من فيلم أبو صدام- الصورة: موقع السينما دوت كوم

أبو صدام: صناعة أقنعة الذكورة على الطريق

أينما وجدت المدن شق الإنسان الطرق داخلها؛ يقطعها يوميًا من الداخل إلى الخارج، ليخترق مساحات ضيقة ومزدحمة إلى الجانب من حياته، فيصبح الطريق رفيقه وانعكاس لعيشه في الوقت نفسه.

أثناء مشاهدة فيلم أبو صدام للمخرجة نادين خان في عرضه الأول بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، سألت نفسي هل يتماهى الجمهور الأجنبي داخل القاعة مع حكاية سائق التريلا الذي يعاني من مشاكل ذكورية؟ الأمر أكثر تعقيدًا من كشف الانكسارات الداخلية لرجل مصري قد يعرض حياته للموت ليحافظ على كونه رجلًا.

رموز الطريق

ينتمي أبو صدام إلى أفلام الطريق، وهو نوع سينمائي يكون الطريق فيه البطل إلى جانب قائد السيارة والشخص الجالس بجواره المختلف عنه تمامًا، ومن هنا ينشب الصراع. قليلة هي الأفلام المصرية التي تنتمي إلى هذا النوع، نذكر منها، مثلًا: ليل خارجي، علي معزة وإبراهيم، مشوار عمر، مجانين على الطريق، عفاريت الأسفلت، وهي أفلام تكون الرحلة فيها وسيلة في ذاتها ومنها تبدأ الأحداث، لكن تطور الشخصيات على مدار الطريق هو الهدف الرئيس.

الإعلان التشويقي لفيلم أبو صدام


تنطلق أفلام الطريق من نقطة يتجاهل فيها البطل شخصيته الحقيقية، ينكرها ويتنصل منها، لكنه بمرور الوقت يجد نفسه في مكاشفة ذاتية معها ومع رفيقه على الطريق، وعليه أن يتقبل حقيقته تلك، بل ويغيرها، وهنا يكون الطريق هو المساحة الممهدة تحت أقدام البطل ليكتشف جوانب شخصيته التي ستتغير حتمًا في النهاية، وهو تغيير يمر بمحطات تتصاعد دراميًا كلما قطع البطل أميالًا جديدة، فتتلاشى مع الوقت الجهة التي يقود سيارته لأجلها، ويصبح ما يتكشف له من ذاته وذوات الآخرين هو الأبرز.

لم يكن اختيار التريلا كسيارة يقودها أبو صدام اختيارًا مجانيًا، فكل رموز الطريق في الفيلم تحمل إسقاطًا ينعكس على البطل نفسه، ذلك الرجل الضخم العنيد الغاضب دائمًا، الذي يُعود إلى الطريق بعد انقطاع عن قيادة التريلات، والذي يرى نفسه ملكًا للطريق، والتريلا تمنحه تلك الزهوة المزيفة، ومن عليائه يرى السيارات حوله صغيرة والطريق من تحته طوعًا له. إنه الوهم الكبير بالسيطرة والسطوة، وهم أبو صدام الذي يتوارى خلفه قدر كبير من الانكسار الذكوري.

يقول أستاذ السينما بجامعة نيويورك ويليام ﭬﻲ كوستانزو"يجسد الطريق المفتوح الحريةَ والاستقلال، لكن الطرق كذلك تشتمل على أخاديد ومسارات متفرِّعة وانعطافات ونهايات مسدودة"، تضعنا جملة كوستانزو أمام المعادلة الرئيسة التي يتمحور حولها أفلام الطريق حيث اتساع المدى والحضور الطاغي للشعور بالحرية والاستقلالية لا يخلو من الشعور بالتضييق، وفي حالة أبو صدام يمكننا إضافة مفردة "التملك" لتكون الامتداد الثالث لشخصية البطل الذي يتحكم في الطريق من مقعد القيادة ويتحكم أيضًا في حياته ولكن عن بعد.

من جهة أخرى فكل المسارات المتفرعة، الاستراحات على قارعة الطريق هي مساحات لتهدئة إيقاع التشويق، وليلتقط البطل أنفاسه ويهضم المشاعر المتدفقة طوال رحلته.

