سينما دمشق في العاصمة السورية. الصورة من ويكيميديا - برخصة المشاع الإبداعي

الفن السوري في زمن الحرب: دمار فوق دمار

ظلَّ أبو عارف في زمن الحرب، كما عهدناه قبلها، لا يترك شيئًا مُتعلِّقًا بالثقافة السورية إلا ويتابعه، من مسرحيات، وافتتاحات، وعروض أفلام، ومعارض فنون تشكيلية، وأمسيات موسيقية، كما أنه لم يترك كتابًا نزل في الأسواق إلا وقرأه وقيَّمه بخبرته الواسعة، روايةً كان أم ديوانًا شعريًا أم مجموعةً قصصية أم دراسة نقدية، حتى أنه يقرأ كل الصفحات الثقافية في الجرائد الورقية والمواقع الإلكترونية، ويضع أحكامه على مستوى كُتَّابها، ويُصوِّب أحكامهم، ويوضِّح هفواتهم، حتى صار ملح الموائد الثقافية ومرجعية لكل مُهتَمّ، لسعة اطلاعه وعمق متابعاته وتزايد عدد مريديه، بمن فيهم كاتب هذه السطور.

ولأن للحرب قولها وأثرها على الفنون في سوريا، وأخذًا في الاعتبار أن الرواية باتت ديوان العرب في الفترة الأخيرة، مُنحيَّةً الشعر عن مكانته، فإن لأبي عارف رؤيته في هذا الشأن، فمن ملاحظاته، أنه لم تخلُ رواية سورية كُتِبَت في زمن الحرب من صليات الصواريخ وأصوات الطلقات وتفجيرات الألغام والعبوات الناسفة والبراميل المتفجرة، وعشَّشَت في معظمها روائح الدَّم والجثث المتفسخة والمقابر الجماعية، لدرجة تشعر وأنت تقرأ أنك في ساحة معركة، وأنك مُستهدَف من أحد الأطراف المتقاتلة، إذ تحوَّلت الرواية السورية في العشر سنوات الأخيرة إلى جبهة قِتال بالمعنى السلبي للكلمة.

الروائي الطارئ

بحسب أبي عارف فإن ذلك يعود إلى أن معظمها، أي الروايات، وهي تزيد عن الخمسمئة، تناول موضوع الحرب منذ بداية 2011 وحتى الآن، سَعَى لتوثيق الخراب، وتسجيل كيف تم تقطيع أوصال البلاد، ورسم معالم الموت الجماعي واليومي، من دون أدنى اهتمام بالمعمار الروائي، فبدت في بعضها أشبه بتقارير صحفية أو مواجز إخبارية، بينما نحا بعضها الآخر لأن يكون مُجرَّد سيرة ذاتية لكاتبها، بلا أدنى سَعي لتعميم تلك السيرة، بل مجرد تسجيل اسم "الروائي الطارئ" ضمن قوائم شهود العيان على دمار سوريا.

بمعنىً آخر، باتت الكتابة عن الخراب خرابًا آخر، بحيث أنه من بين مئات الروايات يمكن الاقتصار على عشرة فقط ممن اهتم أصحابها بسردياتهم وفق الأصول الفنية، أما من تبقوا فكانت أعمالهم بيانات حزبية، كانوا هم أبطالها الوحيدين، أو لنقل أمناءها العامّين، وفي بعض الأحيان لا ترتقي فصول الرواية لأن تكون منشورات فيسبوكية، والحوارات فيها لا تختلف كثيرًا عن دردشات الماسنجر.

ولا تختلف القصة القصيرة عن الرواية، كما يعتقد أبو عارف، فبدل أن تكون فكرتها الأساسية بمثابة السهم الذي يُصوَّب إلى ذهن القارئ، دافعًا إياه للتفكير، فإنها تحوَّلت إلى عبوة ناسفة تنسف كلّ جمال قصصي يتعلق بالكثافة والتركيز والحيوية.

الشعر أيضًا له شجونه في زمن الحرب، وأسوأ تلك الشجون بتقدير ملح الموائد الثقافية، أنه بات مطيَّة لكلِّ رائحٍ وغادٍ، لدرجة تستغرب من أين بزغ كل هؤلاء الشعراء؟ والاستغراب الأكبر برأيه، يكمن في سؤال: أين كانوا قبل المهلكة السورية؟ ويتابع نقده: أنه بعد قراءة ما يكتبونه تحت تصنيف قصيدة النثر، تكتشف سريعًا أن قصيدة النثر تتبرأ منهم، وأن الشعر لا يعتبرهم من أبنائه، فالأمر برمَّته لا يتعدى كونه تهويمات لغوية، أو لنقل تسجيل تداعيات مهلهلة من ناحية السَّبك والجزالة والصور الشعرية، والأهم من ناحية الخيال المُصاب بفقر الدم المزمن، لذا تبدو تلك النصوص مسحوبة الدَّسَم، لغتُها رخوة، وفيها استسلام للسَّهل غير الممتنع، بحيث يمكن القول بأنها تخلو من أي لمحة شعرية.

