تصميم: يوسف أيمن- المنصة

ست أرواح تكفي للهو: حوار مع دعاء إبراهيم حول الأسطورة والبارانويا والوعي

بطل ليس ببطل، وموجودات تتحدث، زمان مُفكك يتسع ويضيق ويتمدد بداخل عقل البطل ليسجننا بداخله ولا نستطيع الفكاك. فعن أي شيء تتحدث رواية دعاء إبراهيم ست أرواح تكفي للهو؟

تبدأ الرواية ببطل يسير في أحد الشوارع الضيقة المظلمة محاولًا الهروب من شخص ما يتبعه لكن ينتهي به الأمر بقتله؛ ليكتشف أن ذلك المقتول هو جاره "سعيد"، دائم السخرية منه. وعندما يذهب إلى جنازة جاره يرى قطته تدخل تحت ملاءة سريرة فيعتقد أنها أعطته أرواحها الست كي يعود وينتقم منه.

تأخذنا الرواية في رحلة مذبذبة وثقيلة مثل الجاثوم، لا نعرف هل ما يحدث يحدث فعلًا؟ وهل ما حدث حدث بالشكل الذي حُكي به؟ هل تخون "نهى" زوجها مع المرآة؟ وهل تتحرش العصا بالبطل في المصحة النفسية والجميع نيام؟

إننا أمام رواية قاسية كالواقع، كاذبة وملتوية مثله، ستجعل مشاعرك تتأرجح بين الكراهية المحضة والشفقة لأبطالها، بسلبيتهم وبؤسهم، وتغافلهم عن الحقائق.

افتتاحية مميزة

"اليوم قتلت أحدهم؛ احتضن السكين بين ضلوعه في عناق طويل، وربما أبدي! التصقت عيناي بالسكين الذي لم يخطئ هدفه، والتفتُّ مذعورًا لأطمئن أن الزقاق خالٍ من الرفقاء، لم يرني أحد لحسن الحظ".

على غرار جريجور سامسا الذي استيقظ ليجد نفسه حشرة في مسخ كافكا، وغريب كامو الذي لا يعرف إن كانت أمه توفت اليوم أم يوم أمس؛ تلقي بنا دعاء إبراهيم في وسط روايتها ست أرواح تكفي للهو داخل الحدث الرئيسي الذي تتمحور حوله الرواية؛ إننا أمام بطل/ قاتل، البطل الذي اقترف الخطيئة الأرضية الأولى، الخطيئة التي تلحق دائمًا بابن آدم، الذي لا يستطيع أن يفر منها مهما حاول.

نعرف منذ اللحظة الأولى أننا أمام بطل غير عادي، بطل قاتل، حفيد قابيل، لكنه جبان، مذعور، خائف. وتتضح أيضًا معالم مرضه (جنون الارتياب) منذ الصفحات الأولى فهو متوهم أن شخص ما يسير خلفه، يراقبه، ويوصل أخباره إلى أشخاص ما.. كيان ما هدفه في الحياة تنغيص عيشته.

في البدء كانت الأسطورة

أقامت الكاتبة روايتها حول الأسطورة الشعبية بأن للقطة سبعة أرواح، تلك الأسطورة التي يقال إنها تعود إلى الفراعنة وتقديسهم للقطط؛ لكن المصادر تعددت، ومعها اختلف عدد أرواح القطط فهي أحيانًا ستة وفي أحيان أخرى تسعة، لكن لا يهم؛ فاستخدام الكاتبة للأسطورة الشعبية كان موفقًا في عدد من النواحي؛ فالرواية تدور في منطقة شعبية، يتحدث أهلها بلغة بسيطة، يتشرب ساكنوها بالأمثال الشعبية وأساطيرها.

غلاف رواية ست أرواح تكفي للهو رواية ست أرواح تكفي للهو

ولكن، لماذا استعانت الكاتبة بالأسطورة الشعبية، وكيف تبلورت الرواية في رأسها؟ تجيب دعاء "لم تكن الفكرة الأولية للرواية تعتمد على الأسطورة الشعبية بل كانت بدائيَّة للغاية مقارنة بما وصلت إليه الرواية. الفكرة الأولية كانت عبارة عن شخص ظن أنه قتل شخصًا آخر، ثم بدأ رحلة البحث عن المقتول والعودة في النهاية إلى البداية ذاتها. وأثناء كتابة المشهد الأول تداعت الأفكار حول القطط والأرواح الستة مما يجعل القتل لا ينتهي؛ أو بالأحرى لا يتحقق إذ أن المقتول يمكنه العودة إلى الحياة مرة أخرى".