بينما يمسك أبو صدام بزمام عجلة القيادة على طريق الساحل الشمالي فإنه يدير حياته عبر الهاتف، يسوي مشاكله مع زوجته في البيت، مع زملاء المهنة من سائقي التريلات الأخرى، ويفرض سطوته على الطريق الذي يمشي عليه وعلى التباع الجديد الذي يعمل معه (حسن/ أحمد داش). قبضة أبو صدام على "التارة" هي قبضة رجل يملك زمام أموره، لكن انفلات يده يعني اختلال توازنه التام. لكن من أين يأتي التوازن والاختلال؟

امتلاك الفراغ الافتراضي

تحمل شخصية أبو صدام على كتفيها الفيلم بأكمله؛ إنه الخيط الرئيس الذي تنسل منه تفاصيل الحكاية بينما تبدو الأطراف الأخرى بعيدة، ويقترب منها السرد على مهل؛ في البدء نتعرف على لمحات من ماضيه ونراقب انفعالاته التي تكشف شخصيته، هو رجل يرفض الاعتذار، عنيد، حاد المزاج والطبع، لا يفتح قلبه بسهولة لغريب، في أخر مرة قاد فيها التريلا تشاجر مع زميل له وكاد أن يودي بحياته وابتعد عن التريلات ثم عاد إليها من جديد، وعلى الجانب الشخصي فهو ليس زوجًا مثاليًا، تزوج مرتين ونفهم من التلميحات غير الصريحة التي تلقى في وجهه أنه عقيم، كما أنه لا يعامل زوجته سوى بالتجاهل أو العنف اللفظي. هذا الرجل يجاهد ليثبت صورة مختلفة عن نفسه، قناع يتوارى خلفه ولا يفضح مناطق الضعف بداخله، بل إنه يستميت للحفاظ عليها حتى لو كلفه الأمر التعدي على غيره غريبًا أو قريبًا.

يؤكد مؤلف الفيلم السينارست والشاعر محمود عزت، أن أبو صدام هو الرجل الذي يرى نفسه في انعكاسه على العالم من حوله، ويستميت ليجعل العالم مستجيبًا لصورته تلك عن نفسه، إنه ملك الطريق المسيطر. واستجابة الأخر له جزء من اكتمال صورته الشخصية عن نفسه.

لكن عزت لا يفضل حصر الفيلم بالكامل في مساحة الذكورة الهشة بقدر ما يهمه كشف مستويات عدة من الصراع، سواء صراع أبو صدام مع النساء، أو صراع الرجال مع بعضهم البعض. لعل الشعلة التي يتولد منها الصراعات تكمن بالأساس من داخل كل شخصية، من الرغبة المستمية في الحفاظ على مساحاتهم الشخصية، ممتلكاتهم، كلمتهم التي لا يهزمها أحد.

في المشهد الذي يلتقي فيه أبو صدام بعربي أخو زوجته، نقرأ من نظراتهما تاريخ طويل غير محكي من العداء والرغبة في فرض السيطرة، من له الكلمة الأخيرة على الأخر؟ الزوج أم الأخ؟ بالأحرى من منهما سيثبت أنه الأكثر رجولة من الأخر؟ كصراع الديوك في حلبة لاتخلو من المتفرجين.

من جهة أخرى لا يستحوذ أبو صدام على الكاميرا منفردًا، بل يجاوره الظل المصاحب أو الـside kick، حسن الشاب المراهق الذي يعمل تباعًا لديه، بينهما فروق عمرية ومهنية وحياتية، ووجوده في ذاته يكشف لنا جانب أخر من شخصية البطل.

يقول محمود عزت للمنصة إن حسن يشبه جيلنا وأجيال كثيرة من الشباب الذين يتعاملون مع الحياة والعلاقات بخفة شديدة، لكن خفة حسن غير محسوبة. لا يملك الفتى صورة عن نفسه بل يصنعها بشكل دائم ولحظي، يدخل في علاقة عبر الإنترنت مع فتاة من محافظة أخرى ويوهمها بحياة غير حياته، يرى العالم فقط من شاشة تليفونه ولا يملك قناعات أو صلابة في العلاقات بل يجسد ما يمكن تسميته بـ"سيولة الحياة الافتراضية".

