من عمل فني لمجموعة أطفال عن السحر والمستقبل- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

التلاشي في برج الملح: الفن والسحر كطريقتين لفهم الوجود

عندما فكر الإنسان الأول في أن ثمة قوى سحرية/ خارقة هي السبب في وجوده، وأن طقوسًا ما يجب استحضارها ليحوز جزءًا من تلك القدرة كي يتغلب على الطبيعة ويستعبدها، كان في الوقت نفسه يرسخ للفن بمفهومه المعاصر، دون أن يعي أو يسمي أي من السحر أو الفن باسمه، فالتماثيل التي صنعها كناية عن آلهته وتمثلاتها، وما دّونه من نقوش وطلاسم على جدران كهوف عاش فيها، ليسوا بعيدين عما نعتبره اليوم فنًا تشكيليًا باختلاف مشاربه وصور تعبيره.

يرى البعض أن الساحر يشبه في تقنياته ومهاراته الفنان؛ بشكل أدق، ينظر إلى السحر على أنه استخدام تقنيات مختلفة مثل التعاويذ أو الكتابات أو الرسوم للسيطرة على القوى الخارقة للطبيعة، أو ما يتعلق بإنشاء وجود ما خارج الكون المرئي المعلوم والابتعاد عما هو معتاد وطبيعي بشكل يشبه خلق العمل الفني.

عرف الساحر أليستر كراولي السحر على أنه "علم وفن إحداث التغيير وفقا للإرادة". وفقًا لكراولي يتضمن السحر تحويل الذات (وفي نهاية الأمر كل واقعنا الاجتماعي) من خلال أعمال سحرية محددة تركز على الخيال والإرادة على التغير. تشمل هذه الأفعال الجنس والتأمل والأداء الإبداعي الذين يشبهون بشكل كبير العروض الفنية أو العروض الطقسية.

إيقاع السحر

عملية صنع الفن هي عملية تأملية في جوهرها تقع بين عوالم الاسترخاء والتركيز بشكل يشبه التدفق، ما يخلق في النهاية لحظات من التنوير والتبصر، ويرى كثيرون أن العملية الفنية نفسها تمثل أحد أشكال السحر، حيث الإيقاع المتكرر لفعل معين، الذي ينتج عنه حالة تأملية من عقل الفنان.

تمثل الأعمال الفنية رؤى خاصة للعالم لا تفهمها العين المجردة، كما أنها تمثل لحظات أقرب لفقدان السيطرة عندما تتشكل الأفكار الخفية في عقل الفنان لتتحول إلى عمل فني نهائي من خلال قوة الإرادة وقوة الخيال والحاجة إلى طرق تواصل غير تقليدية.

رغم مرور الوقت وتجاوز العلم والعقلانية تلك الأفكار، تمسك الفنانون بالقدرات غير المحدودة للعقل، واستخدموا الفن لإطلاق العنان لهذه القدرات متمثلة في تحليل الأحلام والتداعي الحر والفن تحت تأثير الغياب عن الوعي والتحليل النفسي لفهم الذات البشرية وتحويل ذلك الفهم إلى منتج بصري.

أظهر سيجموند فرويد، مثلًا، أن الكثير من النشاط العقلي يحدث على مستوى اللاوعي، أو من خلال عالم الأحلام التي تشبه عوالم التنجيم والسحر، تلك العوالم التي ترسخ لحرية الفكر والتحرر من مفروضات العالم المادي وهو ما ظهر بوضوح في الحركة السريالية التي اعتمدت بشكل كامل على العقل الباطن واللاوعي والتدفق الحر.

أدى استيعاب الفنانين المعاصرين لهذه الموضوعات القديمة إلى الحفاظ على الوجود السحري الغامض في الفن وامتداده حتى وقتنا الحالي، بل والعودة إليه أكثر في الوقت الحالي مع دعوات العودة إلى الطبيعة في الفن ضمن أفكار العودة إلى الطبيعة في الحياة بشكل عام، التي زادت في العامين السابقين منذ بداية ظهور الوباء والانعزال البشري الجسدي الذي جعل البشر يبحثون عن طرق جديدة لمعرفة أنفسهم ومعرفة العالم من حولهم بعيدًا عن المادية المفرطة التي طغت على كل شيء.

هنا محاولة للاقتراب من الطقوس التي اشتملت ممارستها على رسوم وأقنعة وكتابات كشرط أساسي لانعقادها، وبعض الأعمال الفنية التي اعتقد أن لها قوى سحرية، لفهم كيف يمكن أن يصبح الفن والسحر أداتان لفهم الوجود، وكيف ارتبطا معًا منذ ما قبل التاريخ ومع تطور الحضارة رغم اختلاف الجغرافيا.

سحر البصيرة

لا يوجد إجماع حول معاني فنون ما قبل التاريخ، لكن المؤرخين والعلماء يعتقدون أن رسوم الكهوف تحديدًا، رسمت في إطار المعتقدات والممارسات التي تركز على التواصل مع قوى روحية مختلفة، من أجل الحصول على فوائد دنيوية مثل شفاء المرضى أو تسهيل الصيد، أو حتى مرافقة أرواح الموتى للعالم الآخر.