لطالما ارتبطت القطط والنساء معًا في الخيال العام، منتقلة من مصر القديمة إلى العصور الوسطى وحتى مطلع القرن العشرين والوقت الحاضر أيضًا؛ الكثير من الكتاب كانوا يرون أن هناك ارتباط ما بين المكر والأنوثة. وغالبًا ما كان يشار إلى النساء اللواتي يعشن مع القطط أنهن مجنونات أو عاهرات؛ وتلك هي الفكرة التي سيطرت على البطل طوال حياته.

"كل يوم يمر عليّ، ونهى تتقلب في نومتها، أُفكر، ربما تخونني كقطة مع أي ذكر يرمقها في الشارع! وللقطط أرواح عدة! ستشم رائحة الدم الممزوج بالمطر وتموء، تتشمم الملقى هناك وتلعقه بلسانها الحار لتصلح ما فسد فيه، وما فسد فيه ليس سوى ثقب ينفذ إلى القلب، فقط ثقب بحجم عقلة الإصبع يسهل إصلاح بإحدى أرواحها السبع، ستقول المرأة بجوار الجثة: ست أرواح تكفي للهو، والسابعة لك يا حبيبي المقتول".

كل النساء عاهرات في نظر البطل، أمه، وزوجته وزوجة جاره، يظن أن زوجته تخونه مع مرآة الغرفة، تشتكي ضعفه، وجنونه، لكنه لا يرى ذلك في المشردين والمجانين؛ وكأنه يكن لهم احترامًا خاصًا.

يرى عجوزًا تذكره بأمه فيطلب منها احتضانه ويستلقي جوارها فوق الرصيف، لكنه لا يستطيع أن يحتضن أمه لشعوره الدائم أنها تحاول قتله.

كانت صورة الأب الغائبة في العمل تعلن وجود لبنة ما ناقصة في الحدث، شيء ما لم تأتِ حتى على ذكره، لهذا كان لا بد أن أسألها عن عن غياب صورة الأب أو المعادل الذكوري للمرأة العاهرة في الرواية، فأجابت "فكرت في الحديث عن موته في حوار بين الأم والابن؛ كأن مرض الابن كان سببًا بشكل أو بآخر في وفاته، لكن الأحداث الكابوسية تلاحقت وشعرت أن ذكره ربما لن يضيف شيئًا؛ خصوصًا وأن الرواية كلها تعتمد على التداعي الحر من داخل البطل إلى خارجه".

الكاتبة التي لم تنقذ القط بل قتلته

ما الذي يجعلنا نتعلق ببطل رواية ما؟ أن نراه يفعل شيئًا جيدًا في بداية الرواية؟ أن نتعلق به؛ كأن يكون البطل قاتلًا متسلسلًا ولكن هناك إشارة إلى أنه يقتل الرجال السيئيين فقط، أن ذلك الرجل مجرم كما يبدو للوهلة الأولى ولكنه ينقذ كلبًا من يد أطفال يضربونه، يطعم قطة، يترك فتات خبز لحمامات.. وأشياء من هذا القبيل تعجلنا نتعلق بالبطل، نظن به الخير حتى وإن كان مجرمًا أو عدوانيًّا أو بغيضًا، طبيعتنا البشرية تجعلنا نبحث عن الشيء الجيد، ونتفهم أن جميعنا بشر ممتلئين بالنواقص لكن الخير دائمًا موجود، وسينتصر، لكن هذا لم يحدث في هذه الرواية.. لأن هذا لا يحدث في الواقع أيضًا.

لم تقدم لنا دعاء إبراهيم بطلًا نقع في حبه، أو نتعاطف معه بأي شكل من الأشكال؛ فطوال قراءتي للرواية كنت خائفة منه، متوجسة، أرغب في معرفة ما سيفعله وكيف سينتهي به الأمر، ربما شعرت ببعض الشفقة نحوه، عما حدث له في المصحة، وكون تلك التحرشات والتعذيب أمرًا حقيقيًّا.

عندما أخبرت الكاتبة عن توجسي من البطل، قلقي الدائم طوال الصفحات عند القراء، وسبب خلقها لبطل بهذا الشكل يخشاه القارئ لا يقع في حبه قالت "كان الهدف من الرواية رؤية العالم من خلال أعين أولئك المرضى، رؤيتهم الخاصة، أن يرى القارئ الجزء الذي لا يستطيع رؤيته في الواقع".

