شريف منير وأشرف عبد الباقي وأحمد رزق من حفل فيلم كلينك لإطلاق أفلام ريش وكباتن الزعتري وأميرة- الصورة: صفحة الناقد السينمائي محمد سيد عبد الرحيم

تورتة شريف منير: أو التضحية بيوليوس قيصر على مذبح الوطنية

ما الذي يمكن أن يحرك فنانًا مثل شريف منير، للهجوم على عمل فني وعلى زملاءه الفنانين بهذا الشكل العنيف، المرير؟

هل هو الاختلاف في الذوق ووجهة النظر؟

ليس في تصريحات شريف منير ما يشير إلى ملحوظات نقدية أو رأي فني من أي نوع. التصريحات التي أدلى بها، وعدد من زملاءه الآخرين، كلها تتعلق بالمضمون وأشياء من خارج الفيلم، مثل التمويل الأجنبي وسمعة مصر والمشاريع التي تقيمها الدولة من أجل الفقراء وسكان العشوائيات؟

هل هي غيرته على بلده، إذن، كما قال نصًا في تصريحاته؟

ربما.

شريف منير رجل شريف، كما كان يردد مارك أنطونيو عن بروتس في مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير، التي درسها شريف منير في المعهد العالي للفنون المسرحية وربما يذكر بعض سطورها إلى الآن.

كان بروتس رجلًا شريفًا، وصديقًا حميمًا ليوليوس قيصر، ولكن أعضاء التنظيم السري الذين دبروا اغتيال يوليوس قيصر أقنعوه بالمشاركة معهم في قتله. نوايا بروتس كانت نبيلة: الدفاع عن الدولة وإنقاذ روما من فساد القيصر، مع أن الجريمة أدت إلى اندلاع حرب أهلية مروعة، وساهمت في انهيار روما نفسها.

أحيانًا لا تكفي النوايا النبيلة، إذا أدت بالمرء إلى ارتكاب جرائم تؤدي بالضرورة إلى عكس هذه النوايا.

خطبة مارك أنتوني من فيلم يوليوس قيصر


مع ذلك فشريف منير رجل شريف، ولعله كان يقصد الدفاع عن سمعة بلده حقًا. ولكن أليس ما فعله، مع آخرين، تسبب في إساءة أكبر لسمعة البلد التي بدا وكأن مجرد فيلم سينمائي يجعلها تنقلب رأسًا على عقب؟

ما الذي يمكن أن يقوله ضيوف المهرجان والصحافة الأجنبية تعليقًا على الحملة الشعواء التي أثيرت ضد الفيلم وصناعه، ووصلت لانسحاب القنوات التي تغطي المهرجان من الجونة، ومنع نشر أي أخبار إيجابية عنه، والتحريض على معاقبة صناع الفيلم والرقابة ووزيرة الثقافة وتقديم استجواب في البرلمان؟

مهرجان الجونة، مثل معظم مهرجانات السينما، يساهم في تجميل سمعة مصر سياحيًا وثقافيًا وسياسيًا. المهرجانات تقاس بالتنظيم وحسن الضيافة وأيضًا بالأفلام القوية فنيًا والجريئة فكريًا. كلما كان المهرجان يعلي من قيمة الحرية والإنسانية والذوق الفني الرفيع كلما ساهم في تصدير صورة إيجابية عن البلد التي يقام فيها. هذه هي قواعد اللعبة التي يعرفها أي فنان (وليس كل من يعمل بمهنة الفن فنانًا).

لكن شريف منير رجل شريف. هو ممثل جيد، قديم، يعمل منذ بداية ثمانيانيات القرن الماضي، قدم عددًا من الأدوار الجيدة في أفلام مثل عودة مواطن، الكيت كات، وسهر الليالي، بجانب بعض المسلسلات أشهرها ليالي الحلمية، وبعض المسرحيات التجارية الخفيفة.