تضمنت بعض الممارسات السحرية الذهاب إلى كهف عميق لحضور طقس يدخل خلاله الشامان (الساحر الديني) في حالة من النشوة، ويرسل روحه للعالم الآخر لتتواصل مع الأرواح القديمة للحصول على بركتهم، وكأن هذه النقوش والرسوم تعاويذ للانتقال من عالم إلى عالم آخر.

من نقوش الكهوف- الصورة: أرشيف الإنترنت

أما عن النقوش التي تتضمن حيوانات مثقوبة بالسهام مثل تلك الموجودة في كهف ألتاميرا في أسبانيا، فكانت ترسم في إطار ما يسمى بالصيد السحري، أو "سحر البصيرة" وهي واحدة من الفرضيات التي تقول إن الإنسان البدائي كان يحاول التأثير على الحيوانات من حوله سواء لاصطيادها أو لتجنب شرها عن طريق رسمها في الكهوف وطعنها في الرسم مما يؤثر عليها في الواقع، وهي فكرة تشبه إلى حد كبير فكرة العروسة الورقية التي كانت تصنعها الجدات قديمًا، وتقوم بوخزها بالإبرة لمنع الأذى والحسد عن شخص بعينه عن طريق ثقب العروسة الورقية التي تمثل أعداءه أو كارهيه، بحيث يتأثر هؤلاء الأعداء في الواقع.

مصائد الروح

يؤمن الأفارقة أن لكل شيء قوة داخلية، حتى الظواهر الطبيعية أو المعاني المجردة، فظاهرة مثل الريح أو معنى عامًا كالخصوبة يمتلكان قوة في داخلهما، لذلك فكر الأفريقي في صناعة أفخاخ لاقتناص تلك القوى، فعمد إلى صناعة الأقنعة من الخشب، وكان استخدام القناع مرتبطًا بأماكن توافر الأخشاب، وعلى الرغم من سهولة نحت اللينة منها، لكنهم استخدموا الصلبة التي تكون أثقل في ارتدائها، لأن جوهر الطقس مرتبط بالمعاناة والصعوبات التي يتحملها الراقص.

أحد الأقنعة الإفريقية- الصورة: أرشيف الإنترنت

القناع من دون الزي والرقص والموسيقى لا معنى له، أي أن الطقس من دون شكله الفني ناقص، لأن هذا الترابط جزء من النظرة الإفريقية للعالم، وجزء من الروحانية التي توطد علاقة الإفريقي بالطبيعة التي يحاول أن يبقى على اتصال متناغم معها طوال الوقت، لا السيطرة عليها.

لكن إفريقيا تعرضت لاستغلال كبير من قبل القوى الاستعمارية، ولم يتعامل المستكشفون الأوربيون مع تلك الأقنعة سوى على أنها مقتنيات مثالية لتزيين الجدران لا أكثر، حتى جاء عالم الإثنوغرافيا الألماني ريتشارد أندري الذي حاول فهم أصل هذه الأقنعة، وساعدت أبحاثه على تغيير بعض المفاهيم القاصرة تجاهها.

فتح جهد أندري بابًا واسعًا لفنانين معاصرين مثل بيكاسو وموديلياني وآندرية ديرين لاستلهام تصاميمهم الحديثة المجردة الجريئة من الأقنعة الإفريقية البدائية، رغم أنها لم تصنع في الأساس من أجل الفن، ولم يكن مفهوم الفن موجودًا كذلك في البيئة الإفريقة البدائية، لكنها كانت مجرد أشياء طقسية ونفعية تستخدم في مناسبات معينة.

افتح فمك لتعبر إلى لعالم الآخر

في مصر القديمة كانت ثمة وثائق دينية ونصوص جنائزية صيغت لتكون دليلًا للميت في رحلته للعالم الآخر، هي ما يعرف اليوم باسم كتاب الموتى، الذي يضم مجموعة من التعاويذ المكتوبة لتحرير روح الملك المتوفى من جسده، ومساعدتها للصعود إلى السماء.

من أهم ما ورد في ذلك الكتاب هو طقس "فتح الفم"، فكما تبدأ حياة الطفل بفتح فمه للصراخ ثم الرضاعة، فإن فتح فم المتوفي يعطيه القدرة على الكلام وتلاوة التعاويذ والابتهال للآلهة، وحتى يتحقق ذلك، كان الكهنة يمارسون الطقس ليس على مومياء المتوفى فقط وإنما كذلك على تماثيله باستخدام عصا معدنية، ومن ثم يطهرون الجثة ويبخرونها قبل أن يدهنوها بالزيوت، وهو طقس يتمثل الدور الأسطوري الذي قام به حورس مع أبيه أوزير في بعض نصوص أنوبيس.