لكن نشاطًا آخر لحسن يتكرر على مدار شريط الفيلم، حيث يحاول لسرقة أموال أبو صدام، وهي محاولة جديرة بالانتباه، خاصة فيما تبثه من تشويق داخل الأحداث، فتارة يسرق المال وتارة يعيده، وهكذا حتى نهاية الفيلم. لكن عزت لا يعزي ذلك التصرف الذي أضافه للشخصية إلى التشويق فقط، فحسن "يرى أنه أذكى ممن حوله، يجيد المراوغة والتلاعب بالكبار وكل من حوله، إذا كان أبو صدام رجلًا يحافظ على صورته وهيبته فإن حسن يمنحه هذه الهيبة، يعطيه قدره، "يستغفله"، وفي المقابل يتلاعب به من خلف ظهره ويسرقه، وهذا يعيدنا إلى مستوى من الصراع الخفي في الفيلم بين رجلين كل منهما يرى أنه الأعلى والأقوى من الآخر، إذا كانت قوة أبو صدام جسدية وانفعالية فإن قوة حسن في قناعته بقدرته على التغلب على أبو صدام بالحيلة والفهلوة، سهل أن يسرقه وسهل أن يخفي أثره تمامًا في لحظة ولا يعثر عليه أحد لأن حياته خفيفة، مثل الواقع الافتراضي، سهل أن تهدمه وتبنيه في لحظة".

يعيدنا كلام عزت إلى مفردة "التملك والسيطرة" التي تطارد المشاهد منذ بداية الفيلم، من الرجل الأكثر سيطرة من الآخر؟ كلاهما مقتنع أنه مسيطر ومتملك، لكن لا أحد منهما يملك شيئًا بالأساس.

الخيال لهزيمة الواقع

لدى البطلان إذن مشكلة متعلقة بالوعي بالذات أو الصورة التي يصدروها عن نفسيهما، وفي الفيلم أيضًا تلتقط الكاميرا في تكرار أبوصدام وهو ينظر أو يلمس صورة على تابلوه التريلا لطفل صغير يفهم ضمنيًا أنه ابنه، رغم ما تعكسه القصة عن عقمه، ويشير عزت إلى أن تلك الصورة جزء من الخلل الذي يعيشه أبو صدام، إنها جزء من الحكاية المزيفة التي نريد للناس أن يعرفوها عنا.

يمضي أبو صدام في الطريق ذهابًا وإيابًا برهانات متجددة أن أحدًا لا يعرف عنه شيئًا، ولأنه كتوم ولا يحكي الكثير عن نفسه يترك هذه الصورة لتكون جزء من الصورة الواهمة التي يحكيها عوضًا عن الكلام، وعوضًا عن الواقع الذي فشل فيه أن يكون أب.

أغنية من الفيلم


يصف الفيلسوف الفرنسي تزفيتان تودوروف الخيال بأنه حدث خارق يستوجب تغيير قوانين الواقع. إن الخيال هو استمرار دائم للدهشة، للقدرة على الانتصار على الواقع، وهو ما يظن أبو صدام حقًا أنه يجيده.

لم تكن صورة الابن وحدها هي الخيال الذي اختلقه أبو صدام، بل إنه يقرر أن يحكي لحسن عن واحدة من مغامراته الجنسية التي لا تنسى على الطريق، حكاية بدأت بصدفة، وامرأة تسبح عارية على قارعة طريق الساحل، امرأة أثبت معها رجولته وفحولته على مدار ثلاثة ساعات، وهو واحد من أذكى مشاهد المخرجة نادين خان التي جسدت من خلال الصورة الحكاية وكأنها حلم في عقل أبو صدام وعلى خلفية موسيقى تصويرية تشعل من حماس القصة التي نسمعها منه في الخلفية.

أبو صدام مثل أي حكواتي شعبي يعرف كيف يكون بطلًا في الحكاية التي يختلقها ويحكيها؛ رجلًا أمام هذه المرأة التي اختلق مغامرتها معه، ولأنه رجل يخشى على مكانته، رسم لها صورة النداهة التي تشكل خطورة عليه، ستقتله، ولينتصر لنفسه في الخيال نجا في أخر لحظة من مخاطر إغوائها، انتصر جنسيًا ونجح في الإفلات من براثنها التي لم يفلت منها رجال أخرين.