وهذا ما يحدث في الواقع؛ نحن نخاف هذا النوع من المرضى، المرضى الذين يتحولون، يتوهمون، يكونون في لحظة قادرين على القتل، قد يقتلك وهو يظن أنه يمارس الحب معك كما فعل البطل مع زوجته.

لكن هل أضعف هذا الرواية بأي شكل؟

يقول السيناريست الكبير بليك سنايدر في كتابه إنقاذ القط "إنقاذ القط هو المشهد الذي نلتقي فيه بالبطل والبطل يفعل شيئًا، مثل إنقاذ قط، إنه المشهد الذي يحدد من هو، ويجعلنا نحن المشاهدين نُعجب به". وفي حالة دعاء إبراهيم هي لم تنقذ القط بل قتلته.

رغم سوداوية الرواية إلا أنها متسقة، فالنساء المتمثلات في القطط عدواته، هو لن يستطيع قتل زوجته لكنه يستطيع فعل ذلك بالقطة، هو لا يستطيع التحرش بزوجة جاره التي يكن لها مزيجًا من الرغبة المشبوبة بالكراهية والاحتقار لكنه يتحرش بالحيوان الضعيف ظانًا منه أنها هي.. ورغم عدم حبي للبطل إلا أنني أشفقت عليه حقًا.. إنه مريض، والمرضى يكونون في معظم الأحيان مرعبين، نخشاهم لا نحبهم، وقد خدم هذا الرواية.

"لما ببدأ أتعب بأبقى شايف أني مش تعبان، وساعتها ممكن أأذي ناس بحبها. مشكلة تعبنا عن عيان السكر والضغط إنه بيجي في أصعب حتة. جواك، مخك، تخيل لما مخك يضحك عليك، استحالة تقدر تصدق حد غيره، علشان كده بحاول آخده على قد عقله".

ما قاله محمد كتاتونيا رفيق البطل في المصحة النفسية، الذي كان ذات يوم مستشارًا، ولكن انتهى به المطاف محجوزًا في المستشفى، ليطرح عدد من التساؤلات الهامة أولها: من نُصدق؟ من يخبرنا أننا مجانين بالفعل أم ذاتنا؟ ماذا نفعل عندما يضحك علينا عقلنا؟ إذا استيقظنا يومًا ما ولم يعد رأسنا يفكر بالطريقة ذاتها.. بدأنا نرى أشياءً ليست موجودة، ونتخيل أحداثًا لم تحدث؟

الخلاص السيزيفي لراوي كاذب

وسط عالم الرواية القاسي طرحت الكاتبة عددًا من الأسئلة النفسية بطريقة ذكية، لكن هل عمل الكاتبة كطبيبة كان سببًا في كتابتها لرواية نفسية؟

تجيبنا دعاء إبراهيم على ذلك "كوني طبيبة لم يكن السبب وراء كتابتي لرواية نفسية. يمكن القول أنها رؤيتي للعالم. إنني أرى أن العالم يقبع داخل تلك النفس البشرية. إنها اللغز الذي سيظل محل تساؤل. أعمالي السابقة أيضًا تدور في أجواء نفسية ولكن ليس بنفس الدرجة الموجودة في "ست أرواح تكفي للهو". قد يكون لدراسة الطب أثر في تشكيل وعيي و تفكيري حتى لو لم يكن ذلك بطريقة مباشرة".

تضعنا الكاتبة وسط عالم مغلق كدائرة، يعود فيه البطل ليلقى مصيرًا كان يحسب أنه يهرب منه، يطعن الطيف الذي يؤرقه ويسير خلفه ويحاول الاقتناص منه، كل شيء كُتب بعناية شديدة، لتنغلق الدائرة بنهاية أسطورية مكللة معاناة البطلة بالقدر الذي يستحقه.

تقول دعاء موضحة سبب اختيارها لتلك النهاية "إن الأفكار هي التي تسوق بطلها إلى مصيره، فكل شيء بدأ بفكرته، وكل شيء انتهى بها، لقد خانته أفكاره فانتهى به الأمر بخيانة نفسه بشكل ما".