مع ذلك، ومقارنة ببعض أبناء جيله والأصغر منه، فهو تعيس الحظ رغم تمتعه بالوسامة والموهبة، فقد حرمه القدر من القبول الذي يؤهله لأدوار البطولة المطلقة، ورغم عمله لأكثر من أربعين عامًا لكنه لم يقدم سوى عددًا قليلًا جدًا من الأدوار. الآن وقد تجاوز الستين يبحث شريف منير عن التواجد، وعن فرص عمل، ومن الطبيعي أن يعتقد، مثل بروتس، أن التضحية بيوليوس قيصر على مذبح الوطنية سوف يضمن له ولأولاده حياة كريمة ضمن جهود الدولة للقضاء على العشوائيات وبطالة الفنانين.

ولأن شريف منير رجل شريف، فهو يعرف أن التصريحات الصحفية هدفها أن تكون مجرد تصريحات صحفية، لا علاقة لها برأيه الحقيقي في أصدقاءه وزملاءه الذين اتهمهم بتشويه سمعة مصر. يعني لو كان يصدق تصريحاته حقًا فقد كان من الطبيعي أن تدفعه غيرته على بلده إلى مقاطعة هؤلاء الحاصلين على تمويلات أجنبية لتشويه سمعة مصر. ولكنه في الواقع، بمجرد مغادرته للقاعة التي تعرض الفيلم، عاد إلى غرفته لارتداء ملابس كاجوال، وسارع بالذهاب إلى الحفل الذي يقيمه منتج الفيلم محمد حفظي، ليهنئه على أفلامه المشاركة في المهرجان، ويدردش معه بشأن الاستعدادات لمهرجان القاهرة القادم، فربما يستعين به مرة أخرى ليقدم فقرة أو ليعزف على الدرامز في حفل الافتتاح، كما فعل منذ عامين.

شريف منير يعزف الدرامز في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي


شريف منير رجل شريف، وهو يفرق بين الأفكار والعلاقة الإنسانية، ويؤمن بأن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية. وهو يشبه في ذلك لاعب الكرة المحترف الذي تربطه علاقة صداقة بلاعبي الفريق المنافس، ولكن في الملعب هو على استعداد لضرب هؤلاء الزملاء تحت الحزام وتحريض الجماهير للهتاف ضدهم، حتى لو تسببت تحريضاته في ارتكاب مذبحة.

الحق يقال لا يجب أن نلقي باللوم على شريف منير فقط. في الأول والآخر شريف منير رجل شريف، لم يشارك في أفلام من تلك النوعية التي يمكن أن تسيء لسمعة مصر، وهناك من أدلوا بتصريحات لا تقل عما قاله شريف منير، وربما تزيد، من "فنانين" كبار السن والاسم، من المحسوبين على مشوهي سمعة مصر، مثل المخرجة إيناس الدغيدي التي سمعتُها تهاجم الفيلم لا من منظور فني، ولكن بتهمة الحصول على تمويل لتشويه سمعة البلد. ومن المعروف أن إيناس الدغيدي امرأة شريفة، لم تحصل على تمويل من أوروبا في حياتها، لأن أفلامها الوطنية لا تعجب الممولين الأوربيين الذين يرغبون في دعم أفلام تتناول مشاكل المجتمع المصري وتدعو الفتيات المتحررات جنسيا والمثليين للتمرد، وهو ما لا تفعله بالطبع أفلام إيناس الدغيدي.

ذات يوم، في أحد المهرجانات العربية، سمعت مخرجا مغاربيًا يلقي خطبة عصماء ضد زملاءه الذين يحصلون على تمويل من فرنسا، وعندما بدأ الحديث عن فيلمه اكتشفت أن الفيلم حاصل على تمويل كامل من إيطاليا.

يقول خبراء البحث الجنائي "ابحث عن المرأة" وراء كل جريمة، فغالبًا يكون الدافع وراء ارتكابها امرأة. أما في حالة الفنانين الذين يرتكبون جرائم ضد بعضهم البعض فالشعار المناسب هو "ابحث عن التمويل".

باختصار هناك الآن جهتان لإنتاج الأعمال الفنية في مصر: وطنية رسمية، وخاصة أجنبية، وهناك فريقان من الفنانين يتنافسان للحصول على قطعة كعكة من هذه الأعمال. والأمر نفسه ينطبق على وسائل الإعلام، هناك ألف شريف منير، يتكالبون على "التورتة"، والصراع بينهما شرير مرير.