نهر النيل- تصوير: عبد الباسط عياش

عِرق الصبا: إعادة تقديس بحر النيل

يقف الحاج أحمد على تبة عالية مزهوًا بجسده الفارع وبنيته القوية، ينظر إلى جسر ترابي شارك في إنشائه قبل قليل، لحجز مياه الفيضان عن البيوت، ومع أن مرضًا مجهولًا بدأ يتسلل إليه لا يعرف الأطباء علاجًا له، لكنه ما زال يحتفظ بكثير من قوته الاستثنائية، التي يسميها الناس في القرى المتاخمة للنيل "عِرق الصبا" أو "ممسوس".

حدث ذلك في أغسطس عام 1953 بإحدى قرى محافظة سوهاج، ولم يمر العام حتى رحل الحاج أحمد في الخمسين من عمره، صغير السن مثل غيره ممن يحوزون تلك القوة المذهلة، التي يمنحها البحر الكبير "النيل" لأشخاص محددين، مخلفًا حكايات أسطورية تروى عنه، منها أنها كان يرفع "المتسّعة" وهي 9 أرادب قمح ويصعد بهم إلى الدور الثالث.

لا يمكن التأكد من صدق روايات "عِرق الصبا" التي تنتشر في القرى المتاخمة للنيل، إذ تعود إلى اعتقاد قديم عند المصريين القدماء، أن للنيل يوم في السنة ينام فيه، ومن يدركه يحظى بنفحة من حياة ولمحة من جبروت، والشقي من دنا منه ساعة يقظته ففي تلك الحالة يطويه ويأخذه، وهي نفس الأسطورة التي استمرت تحكى إلى ما قبل بناء السد العالي، مع إضافات قليلة.

عرق الصبا

في لهجة الصعيد، تطلق لفظة "عِرق" على عدة أشياء، منها: جذور النخيل، وأيضًا قطع الخشب الطويلة، التي تستخدم في سقف البيوت، أما الصِبا، فيطلق أحيانًا على الأشياء الطازجة أو الجيدة أو القوية، فمثلًا، يوصف الزرع حديث الحصاد "محصول صبي" ويقال على الرجل إذا كان معافى الجسد إنه "صبي"، ويوصف الشيء الجيد بأنه "زين وصَبِي".

ومن المشتقات أيضًا، ريح الصبا، وهي نسمة الهواء التي تهب ساعة السحر حتى مطلع الفجر، وهو امتداد لاعتقاد قديم أن الله خلق أربع رياح، هي: الرياح القبلية، والرياح البحرية، وريح الصبا، والزعابيب، فالرياح القبلية هي التي تجمع السحب، ومنها خلق الله الخيل، وأما الرياح البحرية فتهب لتوزع السحب وتنشرها، أما الزعابيب فهي الرياح الشديدة المحملة بالأتربة ومنها رياح أمشير، وأما ريح الصبا فتهب من ناحية الشرق ساعة السحر، وتنعش الأبدان العليلة وتنفس عن المكروب، وهي تشبه كثيرًا أسطورتنا "عِرق الصبا".

أغنية النيل لأم كلثوم


يُشاع أن استخدام تلك القوة "عِرق الصبا" في الظلم أو الأذى قد يكون عقابها سلب صاحبها من قوته، أو إصابته بالمرض، وليس كل الناس مؤهلون لتلك القوة. عباس شرف، رجل في نهاية السبعين من عمره، لا ينكر وجود تلك القوة التي تصيب البعض، يشبهها بأنها مثل أن تُفتح "طاقة القدر" لأحدهم، يقول عباس "من يمسه عرق الصبا أو الممسوس، يأكل كثيرًا ولا ينام إلا ساعتين في نهار الجمعة، ويستطيع أن يغلب عشرين راجل ويمكن أكثر، ولديه قدرة على طمس معالم العملات المعدنية أو ثنيها".

نفس الحكايات يسردها حسام القاوي (56 سنة) ويروي أنه ما زال يتذكر ذلك الرجل الذي كان يشاهده في القطار المتجه من سوهاج إلى أسيوط في بداية السبعينيات، يمسك قطعة نقود يفركها بيده فيطمس كتابتها في شيء أشبه بالسحر، مدعيًا أن تلك الموهبة تُمنح حصرًا للممسوس بعِرق الصبا، لكن تلك الأسطورة المرتبطة بالنيل، اختفت مع غيرها، من ذاكرة الجيل الذي جاء بعد بناء السد العالي.