وكبطل إغريقي انتهى من حيث بدأ، بدا وكأنه يعاني طوال الوقت ويسير في دائرة مفرغة حتى وصل إلى خلاصه الذي ليس بخلاص، وكأنه عقاب إلهي لما فعله (لما توهم أنه فعله). وأيضًا ليس هناك خط واضح بين الحقيقة والهلاوس في رأس البطل، أو ما يرويه؛ فالراوي هنا كاذبًا.

ويُطلق مصطلح الراوي الكاذب أو الراوي غير الموثوق به Unreliable Narrator على الشخصية التي تروي قصة تفتقر إلى المصداقية، وقد كان أول من صاغه أو الناقد الأدبي واين سي بوث في كتابه بلاغة الخيال الصادر عام 1961.

هناك أنواع مختلفة من الرواة غير الموثوق بهم، ويمكن للقارئ اكتشافهم بطرق مختلفة؛ أحيانًا تستطيع اكتشاف ذلك من السطور الأولى، وأحيانًا أخرى تدريجيًّا مع تدافع الأحداث.

ذلك الراوي الذي نتحدث عنه الآن هو كاذب بالطبع، لكن ليس بإرادته؛ مما يجعل الأمر محيرًا، فنحن نعرف أنه كاذب/مريض لكن هل يكذب في كل شيء؟

ينتابنا الشك طوال الرواية بينما يتداعى عالم البطل مازجًا الحقيقة بالخيال، جاعلًا رأسه يذوب.. يسيح إلى درجة يرغب معها في وضعه بداخل فريزر.

يظن أن زوجة جاره القتيل تحاول إغواءه، عضت رقبته فسمته بشكل ما، إنها قطة أيضًا، عاهرة تحاول دفعه إلى الجنون.. وشيئًا فشيئًا تتضح الرؤية، ولا نستطيع الجزم إن كان أي شيء مما حكاه البطل حدث من الأساس.

هذه الرواية صعبة على الجمهور في التلقي، فهي وإن كان حوارها جاء بالعامية لكسر حدة النص والأفكار؛ إلا أنها ما تزال صعبة، لأننا لا ندرك طوال الوقت ما الذي حدث حقًا وما الذي لم يحدث إلا في رأس البطل.

جويس وبطل يسير على أطراف أصابعه

منذ السطور الأولى نجد أنفسنا أمام رواية تنتمي إلى تيار الوعي، الذ هو مصطلح نفسي، ابتدعه الكاتب الأمريكي وعالم النفس وليام جيمس.

تستطيع التعرف بسهولة على رواية من روايات تيار الوعي عن طريق مضمونها؛ فهو أكثر ما يميزها، لا السرد أو التكنيكات أو الموضوع، إنها رواية تحتوي على وعي شخصية أو عدد من الشخصيات.

الوعي هو وعي الإنسان بالتجربة الإنسانية وهذا كاف بالنسبة للروائي.
- روبرت همفري

تيار الوعي ليس مرادفًا للمونولوج الداخلي، لكنه أدب سيكولوجي من الدرجة الأولى، وإن كان مصطلح تيار الوعي فضفاضًا قليلًا وقد يضم تحته عددًا من الروايات والأعمال التي تبدو في ظاهرها تنتمي إلى تيار الوعي ولكنها ليست كذلك.

في رواية ست أرواح تكفي للهو دعاء إبراهيم تركز على وعي البطل، لا الذكاء، لا الذاكرة، وهما مصطلحان كثيرًا ما يُخلط بينهما وبين "الوعي"، وعي البطل هنا بكل هواجسه، خرافاته وتهيؤاته، في تحليلها لطبيعته الإنسانية في قالب أدبي محكم مما يجعل القارئ نفسه متحيرًا.

يقول روبرت همفري في كتابه تيار الوعي في الرواية الحديثة "الوعي هو وعي الإنسان بالتجربة الإنسانية وهذا كاف بالنسبة للروائي، هذا لا يستثني شيئًا على نحو كلي، فهو يشمل الأحاسيس والذكريات، والمشاعر، والمفاهيم والأوهام، والتخيلات وتلك الظواهر التي ليست فلسفية ولكن لا يمكن تفاديها باطراد، وهي التي نُسميها الحدس والرؤية، والبصيرة".

