محطة وقود في مصر. صورة برخصة المشاع الإبداعي: Travel Aficionado- فليكر

السولار يفقد حصانته: كيف تهدد أسعار الوقود قدرتنا الشرائية

قبل أكثر من ثلاث سنوات أنشأت الحكومة المصرية لجنة التسعير التلقائي المسؤولة عن تسعير الوقود في مصر؛ ومنذ ذلك التاريخ، أصدرت اللجنة تسعة قرارات؛ رفعت سعر البنزين في أربعة منها، وكذلك الغاز الطبيعي وأنبوبة البوتاجاز، لكنها لم تقترب من سعر السولار، وذلك على الرغم من ارتفاع سعر برميل البترول عما قدرته الموازنة العامة للدولة خلال بعض الأشهر من عامي 2019 و2021.

وبحسب محللين وخبراء تحدثت إليهم المنصة، ومراجعات لبيانات استخدام الوقود من خلال الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يعدّ السولار العنصر الأهم في عملية نقل الأفراد والبضائع في مصر، وأي زيادة في سعره ستكون لها تبعات اقتصادية واجتماعية، سواء بزيادة عجز الموازنة العامة الأخذ في التزايد بعدما بلغ 5.15%، أو تململ المواطنين بسبب زيادة أسعار أجرة الركوب.

كما أكد المحللون على أن سعر السولار تحديدًا يخضع لأبعاد سياسية، أكثر منها فنية أو اقتصادية بسبب تأثيره المباشر على المواطن، لكن بسبب ارتفاع أسعار برميل البترول لأكثر من مائة دولار للبرميل، إضافة لانخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار بنسب تتراوح بين 12 إلى 18%، من المتوقع زيادة سعر كل أنواع الوقود.

وتواصلت المنصة مع المتحدث باسم وزارة البترول المهندس حمدي عبد العزيز هاتفيًا وعبر تطبيق واتساب، لكنه رفض التعليق.

ووفقًا لقرار إنشاء لجنة التسعير، فهي مُلزمة بمراجعة أسعار الوقود المستخدم في مصر "بنزين بأنواعه، سولار، كيروسين، مازوت، غاز" كل ثلاثة أشهر، طبقًا لمعادلة سعرية تخضع لمتغيرات أبرزها سعر برميل البترول عالميًا وسعر صرف الجنيه أمام الدولار.

وكان آخر اجتماع للجنة في يناير/ كانون الثاني الماضي، والذي رفعت فيه سعر البنزين بأنواعه 25 قرشًا، فيما ثبّتت سعر السولار. ومن المقرر أن تجتمع اللجنة خلال شهر أبريل/ نيسان الجاري لتحديد سعر الوقود عن الأشهر الثلاث الأخيرة في موازنة العام المالي 2021/ 2022 وهم أبريل، ومايو/ أيار، ويونيو/ حزيران.

ومنذ أن بدأت الحكومة خطة الإصلاح الاقتصادي التي من بين برامجها تقليص أو إلغاء دعم الطاقة بكافة أشكاله عام 2016، ارتفع سعر السولار من 2.35 جنيهًا إلى 6.75 جنيهًا في عام 2022 بنسبة تغير تقترب من 187%، وفقًا لمراجعة أسعار الوقود السنوية.


المصدر: بيانات لجنة التسعير التلقائي المنشورة على موقع وزارة البترول كل ثلاثة أشهر


تثبيت الوضع الداخلي

رئيس الشعبة العامة للمواد البترولية باتحاد الغرف التجارية سابقًا، الدكتور حسام عرفات، يقول إن التسعير التلقائي للوقود يخضع لثلاثة محاور؛ هي سعر صرف الجنيه أمام الدولار، وسعر برميل الوقود عالميًا، ثم المصروفات المباشرة وغير المباشرة.

ويُضيف للمنصة، أن المحاور الثلاثة تغيرت، فسعر برميل البترول ارتفع لأكثر من مائة دولار، بينما قدرت الحكومة سعره عند 61 دولارًا في الموازنة، المتبقي فيها ثلاثة شهور، وبالتالي سيؤدي لزيادة فاتورة تكلفة استيراد الخام من الخارج.

وبحسب رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، تستورد مصر مائة مليون برميل سنويًا، كانت تكلفتهم ستة مليارات دولار، بمعدل 500 مليون دولارًا شهريًا، ومع ارتفاع سعر البرميل ستزيد فاتورة التكلفة إلى قرابة 12 مليار دولار سنويًا.

ويُتابع عرفات، أن سعر صرف الدولار زاد بنحو جنيهين، وأخيرًا المصروفات المباشرة وغير المباشرة وهي مصروفات تكرير البترول والنقل والتوزيع والإمداد والتموين وخلافه، وهذه زادت أيضًا.

ويلفت إلى أن السعر المكافئ للسولار عالميًا نحو 1.29 دولارًا ( حوالي 20 جنيهًا)، ولازالت الحكومة تحافظ على سعره عند 6.75 جنيهًا، مشيرًا إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي الحالي، وانخفاض مستوى المعيشة وانتشار الفقر، تخلق ظروفًا لا تُمكّن الحكومة من الوصول للسعر العالمي.

ويُوضح رئيس شعبة البترول، أن أي تحريك في سعر السولار سيعقبه مباشرة ارتفاع في كل أسعار المنتجات والخدمات لارتباطه المباشر بكل ما يمس المواطن، واصفًا السولار بـ"عصب نقل الأفراد والبضائع".