وما يزيد الطين بلّة، أن جودة مثل تلك القصائد باتت تُقاس بعدد اللايكات التي يحققها كاتبها بعد أن ينشرها على صفحته الزرقاء، والتعليقات التي تُكبِّر الرأس من مثل "أدونيس عصرك" أو "درويش زمانك" أو "سنية صالح الزمن الحاضر".

والأنكى من ذلك كله هو تخريب الذائقة، من خلال التصفيق لمن يستحق أن النقد بسبب رداءته، والتهليل والتعظيم للمطرودين من مملكة الشعر الحقيقية، ممن لا يستحقون الوقوف حتى على عتباتها، إضافة إلى تلك الصرعات الحداثوية التي يتكئ عليها بعض "الأدباء الطارئين" من قصيدة الهايكو وقصيدة الومضة والقصة القصيرة جدًا للغاية، لتفريغ كَبْتِهِم ضمن ما أسموه "الأدب الوجيز"، الذي أثبتت معظم الدواوين والمجموعات المطبوعة منه، أنه وجيز بالفعل لكن لا علاقة له بالأدب، وإنما هو مجرد "موضة" تجعل من المرء شاعرًا خلال خمسة أيام وقاصًا في أربعة وهايكويست في جلسة واحدة، وكأن الأدب صار ملعبًا للصغار وعديمي الموهبة، الذين قفزوا مباشرةً إلى موجزاتهم الأدبية، من دون المرور بالقصائد العمودية وقصائد التفعيلة والشعر الحر، ثم قصيدة النثر، وما تلاها، فهل يمكن للبناء أن يبقى ثابتًا إن كانت أساساته مهلهلة؟ والكلام، على إطلاقه، كله لأبي عارف.

التمثيل: بالجمهور لا من أجله

أما ما يتعلق بالسينما السورية في زمن الحرب، فيرى أبو عارف أنه رغم الميزانيات الضخمة لمعظم تلك الأفلام التي أنتجت في السنوات العشر الأخيرة، لكن النتائج مخجلة، ولا تليق بالفن السابع، والخلل بالأساس يأتي من النصوص المتهالكة والمقرفة التي يتقيؤها كُتَّابُها، ويشتغلها مخرجوها من "خلف أيديهم" كما يُقال، إذ ليس هناك شغف بالسينما، بقدر الاهتمام بالفلوس التي يجنيها العاملون فيها من ورائها.

من فيلم لآخر العمر إخراج باسل الخطيب

ويبرر صديقنا رأيه بتساؤل يفهمه ذوو الخبرة "هل سمعتهم بفيلم روائي طويل يتم تصويره بثمانية عشر يومًا؟ إنها سينما يا أولاد الأوادم، وليست مسخرة كالتي تصنعونها". ويرفض أبو عارف ما يُسمِّيه بـ"الخندقة السينمائية"التي تتم فيها شيطنة كل طرف سياسي من قبل الطرف الآخر على الشاشة الكبيرة، متناسين أن هناك بشرًا في الوسط أحقّ بأن تُسلَّط عليهم الأضواء، وأن تدور الكاميرات من أجلهم، بدلًا من سرقة الميزانيات باسمهم. ونتيجة ذلك الاستهتار السينمائي، يظهر القاتل والمجرم بصورة البطل، ويبدو القتيل كذئب مفترس، ويأتي الشريط لتبرير مثل تلك الوقاحات الإنسانية، بحوارات سخيفة، وشخصيات سطحية بلا أي عمق نفسي، مع نمذجة قاتلة للبطل والشرير، بحيث تختلط على المُشاهد الأمور، هل ما يتابعه كوميديا أم تراجيديا، فيضحك لمشاهد الموت والانفجارات ويبكي لمشاهد الأعراس، وذلك نتيجة "شلف" اللقطات، أي إلقائها عشوائيًا كيفما اتفق في وجه المشاهد، والتقطيع الخاطئ، والمونتاج الرديء، وإدارة الممثل بطريقة متهالكة، فلا نفحات إنسانية تشفّ من خلال الضوء السحري لصالة العرض، وإنما قسوة ما بعدها قسوة، هدفها التَّمثيل بالجمهور، وليس التَّمثيل له.

أزهار في حقل شوك مديد

ويعتقد "أبو عارف" أن المسرح السوري في زمن الحرب ما زال، كما كان، "الحلقة الأضعف" في الفنون، مُهملًا ومتروكًا لتقطيع أوقات فراغ العاملين في الدراما التلفزيونية، فلا شغف حقيقي، ولا رغبة في الارتقاء بأبي الفنون، لا من قبل مديرية المسارح وميزانيتها الشحيحة، ولا من قبل خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية الحالمين بالظهور على الشاشة، ليبقى بعض المحبين القلائل الذين لا يعنيهم المال بقدر الوقوف على الخشبة ووراء كواليسها وفي غرفة التحكُّم.

