حاويات في منطقة قناة السويس. الصورة: رئاسة مجلس الوزراء- فيسبوك

هل تتضارب السياسات؟ قيود الاستيراد تتحدى نمو الصادرات في مصر

في الشهر نفسه، تحدث رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عن طفرة في قيمة الصادرات غير البترولية، فيما أعلن محافظ البنك المركزي قواعد جديدة لتنظيم عملية الاستيراد من شأنها إطالة أمد إجراءاته. ستتضح العلاقة بشكل أكبر بين الخبرين إذا علمنا أن السلع الوسيطة التي يستخدمها المنتجون تمثل ثلث وارداتنا، ما يعني أن أي صعوبة في استيراد مدخلات الإنتاج تمثل تحديًا أمام حركة التصدير الحالية.

في هذه القصة تحدثنا مع مصادر في ثلاثة قطاعات رئيسية تساهم في الصادرات المصرية، وتعتمد بشكل أساسي على استيراد مكونات إنتاجها، وتوقع قطاع منهم أن تساهم إجراءات المركزي في زيادة تكلفة مدخلات الإنتاج، بينما يترقب آخرون دراسة آثار الإجراءات الجديدة على أعمالهم.

تمثل البيانات التي أعلنها مجلس الوزراء الشهر الماضي طفرة في قيمة الصادرات الإجمالية عن العام 2021، حيث بلغت 45 مليار دولار، وجاء الدفع الأكبر من الصادرات غير البترولية التي بلغت قيمتها 32 مليار دولار.

وبالنظر إلى بيانات البنك المركزي عن قيم الصادرات خلال الأعوام المالية الأربعة الأخيرة سنجد أنها تتحرك تحت مستوى الـ 30 مليار دولار، كذلك فإن الصادرات غير البترولية كانت تحت مستوى العشرين مليار دولار.

ويأتي الاحتفاء بالصادرات غير البترولية على وجه التحديد كون إيراداتها لا تأتي من مصادر ريعية مثل النفط والغاز التي قد تتقلب أرباحها بسبب تغير الأسعار العالمية، وإنما من مشروعات إنتاجية تتسم بطابع الاستدامة وتساهم في توفير فرص العمل لقطاع أكبر من العاملين، ما يجعلها أكثر إفادة للتنمية.

ومن بين أبرز القطاعات المساهمة في طفرة الصادرات الأخيرة الصناعات الهندسية، لكن منتجي هذه السلع يرون أن قواعد المركزي تمثل تحديًا كبيرًا أمامهم، نظرًا لاعتمادهم الكبير على استيراد مكونات الإنتاج.

يقول رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية، شريف الصياد، للمنصة، إن الصادرات ارتفعت نتيجة ارتفاع الطلب العالمي في 2021 نتيجة تخفيف إجراءات الإجراءات الاحترازية ضد انتشار وباء كورونا، واستطاعت مصر أن تستفيد من هذا الطلب كونها من الدول التي استعادت وتيرة الحياة الطبيعية بشكل مبكر منذ 2020، وبالتالي لم تتوقف عملية الإنتاج فيها وكان لديها سلع جاهزة للتصدير.

صادرات مصر في 2021. المصدر: هيئة الرقابة على الصادرات والواردات

واقتصرت إجراءات حظر التجول في مصر للوقاية من انتشار فيروس كورونا على الفترة بين مارس/ آذار 2020 وحتى يونيو/ حزيران من العام نفسه.

وبينما جاء ارتفاع الطلب متزامنًا مع موجة من التضخم العالمي، ما ساهم في زيادة تكاليف المدخلات المستوردة، يشير الصياد إلى أن كون التضخم ظاهرة عالمية في الفترة الأخيرة فإن ذلك يعني أن ارتفاع سعر المنتج النهائي أيضًا، وبالتالي فإن ما يتكبده المنتِج المصري من زيادة في التكلفة لارتفاع أسعار المدخلات المستوردة؛ يعوضه في زيادة سعر المنتَج النهائي.

في المقابل، يرى الصياد أن إجراءات المركزي الأخيرة ستمثل عاملًا محليًا يساهم في زيادة تكاليف مدخلات الإنتاج على المنتجين المصريين على وجه التحديد، ما يضعف من قدرتهم التنافسية مع المنتجين في الدول الأخرى.

وبحسب الصياد، تعتمد الصناعات الهندسية على نسبة مدخلات إنتاج تتراوح بين 30 إلى 50% من تكلفة الإنتاج الإجمالية بحسب كل صناعة (بوتجازات وغسالات وأجهزة كهربائية وغيرها) ودرجة الاعتماد على المكون المحلي فيها، لكن المدخلات الأساسية جميعها مستوردة.