الأسطورة والمكان

على أية حال، ما يهمنا من الأحجية الأسطورية، هي أنها ابنة المكان الذي ولدت منه، فضلًا عن أن ما تقوله الأحجية والأسطورة ليس هو بالتحديد ما يراد التعبير عنه، بل تحاول أن تضع حلًا لأشياء يجهل الناس حلها في الواقع. مثلًا تروي إحدى الأساطير أن نبي الله يوسف بعد موته، وضع في تابوت ودفن في أحد جوانب النيل فاخضر وأجدب الآخر، فنقل التابوت إلى الجانب الثاني فاخضر ذلك الجانب وأجدب الآخر، فلما وجدوا الأمر كذلك دفنوه في وسط النهر فاخضر الجانبان.

يحاول محمد الفيل في كتابه الثقافة المصرية أن يضفي بعدًا مختلفًا على تلك الأحاجي الأسطورية، معتبرًا أن الرواية الأصلية لعِرق الصبا، تعالج فكرة المقاومة السلبية التي يفرزها الخيال الشعبي، الذي يبحث عن مقدس يستمد قوته منه ويجعله ملجأ من الظلم، فيورد الفيل رواية لنفس الأحجية، لكنها أكثر تماسكا، وتحاول أن تعالج قضية محددة.

يروي الفيل، أن أحد الشباب في العصر القبطي، كان اسمه "عَشَم"، وكانت قريته تعاني من الهجوم المتكرر من قبل جنود الرومان الذين يسلبون أقوات الفقراء، وذات يوم قدم الجنود كعادتهم لقرية عشم، وأخذوا طيوره وذبحوها، فيحزن عشم الذي لا حول له ولا قوة، وينام إلى جانب النيل، وبدون ترتيب يستيقظ في آخر الليل، ويشرب من النيل، وبعدها تصيبه قوة خارقة يستخدمها في جلب حقوق المظلومين والمقهورين من أهل قريته، حتى يهابه جنود الرومان ويظل يطاردهم من قرية إلى أخرى.

تنتهي قصة عشم، لكنها تظل تُعاد بإضافات مختلفة، فأحيانًا تُحوّل الضعيف إلى قوي، وأحيانًا تُحول المريض إلى العافية المفاجئة، أو تحول المقهور إلى أيقونة لرد المظالم، أو تحول الظالم إلى طريق العدل. يسرد مراد حسن (66 سنة)، رواية مختلفة لعِرق الصبا، تقول إن رجلا أصيب بعرق الصبا، فكان يتباهى بذلك أمام زوجته، وينهرها بلا سبب، وذات يوم يدخل الزوج البيت، ويسألها هل رأت أحدًا أقوى منه، فتجيبه: لا، لكنه نهرها، فذهبت باكية إلى النافذة، وهناك يسقط دمعها في قفة بائعة الحناء، فتقول لها صاحبة الحناء: ليه يا بنتي دمعتك خسّرت حنتي؟ فتروي الزوجة ما جرى، فتنصحها بائعة الحناء أن ترد على زوجها إذا سألها بقول: ياما أم الخلال جابت…

يأتي اليوم التالي ويسأل الزوج زوجته، هل رأت أحدًا أقوى منه؟ فترد الزوجة بما قالته بائعة الحناء، وفي تلك اللحظة يتوقف الزوج ويفكر كثيرًا، ثم يقرر أن يذهب إلى حيث يلتقي أصحاب القدرات الخارقة مثله، أحدهم يأكل مائة رغيف وآخر يسند الجبل، وغيره يلقي نبوته إلى السماء فيعود إليه بعد أن يتناول طعامه وشرابه ويستيقظ من القيلولة، وآخر يحمي الناس من هجمات الوحوش والعفاريت، ويصبح الزوج من الموكلين برد مظالم الناس وحمايتهم.

