السلام، التي من بينها حركة العدل والمساواة ذات التوجه الإسلامي.


اقرأ أيضًا: اغتصاب وتحرش وعروض جنس مدفوع: أسلحة قوات الدعم السريع لإخماد ثورة السودان


يصف عضو تجمع المهنيين السودانيين، الوليد علي ما جرى خلال الأيام الماضية من محاولات تنصل العسكريين في السلطة عن التزامهم بالوثيقة الدستورية بــ "الانقلاب العسكري الذي يبحث عن غطاء مدني يجري التمهيد له بالحضانة السياسية الجديدة والاعتصام المفتوح أمام القصر الرئاسي".

ويرى الوليد، في تصريحات للمنصة، أن التأخير في إعلان العسكريين هذا الموقف بشكل رسمي هو عدم قدرتهم على تمرير ذلك المخطط بسند دولي، و يشير عضو التجمع الذي قاد الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، إلى أن "المخطط الذي يمضى الآن يعمل على الحفاظ على مكتسبات الحركة الإسلامية خلال ثلاثين سنةً ومعلوم لدى الإسلاميين أن العسكريين هم حائط صدهم الأخير لذلك يدعمونهم بقوة".

"تسقط تالت"

وبينما دعت الأحزاب المشاركة في الحكومة لمواكب جماهيرية حماية للانتقال المدني غدًا الخميس في ذكرى ثورة 21 أكتوبر 1964، أصدرت تنسيقية لجان المقاومة في العاصمة الخرطوم بيانًا أكدت فيه أن مواكب الغد هي "مواكب ضد الكل لا ندعم فيها أيًا من قوى الحرية والتغيير 1 أو 2 و كيزانهم (الشرطة) و جنرالات لجنة البشير الأمنية وضد شراكة الدماء، مع إسقاطها و إقامة الدولة المدنية الوطنية الكاملة غير منقوصة".

وقال البيان الذي اطلعت عليه المنصة، إن "لجان المقاومة تقف في مقدمة القوى الثورية الحية العازمة على استكمال مهام ثورة ديسمبر 2018 المجيدة وتحقيق أهدافها في إقامة الدولة (مدنية) كاملة لا منقوصة، تقود إلى السلام الذي ينبني على القضايا، لا على المسارات و المحاصصات، إلى اقتصاد وطني ينهض بمشاريع البلاد الإنتاجية و يحشد مواردها الغنية من أجل توفير العيش الكريم، دولة تلتزم بواجبها تجاه شعبها في توفير الخدمات الأساسية التي يستحقها كل السودانيين".

سيناريوهان مختلفان

تبرز العديد من الأسئلة من بين الدعوات الواسعة للحشد الجماهيري يوم غد، وتستند إلى مخاوف أمنية من تذرع العسكريين ببسط الأمن مع احتمالات تعليق العمل بالوثيقة الدستورية وإعلان حالة الطوارئ في البلاد.

ولا يستبعد المحلل السياسي وائل محجوب، أي من الخطوتين لجهة ما يصفه بعدم العقلانية في الصراع الدائر الآن وحالة الانسداد في قنوات الحوار بين الأطراف، إذ يقول للمنصة " كل الاحتمالات مفتوحة لكن الطرف الأهم في هذه المسألة هو حراك الشارع في يوم غد وهو القادر على إعادة التوازن".

لكن القيادي بتجمع المهنيين الوليد علي، يقلل من سيناريو الفوضى الأمنية، ويقول "اعتادت لجان الميدان في كل المواكب الجماهيرية تأمين هذه المواكب وعدم جرها للعنف مع اختلاف الأجواء الحالية والسابقة". مضيفًا للمنصة "أي نتيجة ستفضي لها مواكب الغد سنقدمها ونضعها في مسار مطالب شعبنا إما التهدئة أو استمرار التصعيد في طريق إنجاز الحكومة المدنية".

ويتوقع الوليد، التقاء شركاء الحكم وقبولهم خارطة طريق الحل التي تقدم بها رئيس مجلس الوزراء، لكنه يرى أن الحلول التي قد يتم التوصل إليها مؤقتة وسيعود الخلاف مجددًا ما لم تخاطب جذور الأزمة السودانية في مسألة الاقتصاد والسلام.