وبمقتضى قرار المركزي الأخير سيتم إلزام كل المستوردين بالاعتماد على "الاعتمادات المستندية" لإتمام عملية الاستيراد، بدلًا من التعامل السائد بمستندات التحصيل ويكون التعامل وفقًا للاعتماد المستندي (أي بين البنك المصدر والبنك المستورد) بينما مستندات التحصيل يكون التعامل فيها بين المستورد والمصدر بشكل مباشر، ويكون البنك مجرد وسيط بين الطرفين.

وبحسب ما قاله لنا مصدّرون، فإن طريقة مستندات التحصيل كانت الأكثر شيوعًا قبل تعليمات المركزي الأخيرة، كونها تستغرق وقتًا وتكلفة أقل، إذ تستغرق ثلاثة أيام على الأكثر بينما تحتاج عملية إنهاء أوراق الاعتمادات المستندية نحو ثمانية أيام "يُحمّل هذا المستورد مصاريف جمركية إضافية، أو قد تلحق به خسائر إذا كان المصنع يحتاج للمادة الخام للعمل" وفقًا للصياد.

ويقول البنك المركزي إنه فرض الاعتمادات المستندية بهدف مراقبة حركة الاستيراد، لكن هناك خبراء يرون أن الهدف من الإجراء هو الحد من حركة الواردات للحفاظ على مستويات احتياطي النقد الأجنبي الراهنة.

مصدر مصرفي أكد أنه على الرغم من التأثير المتوقع للقرار على المستوردين، والذي يتمثل في تعدد الإجراءات اللازمة للاستيراد مقارنة بتعاملات كانت تقوم على مبدأ "الثقة" مع المورد ويدفع بموجبها 10% من تكلفة الشحنة، لكن على جانب آخر فإنه يمنع تداول الدولار خارج نطاق القطاع المصرفي، وهو ربما يكون الدافع الأساسي للقرار لتكون كافة التعاملات تحت نظر المركزي.

ولا يعترض غالبية المصدرين على القرار في حد ذاته الذي وصفه الصياد بأنه "ينظم العملية الاستيرادية لكنه جاء في وقت خاطئ تسعى فيه الصادرات للتماسك".

ويدلل على ذلك بأنه بعد أقل من أسبوع على صدور القرار، ارتفع سعر الخامات البلاستيك في السوق المحلي بنسبة 5%، ما يعني أن تكلفة الإنتاج سترتفع وبالتالي الأسعار النهائية للمنتجات، وهو ما يقلل تنافسية الصادرات الهندسية العام الجاري.

"تعديل إجراءات الاستيراد لا يهدد فقط الصادرات ولكن سيجبر بعض المصنّعين على الخروج من السوق، إضافة إلى أن انخفاض معدل دوران السيولة لدى المستوردين" كما قال لنا أحد مصدّري الملابس الجاهرة، طلب عدم ذكر اسمه.

ولمزيد من التفسير، قال إن المستوردين سيضطرون لدفع أموالهم لاستيراد شحنات أقل مقارنة بالنظام القديم الذي كان يوزع فيه المستورد أمواله كمقدمات لشحنات متعددة، وهو ما سيقلل من المعروض في المواد الخام في السوق المحلي وبالتالي يرفع التكلفة على المصنعين".

ويقول المصدِّر "تسهيل عملية الاستيراد مهم لنا للغاية، نظرًا إلى أننا مضطرون لاستيراد خامات معينة تمكننا من مطابقة المواصفات الدولية للدول المستوردة للصناعة المصرية، ونحن نعاني بالفعل ارتفاع التكاليف في ظل زيادة عبء التمويل الذي نحصل عليه بسبب ارتفاع الفائدة، وأي زيادة جديدة في التكلفة ستقلل من فرصنا في المنافسة الدولية" كما يضيف المصدر.

ويشرح المصدر كيف تساهم إجراءات المركزي الجديدة في زيادة التكلفة "يطلب البنك من المصدرين دفع نحو 120% من قيمة الاعتماد المستندي لتوفير العملة الصعبة له ليتمكن من الاستيراد بحجة انه يضع في الاعتبار تغير سعر الصرف، لا أحد يملك الأموال كلها بالأساس، والبديل أن يشتري صاحب الشركة التي تريد الحصول على الخامات الدولار بمعرفته ويذهب به للبنك وهذا أمر صعب للغاية". يقول المصدر.