يحكي مراد، أن شخصية الممسوس الخارقة، استهوت الخيال الشعبي، فخرجت على شكل حكايات وأحجيات كثيرة، تستمد تفاصيلها من مصادر شتى، دينية، وطقوسية، وتراثية، لكنها في النهاية تتفق على شخصية الممسوس الذي ينذر نفسه لإقامة العدل وجلب الحقوق، وتختلف في تفاصيل الحكاية.

فيضان البحر الكبير

أكثر حكايات النيل ارتبطت بموسم الفيضان الذي يطلق عليه "بحر الدميرة" أما النيل ففي العادة يُطلق عليه "البحر الكبير" أو "البحر" حتى عندما غنت أم كلثوم على بلد المحبوب، سمته "بحر النيل". يبدأ الفيضان حسب التقويم القبطي من شهر بؤونة ويظل طوال شهري أبيب ومسرى، وإذا كان زائدًا ظل حتى شهر توت، أي ما بين يونيو/حزيران حتى سبتمبر/أيلول حسب التقويم الميلادي. في تلك الفترة كان الناس ينشؤون الجسور والحواجز؛ خشية أن يُغرق الفيضان بيوتهم الطينية.

عندما يتدفق جريان البحر الكبير أو بحر الدميرة، يأتي بلون أخضر، وهنا يبدأ الناس الاستعداد لموسم الفيضان، ويقولون "توحّم البحر"، ثم يتغير لونه إلى اللون الأحمر وهنا يقال إن البحر قد "حاض"، ويظل الناس يترقبون زيادته إلى أن يصل الماء المكدر، ثم تصفو المياه وهنا يطمئن المزارعون.


مشهد لمنكوبي الفيضان قبل بناء السد العالي من فيلم ابن النيل (1951) ليوسف شاهين


في القرى المتاخمة للنيل، يتعامل الناس، من دون قصد، مع النهر ككائن حي مثلهم، أو كأحد الأولياء أو القديسين، تبدأ تلك العلاقة منذ الولادة وحتى الممات، يقول ممدوح التايب (33 سنة) من سوهاج، يمنح الناس صفات الفحولة للنيل كمزية كما لو كان بشرًا مثلهم، وليس أدل على ذلك عندهم إلا أسطورة عروس النيل، التي قد تكون مختلقة، لكن الخيال الشعبي استوعبها وأعاد إنتاجها ليجعل من أولئك الفتيات اللواتي ألقين في النهر منذ آلاف السنين أنهن تحولن بعد زواجهن بالنيل إلى "جنيات البحر" اللواتي يحققن الأماني لمن صادف خروجهن.

لا يتعجب التايب، أن يسمع وصفًا للنيل "البحر" بأنه غضبان إذا كان في موسم الفيضان، أو هادئ ورايق إذا كانت مياهه صافية، وأيضا أن يؤدي دور الولي الصالح أحيانًا الذي تجرى على يديه كرامات، حتى أن بعض التفسيرات الشعبية اللطيفة للآية القرآنية التي تحكي مقتل رجل على يد النبي موسى "فوكزَه موسَى فقضى عليه" تزعم أن موسى لم يقصد أن يقتل الرجل، لكن لأن النبي موسى كان مصابًا بـ"عِرق الصبا" ولديه قوة أربعين رجلًا، كان ذلك كافيًا للقضاء على شخص بمجرد دفعه.

في الحقيقة، تحتفظ كتب التراث بقصص مذهلة عن موسى وقوته التي تربطها الذاكرة الشعبية بفكرة جديدة تقول إنه كان "ممسوس بعرق الصبا"، تعتمد تلك الحكايات على ما يرويه الطبري في تاريخ الأمم والملوك، أن موسى عندما دخل قرية أريحا، التقى برجل ضخم الجسم اسمه عوج بن عنق، كان يعيش منذ 3600 عام، وتنتهي القصة أن موسى وثب 10 أذرع ليتمكن من إصابة كعب عون هذا فيقتله، وبعد موته يستخدم المصريون ساقه العظيمة كقنطرة على النيل، ونجد نفس هذه الحكاية في الأحجيات الشعبية بصعيد مصر، مع اختلاف بسيط هو أن العملاق كان اسمه عون لا عوج.

يحكي الروائي خالد إسماعيل، أن الناس ظلوا حتى وقت قريب يغتسلون في البحر الكبير "النيل" راجين الشفاء من الأمراض، ومعالجة البثور، بل إن المحموم كانوا يصنعون له إناء من طمي النيل، ويجفف ويشرب منه ليخف من مرضه، وقد تبلع قطعة من طمي النيل راجية تيسير الولادة.