قد يفكر البعض لوهلة لماذا تختار المخرجة نادين خان، كونها امرأة، أن تحكي حكاية ذكورية إلى هذا الحد عن سائق تريلا وتباعه؟ لكن الحكاية في الفيلم لا تخلو من حضور المرأة رغم أنها تبدو هامشًا في حياة أبو صدام، غير أنها في واقع الأمر المتن كله.

تبدو النساء في حياة أبو صدام، كأنهن الصراع الأخر المناقض لصراعات البطل في عالم الرجال، وحضور المرأة دائمًا موتر ومربك لرجل مثله يسعى لإثبات رجولته، ويوضح عزت أن هذا مكون رئيس من رسم شخصية صدام "وجود النساء يوتره عندما لا يجد الاستجابة المتوقعة منهم، حينها يفقد البوصلة ويتصرف وفق أفكاره فهو الرجل الذي يتعامل مع النساء بفوقية، برغبة في السيطرة، في إدراك تام لأنه الطرف الأقوى الذي يأمر والمرأة أمامه هي بالضرورة الطرف الأضعف الذي يخاف وينصاع لكلامه".

يمكننا قراءة معادلة القوة والضعف في الإيذاء المتعمد من أبو صدام للفتاة التي تقود سيارتها على الطريق، موقف يبدو عابرًا لكنه يحمل رغبات شديدة في السيطرة وإثبات النفس، الفتاة تريد الانتصار لنفسها بتفادي ذلك السائق العنيد، وأبو صدام ملك الطريق الذي يريد أن يثبت سيطرته وشعوره بالقوة على الفتاة التي هي أضعف منه.

الأمر نفسه يتكرر في العلاقة العابرة التي نشأت مع الراقصة في الفرح، لكن اللافت أن الراقصة تنتصر لرغباتها وتهشم قوته، في المرة الأولى توافق على معاشرته جنسيًا في التريلا لكنها ترفض بشراسة في المرة الثانية لتفرض عليه قوة جبارة، قوة الرفض، الرفض الذي يهدد شخصًا مثله لا يخضع لتعنت أحد أمامه.

يقرأ العالم خلف عجلة قيادة

في فيلمه الأول عفاريت الأسفلت يقربنا أسامة فوزي والكاتب مصطفى ذكري من عالم سائقي الميكروباصات، عفاريت الأسفلت وملوك الطريق من الأطراف إلى وسط المدينة. في الفيلم تحديدًا تتقاطع وتتشابك العلاقات بين الرجال والنساء كما الطريق الذي يقطعه بطلي الفيلم بالميكروباص من حلوان إلى التحرير.

يستوقفني في عفاريت الأسفلت نظرة الرجال من سائقي الميكروباصات إلى النساء، كيف يتكرر دائمًا وصفهن بـ"المواتير" و"المكن" وكيف يطلق البطل على حبيبة أحد أصدقاؤه بأنها "الشاسيه بتاعه" وكأن عجلة القيادة هي المحرك الدائم لحياتهم وحتى مشاعرهم ونظرتهم للجنس الآخر.

ريفيو عن فيلم عفاريت الأسفلت


لم يكن الطريق هو فقط المسار اليومي لعمل بطلي الفيلم بل امتداد لحياتهما كرجال من طبقة اجتماعية أقل من متوسطة تعيش على الهامش، تحكمهم الخفة في العلاقات والرغبة الدائمة في التحكم والسيطرة، والأمل المستحيل في حياة أفضل. خفة البطل "سيد" الذي لا يخجل من التورط في علاقة عاطفية مع فتاة ركبت معه الميكروباص رغم الفوارق الاجتماعية بينهما، وكيف، في الوقت نفسه، يخسر صديق عمره لأنه لا يجده شخصًا جديرًا بالزواج من أخته. إنها صراعات يخوضها الرجال في صمت فتنفلت عجلة القيادة من بين أيديهم، صراع البقاء للأقوى والأكثر جدارة، صراع يكشفه الطريق على امتداد الرحلة لأنها المكان الأنسب لتلك المكاشفات.

وبالعودة لأبو صدام، يمكننا قراءة نظرات مختلفة تكشف وتشرح عالم الرجال، نظرتهم للمرأة، الحكم عليها من مظهرها ومستواها الاجتماعي، وكأن الطريق يكشف ويستبيح كل شيء دون سقف حماية، ولا يبقى سوى صوت واحد فقط، صوت أبو صدام الذي يعلق ويصرخ وينفعل وينهار بجنون في النهاية.