ويرى المصدر، الذي تمكن من الاستفادة العام الماضي من الطلب المرتفع على منتجات الملابس الجاهزة، خاصة في السوقين الأمريكي والأوروبي، أنه قد يفقد مزايا لتوسيع صادراته وأنه لا يمثل حالة فردية في هذا القطاع "لا يزال الطلب العالمي على المنتج المصري قويًا، خاصة مع انخفاض المدة الزمنية لوصولنا إلى أوروبا مقارنة بالصين، وبالتالي انخفاض تكلفة الشحن مقارنة بها، وفي ظل قدرتنا على الإنتاج لدينا فرصة لمضاعفة صادراتنا هذا العام، لكن مع ارتفاع تكلفة الاستيراد وعدم قدرة المستوردين على توفير المواد الخام نتيجة الإجراءات الزيادة سينخفض الإنتاج لا محالة".

ويرى المُصدِّر أن القرار يتنافى مع محاولات داخلية لتشجيع المصدِّرين، وكذلك مطالباتهم بأن تتم العملية بشكل أسهل وأكثر تنظيمًا "كنا طالبنا الحكومة بصرف متأخرات المساندة التصديرية لتوفير سيولة تمكِّن الشركات من التوسع، ليأتي هذا القرار وكانه رسالة عكسية تطالبنا بالانكماش، كل هذا من أجل ماذا.. الدولار؟".

وأعلنت الحكومة الشهر الماضي، تطبيق مبادرة السداد النقدي لدعم مشحونات الصادرات اعتبارًا من أول يوليو/ تموز من عام 2021، بنسبة خصم 8% بدلًا من 15%، حيث صرفت المالية 31 مليار جنيه لأكثر من ثلاثة آلاف شركة منذ البدء في رد المستحقات المتأخرة للمصدرين فى أكتوبر/ تشرين الأول 2019.


اقرأ أيضًا: شيخوخة الموالح: المناخ والآفات يهددان عرش البرتقال المصري

برتقال. صورة برخصة المشاع الإبداعي: Paul Keller- فليكر

استفادت الصادرات المعدنية أيضًا في 2021 من التضخم العالمي، ووصل سعر بعض منتجات الصلب على سبيل المثال لنحو ألف دولار، مقابل 450 إلى 500 دولار قبل الجائحة، وهو ما يجعل لهذه الصناعات دورًا رئيسيًا في طفرة التصدير، كما قال سمير نعمان عضو المجلس التصديري لمواد البناء، للمنصة.

ويقدم نعمان، ومدير غرفة الصناعات المعدنية، محمد حنفي، تفسيرات مشابهة لتحسن الصادرات المصرية في هذا المجال تتعلق بتراجع إنتاج أوروبا العام الماضي، رغم الطلب القوي، وقرب مصر لأسواق أوروبا نسبيًا مقارنة بالصين، ومع ارتفاع أسعار الشحن، ما عزز من القدرة التنافسية للمصدرين المصريين.

لكن حنفي يرى أن هناك حاجة لبعض الوقت حتى يتم الحكم على مدى تأثير قرارات المركزي الأخيرة على تنافسية صادرات المنتجات المعدنية"حاليًا نحن في فترة مهلة لتجربة النظام الجديد للاستيراد، سنرى إن كان له تأثير على زيادة أسعار الخامات. لكن في كل الأحوال في حال استمرت أسعار الطاقة ترتفع عالميًا، ستزيد تكلفة الإنتاج المنافس، خاصة وأننا نتمتع في مصر بأسعار ثابتة للغاز الطبيعي، ومع استمرار تعافي الاقتصادات والطلب، سيكون لهذه العوامل تأثير إيجابي على الصادرات يتخطى التأثير السلبي حتى استتباب القرار" وفقًا لحنفي.

لكن نعمان يعتبر أن "محاولة المركزي تحجيم الطلب على العملة الصعبة من خلال الحد من الاستيراد لا يعتبر حلًا للحفاظ على الاحتياطي الأجنبي، لأنه لم يكن أبدًا حلًا ناجحًا، بل إنه قد يعيد إنتاج سوق موازية لسعر الصرف".

في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بلغت احتياطات النقد الأجنبي 40.935 مليار دولار، والتي تأتي من أربعة مصادر رئيسية؛ الصادرات والسياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج.

وتواجه مصر تخوفات من انخفاض الإيرادات من مصادرها الدولارية، خلال الفترة المقبلة، مع ارتفاع متوقع لأسعار الفائدة في أمريكا بداية من الشهر المقبل، وهو ما يؤثر على تدفقات الاستثمارات الأجنبية في الديون المصرية، فيما يعوّل اقتصاديون على تعافي الصادرات وباقي مصادر العملة لسد احتياجات مصر من الدولار.