مثلا، يفرق الناس في قرى الصعيد بين "مس البحر" وبين "مس الجن" فالأول كرامة تُمنح لسعيد الحظ، أما الثانية فابتلاء يستوجب أن يقذف المصاب به نفسه في غمرة البحر "النيل" ويتلقى الموج على صدره، ليبرأ من أذى الشياطين.

في 2019، صدر لخالد إسماعيل رواية باسم عرق الصبا، محاولًا حل لغز أساطير نشأة القرى في صعيد مصر، وخرجت الرواية مشابهة إلى حد بعيد الروايات الشفهية لنشأة كثير من قرى الصعيد، التي يبنيها رجل قوي مصاب بعرق الصبا، أو ولي صالح يمنح قوة استثنائية وقدرات خارقة.

يقول إسماعيل، إن أسطورة عرق الصبا يمكن اعتبارها محاولة لفهم الطبيعة، وقد تكون أقدم وأوسع انتشارًا مما نظن، خاصة في بلدان حوض النيل، يتابع أن الراوي الشعبي هو ملاحظ أكثر من كونه خالقًا للقصة التي يصعب الوصول لمصدرها، لكن ما يفعله كل راوٍ هو تغذية نفس الفكرة بمعتقدات قديمة يجرى تحديثها لتكون مناسبة للزمن.

إعادة إنتاج التراث

تدمج الذاكرة الشعبية أحجياتها بالموروثات الدينية، وتعيد إنتاجها بما يتناسب مع رؤيتهم للنيل، فمثلًا تنقل عددًا من كتب التراث، أن النيل ينبع من 12 عينًا، وهذه الأسطورة تتغذى على رمزية العدد، فعصى موسى عندما ضرب بها الحجر أنتجت اثنا عشر عينًا، والأئمة في الفكر الشيعي اثنا عشر، وعدد حروف التهليل 12 حرفًا، ما يمنح الرقم نفسه قدسية.

اعتقد المصريون أن النيل هو مركز العالم وأن منبعه هو بداية العالم، وبذا كانت قبلتهم نحو الجنوب ومهما كان الاتجاه الواقعي للنيل فهو الحد الفاصل بين الشرق والغرب بين الحياة والموت. ومنذ الأسرة الكوشية(715 ق.م) عرف المصريون أن هناك علاقة بين الأمطار وبين فيضان النيل، غير أن الاعتقاد الرسمي القائل بأن منبع النيل مقدس ظل يحظى بالأفضلية والانتشار.

وعندما دخل العرب مصر، اعتقدوا أن النيل يوحى إليه، فينقل ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة، أن معاوية بن أبي سفيان سأل كعب الأحبار إذا كان يجد للنيل خبرًا في القرآن أو التوراة أو الإنجيل أو الزبور، ليرد الأخير بقوله"والذى فرق البحر لموسى إني لأجد في التوراة أن الله يوحى إليه عند ابتدائه، ويأمره أن يجري حيثما شاء، ثم يوحي إليه عند انتهائه ويأمره أن يرجع راشدًا حيث شاء".

وفي كتب التراث العربية، يعاد دائمًا شرح حديث منسوب لسيدنا محمد أن النيل أحد أنهار الجنة، بأن منبعه من تحت سدرة المنتهى، ويذكر عدد من العلماء المسلمين، منهم ابن سينا وابن النفيس أن ماءه يهضم مياه الجسم الرديئة، ويقوي المعدة، وذلك لأنه يمر على أرض الذهب، بل قال بعض الحكماء إن من خواصه أنه ينسي الغريب وطنه.

في بداية موسم فيضان 1954، كان الحاج أحمد يتمدد على أريكة من الصفصاف أمام أحد الرقاة، الذي طلب إناء ماء يُعبأ من سبع أماكن متفرقات من البحر الكبير، ليغتسل بها المريض فيُشفى، لكن قبل أن يصل هذا العلاج، رحل الحاج أحمد، تاركًا أناشيد الرثاء تصدح في بيت ستحاصره مياه الفيضان بعد أيام قليلة.