حونيفر يقوده أنوبيس- صورة من كتاب الموتى

في الصورة نجد مومياء الكاتب حونفر يقودها أنوبيس للحساب، وتظهر زوجة حونفر وابنه بالإضافة إلى ثلاثة كهنة يمارسون الطقوس، بينما الكاهنان ذوو الأوشحة البيضاء يمارسان طقس فتح الفم. على يمين المشهد السفلي توجد طاولة مرصوص عليها مختلف أدوات ذلك الطقس.

طقس فتح الفم- صورة من كتاب الموتى

يسجل الكتاب في متنه كذلك، عددًا من النقوش التي تعد مصادر أولية لحياة الملوك وإنجازاتهم، وتفاصيل عن شخصية كل ملك، بالإضافة إلى إرشادات للمتوفي فيما يتعلق برحلة الكا (الروح) من الجسد إلى الحياة الأبدية بين النجوم حيث ستعيش الروح مع الآلهة، فثمة أكثر من مئتي إلهة وإله، دونت أسماؤهم في الكتاب لمساعدة روح الملك على الانتقال من الحياة الأرضية إلى الحياة الآخرة المعروفة باسم آرو (حقل القصب)، ولكي يصل الملك بروحه إلى حقل القصب عليه أن يراوغ الأرواح الشريرة التي تحاول تضليله، ويجتاز محكمة أوزوريس ومعه 42 قاضيًا في قاعتها.

الكأس المقدسة

في أوروبا كذلك ثمة أساطير كثيرة حول عشرات الكؤوس التي يزعم قداستها وعثر عليها خلال القرن الـ12 والـ15، لكن لكأس سباستيان الذي صممه ونفذه الفنان الألماني هانز هولباين الأكبر عام 1497 مكانة خاصة، حيث يعد من أجمل الحاويات المزخرفة التي صنعت في عصر النهضة لحفظ رفات القديسين، وكان يعتقد أن البقايا والرفات داخل الكأس المقدسة عمومًا تمتلك قوى سحرية، ولها قدرة على جلب الحظ السعيد وحماية الناس من الطاعون. تلك الكأس هي التمثيل البصري والمادي للمفاهيم الروحانية، دون وجود هذا التمثيل لن يجد الناس ما يجسد أفكارهم الروحانية.

لوحة استشهاد القديس سيباستيان، لأنتونیو دل پولایولو- الصورة: ويكيبديا برخصة المشاع الإبداعي

تحتوي قاعدة التمثال المزينة على الطراز القوطي على قطع خشبية يمكن رؤيتها من خلال نافذة موجودة على جانب واحد، ويعتقد أن تلك القطع الخشبية هي شظايا السهام التي اخترقت جسد القديس سباستيان وقتلته.

وفقًا للنقش الموجود على القاعدة كان التمثال بمثابة قربان نذري للحماية ضد التعاسة والأمراض، حيث كان القديس سباستيان أحد أشهر القديسين في أواخر العصور الوسطى؛ عاش في روما في القرن الثالث الميلادي، وكان ضابطًا في الحرس الإمبراطوري الروماني في عهد الإمبراطور دقلديانوس، وحكم عليه بالإعدام بسبب معتقداته المسيحية.

نحت ذلك التمثال للقديس وجسده مثقوبًا بالسهام ومصلوبًا على شجرة، يفترض أن ذلك النموذج دخل الفن لأول مرة عندما اشتراه الأمير الروسي بيتر سولتيكوف، الذي اشتهر بحبه لفنون العصور الوسطى.

التلاشي في برج الملح

على الضفة الشمالية لنهر التايمز، نحت السجين هيو درابر جدارية على حائط سجنه الواقع في برج لندن والمعروف باسم برج الملح، الذي استخدم كسجن قديمًا.

كان درابر متهمًا بممارسة الشعوذة، ولم يمنع ادعائه بحرق كتبه السحرية كلها سجنه في البرج، وبالنسبة لرجل يحاول نفي علاقته بالسحر، يمكن اعتبار تلك النقوش دليل إدانة كامل له.

نقش برج الملح الخاص بهيو درابر في برج لندن. 

لم يكن درابر قسيسًا أو باحثًا جامعيًا، كان مجرد صاحب فندق صغير اهتم بالسحر والتنجيم، ويمكن مقارنة نقوشه بالنقوش المرسومة في كتب السحر التي نفى درابر امتلاكه لها.

نحت درابر كرة فلكية كبيرة ومفصلة لعلامات زودياك التي تستخدم في علم التنجيم الغربي، الرسم معقد ومليء بالأرقام والخطوط المتقاطعة التي تنقل إيمان درابر العميق بقوة النجوم، وبالقرب من الرسم يوجد رسم آخر له نفس العمق والدقة الهندسية مع تفاصيل أقل كتب بجواره "صنع هذا المجال من قبل هيو درابر في 30 مايو (أيار) عام 1561".

لم يعرف أحد على مر التاريخ ماذا حدث لدرابر، لم تسجل وفاته في سجلات البرج، ولم يسجل هروبه ولا أي شيء عنه، ربما نجحت تجربته التي قام بها في برج الملح، ونجحت نقوشه في جعله يختفي مثل نفخة من الدخان.