ويؤكد صديقنا رأيه بأن جُلّ ما نشهده في ريبتوار المسرح السوري هو تكرارات مُمِضَّة لعروض سبق تقديمها في سنوات سابقة لمرة أو مرتين، مع بعض التعديلات على الخطة الإخراجية، أو الاتكاء على نصوص عالمية وعربية من دون الاجتهاد في إعدادها لتصبح بنكهة سورية، فمنذ سعد الله ونوس لم تشهد الساحة المسرحية في سوريا كاتبًا مسرحيًا تُرفَع له القبعة، وإنما مُجرد تجارب واهية لإنشاء نصوصٍ بمستوىً "طفولي"، لا ترقى إلى المستوى اللازم في مواجهة الهمّ السوري وحُطام المجتمع وتقديم رؤية تواكب ما حصل مسرحيًا، ودراماتورجيا تُصحح مسار الأخطاء المتراكمة على صعيد النص المكتوب وأداء الممثلين والخطاب الإخراجي، ودلالات كل ذلك.

يتساءل أبو عارف: أليس المسرح فنًا دلاليًا بامتياز؟ لكن المتابع لما تشهده الخشبات السورية سيتيقّن بأن معظم العروض أشبه بمسرحيات طلائع البعث* في أحسن الأحوال، من ناحية مباشرتها وضعضعة تكوينها الأدائي والبصري، وحتى على صعيد السينوغرافيا وتقليديتها، ويستدرك صديقنا أن ذلك لا يعني أنه لم تخرج بعض العروض عن تلك النوعية الرديئة، فما زال هناك بعض القادرين على خلخلة السائد، والبزوغ كأزهار في حقول الشوك المديدة، ومثل هذه العروض تراها على خشبات المسرح القومي أحيانًا، أو في عروض تخرج طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية، لكنها مع ذلك تبقى قليلة جدًا، إن لم نقل نادرة، وغير قادرة على تحقيق نهضة أو إعادة الألق لأبي الفنون، إذ إن الكمّ يغلب على الكيف للأسف، وتبقى الأعمال الجيدة بمثابة طفرات في جسد المسرح المتهالك، بفعل البيروقراطية وقلة الدعم، والافتقار إلى كتّاب جديين، ومخرجين على قدر المسؤولية.

من مسرحية إبراهيم وصفية إخراج زيناتي قدسية

وعلى صعيد التشكيل، فإن مقولة أبو عارف معروفة ورائجة؛ "لا تشكيلي ببكيلك"، وتعليل ذلك بحسب رأيه أن فيه من المرارات الكثير، ومن الرداءة أكثر، وكأن الحرب ومفرزاتها لا تعني الفنانين التشكيليين بشيء، ولم تهزّ مخيلتهم، ولم تترك أثرها على ريشهم وألوانهم، وإنما حافظوا على تكرار أنفسهم، واجترار أفكارهم وأساليبهم منذ عقود، ولم تخرج إلى العلن حتى الآن ظاهرة فنية يُشار إليها بالبنان، على أنها الأكثر انتماءً إلى الزمن السوري المعاصر، بخرابه وموته وخزيه بصيغة المضارع المستمر، وكأنه ليس هناك مُصوِّر منتمٍ إلى حاضره، فإما يعيش في ماضيه الزاهي، أو ينزوي في مرسمه أو مشغله، بعيدًا عما يدور حوله من مآسٍ قادرة على إنجاز ألف "جيرنيكا" ومليون "صرخة"، لكن على ما يبدو أن فنانينا التشكيليين أذن من طين والأخرى من عجين، فلا نرى في لوحاتهم ومنحوتاتهم أي ملمح من ملامح الإصغاء للوجع السوري، بل مجرد خربشات على هامش الحياة.

الموسيقى، كما يستمع إليها أبو عارف، لم تخرج أيضًا عن تلك الرؤية، وكل الحفلات التي تشهدها دار الأوبرا ومسارح المحافظات السورية، ليست سوى ترجيع صدى لما كان، من دون أي محاولة للتأليف أو التجديد أو الابتكار، إلا ما ندر، ولعل مئات المقطوعات ومثلها من الأغاني، ما هي إلا ترددات لأعمال مكتوبة منذ عشرات السنوات، بلا أي أثر لما حصل في البلاد، وكأن الحرب لم تكن قادرة على تحريك مشاعر مؤلفينا لتأليف وتلحين ولو جنّاز موسيقي واحد، أو أغنية تُصوِّر بكلماتها ولحنها ولو مشهدًا من مشاهد الكارثة.

وعندما نفث أبو عارف دخانه العربي، وكأنه يوجهه إلى مركز الأزمة الفنية في سوريا، سألته "هل تعني أن الفن السوري في زمن الحرب كان دمارًا إضافيًا"، فأجابني "بالضبط". ثم أطفأ سيجارته ورحل.