وهذا هو ما نجده في رواية ست أرواح تكفي للهو، نحن نغرق في وعي بطلها بذاته وبالموجودات حوله، نرى الحياة من وجهة نظر مرآة وعصاة ونتحد مع الكون لنجد أنفسنا أمام رواية معقدة؛ تشبه إلى حدٍ ما "يوليسيس" للكاتب "جيمس جويس"؛ في الأبطال يدورون في دائرة واحدة، كذلك طريقة السرد المركبة، التي تتغير من الضمير الأول (البطل) إلى الموجودات الأخرى (المرآة والعصاة) متخذة شكل السيناريو والمسرحية؛ مثل الفصل السابع المعنون بـ "مشاهد متفرقة رأتها المرآة خلسة وأخبرتنا" الذي بدأته الكاتبة بـ

"مشهد رقم (٣):

يُفتح الستار على حجرة نوم مقيتة؛ والحقيقة أنه مفتوح دومًا…"

لتنتقل بنا من الضمير الأول إلى الافتتاحية المسرحية.

بطل دون اسم أو حكم تعسفي

يعد التفكيك من أهم الحركات النقدية ما بعد البنيوية، وقد صاغ مصطلحه الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا؛ موضحًا أن الناس يميلون إلى التعبير عن أفكارهم من منظور التعارض الثنائي (أبيض/أسود، مذكر/مؤنث/ الوعي/اللاوعي..) تلك التعارضات تؤدي إلى وجود أحكام مسبقة وتعسفية؛ لذلك اقترح دريدا محو الحدود بين التعارضات الثنائية واستخدام بدلًا عنه التسلسل الهرمي الذي يتضمن طرح المعارضات في شكل أسئلة.


اقرأ أيضًا: لماذا تحلم النساء بالخوف: قراءة في روايات منصورة عز الدين

الروائية منصورة عز الدين- الصورة: راندة شعث، بإذن للمنصة

وهذا ما قدمته لنا أيضًا دعاء إبراهيم؛ فبطلها بلا اسم، لأن هذا لا يهم حقًا، بلا أب (لم يُذكر) لأن ذلك لا يهم أيضًا، ليس سيئًا أو جيدًا إنه مجرد فرد، بشره وخيره إن وُجِد، بدون أحكام مسبقة بدون تقييم؛ وضعت لنا الكاتبة خامة الشخصية، ليشكلها خيالنا كما نشاء، لكننا في النهاية سنجد أننا أيضًا غير قادرين على الحكم، فقط التساؤل؛ ماذا سنفعل إذا كنا مكانه؟ إذا أصبح عقلنا ضدنا ذات صباح؟

يتضمن التفكيك القراءة الدقيقة للنصوص لإثبات أن أي نص له معاني متناقضة لا يمكن التوفيق بينها ، بدلاً من أن يكون الأمر منطقيًا. كما أوضح الناقد الأدبي الأمريكي جي هيليس ميللر في مقال بعنوان Stevens 'Rock and Criticism as Cure "التفكيك ليس تفكيكًا لهيكل النص؛ ولكنه دليل على أنه قد فكك نفسه بالفعل. أرضيته الصلبة على ما يبدو ليست صخرية؛ بل هي رقيقة كالهواء".

الزمان على سبيل المثال في الرواية هو ليس زمانًا بالمعنى الحرفي؛ بل يأتي في شكل قفزات ولقطات متنوعة تنقلنا من مشهد لمشهد بشكل تتداعى فيه الأفكار ويتشظى فيه النص ذاته، ذلك التنوع في البناء الذي جاء مقصودًا ليخلق لنا رواية غاية في الإبداع تضع دعاء إبراهيم على قائمة الكتاب الشباب الواعدين.

دعاء إبراهيم محمد كاتبة مصرية ولدت فى مدينة الإسكندرية، حصلت على بكالوريوس الطب والجراحة جامعة الإسكندرية عام 2011، صدرت لها مجموعة قصصية عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بعنوان نقوش حول جدارية عام 2013، ومتتالية قصصية بعنوان جنازة ثانية لرجل وحيد، عن دار منشورات الربيع عام 2015، التي ترشحت إلى القائمة القصيرة لجائزة ساويرس الأدبية لمرتين خلال دورتين متتاليتين.

وصدرت لها رواية بعنوان لآدم سبع أرجل عن دار منشورات الربيع 2017، وآخر أعمالها رواية ست أرواح تكفي للهو عن دار منشورات إبييدي، التي حصلت على جائزة غسان كنفاني للرواية العربية المقدمة من مؤسسة فلسطين الدولية، كما وصلت الرواية إلى القائمة القصيرة لجائزة ساويرس الثقافية في دورتها الـ17، لأفضل عمل أدبي فرع المؤلف الشاب 2021.