المصدر: النشرة السنوية للسيارات والمركبات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 2021 . إنفوجراف: المنصة


ويقول "الميكروباص وسيارات النقل أبرز الأمثلة على كون السولار عصب عملية النقل". متابعًا أن خطة الحكومة كانت تقضي بزيادة نقل البضائع عبر السكك الحديدية أو القطار الكهربائي الجديد، وإحلال الأوتوبيس الترددي والمونوريل وغيرها بدلاً من الميكروباص حتى لاتخضع لمتغيرات السولار تحديدًا، لكن الأزمة العالمية كانت أسرع.

ويختم حديثه، بأنه لم يتم رفع السولار خلال العامين الماضيين لتثبيت الشارع وإحكام الوضع الداخلي، وإلا سيُصبح المواطن فريسة سهلة أمام التضخم وارتفاعات الأسعار المتوحشة.

السولار عصب عملية النقل إلى ذلك، يقول المهندس يسري حسان، المدير الإقليمي السابق لشركة فيجاس للزيت اليونانية، إن السولار سلعة إنتاجية أكثر من البنزين، إذ يُستخدم في قطاعات متعددة أبرزها المجال الزراعي خاصة في الري، وقطاع البناء في الآلات تحديدًا، وقطاع نقل البضائع. ويبلغ حجم استهلاك السولار 12 مليون طن سنويًا. ويوضح الشكل التالي أنواع السيارات التي تعتمد على السولار في مصر.


المصدر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 2020. إنفوجراف: المنصة


يُضيف حسان للمنصة، أنه بناء على ذلك، فإن أي زيادة في سعر السولار ستنعكس مباشرة على المواطن، وهذا سيؤثر على قرار الحكومة في رفع الأسعار.

لكن هذه المرة ستضطر الحكومة لزيادة سعر السولار، لسببين الأول: زيادة سعر برميل البترول لأكثر من 100 دولارًا، بزيادة أكثر من 40 دولارًا عما نصت عليه الموازنة العامة وهو 61 دولارًا، وفقًا لحسان. والسبب الثاني، فقدان الجنيه من قيمته الشرائية ما بين 12 إلى 18%، بعد تحرير سعره الجزئي من جانب الحكومة، بحسب رئيس شركة فيجاس، مضيفًا أن الحكومة لن تدعم المحروقات مرة أخرى.

يشار إلى أنه بعد تحرير سعر صرف الجنيه أواخر 2016، رفعت الحكومة سعر السولار بنحو 1.3 جنيهًا عام 2017 مرة واحدة. وبعد عامين ارتفع سعر السولار إلى 6.75 جنيهًا، بزيادة نحو 65% عما كان عليه عام 2016.

ويعتقد حسان، أن نسب الارتفاع بسبب تراجع سعر الجنيه وزيادة سعر برميل البترول حوالي 50% عما كان عليه الوضع خلال الأيام الماضية، وبالتالي فإن التزام لجنة التسعير بأن أقصى زيادة لسعر السولار بنسبة 10%، سيضطر الحكومة لدعم سعره.

وذلك، لأن تكلفة إنتاج السولار محليًا أو استيراده ستزيد بعد انخفاض قيمة الجنيه وزيادة سعر برميل البترول، بحسب رئيس شركة فيجاس، مضيفًا أن أولوية الحكومة حاليًا تعويض فرق العملة بعد انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار.

ويُقدر، نسبة الزيادة المتوقعة لسعر السولار بنحو 18%، بذلك سيصل سعر السولار إلى ثمانية جنيهات، بارتفاع 1.25 جنيهًا عن سعره الحالي المقدر بـ6.75 جنيهًا، أو قد تلجأ الحكومة لزيادة سعر السولار إلى 7.5 جنيهًا، فيما تعوض الباقي من خلال رفع سعر البنزين بأنواعه المتعددة.

للسياسة كلمة أخرى

من جهته، يرى رئيس الهيئة العامة للبترول الأسبق، الدكتور صلاح حافظ، إن زيادة سعر السولار تحديدًا له أبعاد سياسية أكثر منها اقتصادية أو فنية لدى الحكومة، وهذا مرتبط بالسياسة الحالية للحكومة.

ويُضيف في حديث هاتفي للمنصة، أن السولار يرتبط بشكل مباشر بنقل البضائع، وفي حال ارتفع سعره سترتفع مباشرة أسعار المُنتجات، مقارنة بالبنزين الذي يُستخدم عادة للانتقال الشخصي، متابعًا "من الصعب التكهن بسياسات الحكومة الحالية تجاه الأسعار".

ويصل حجم استهلاك البنزين سنويًا في مصر إلى 6.7 مليون طن. ويوضح الشكل التالي أنواع السيارات التي تعمل بالبنزين في مصر.


المصدر: بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. إنفوجراف: المنصة


نائب رئيس الهيئة العامة للبترول سابقًا، المهندس مدحت يوسف، يرى أن كل التوقعات تُشير إلى أن الزيادة السعرية للسولار والبنزين ستكون في حدود الـ10% فقط، وذلك عملًا بالقرار المؤسس للجنة التسعير التلقائي.

ويُضيف للمنصة، أن كل التوقعات تشير إلى تطبيق الحد الأقصى، نظرًا لارتفاع أسعار خام البترول، بأكثر من 50% من الفترة السابقة، علاوة علي ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه المصري.

ويشرح يوسف، بأنه في حال تماشى القرار مع الزيادة البسيطة المقدرة بـ10% للسولار والبنزين، فإن عودة دعم المنتجات البترولية أصبحت واضحة للعيان وستتحمل الحكومة هذا العبء الكبير على الموازنة العامة.

ويُتابع، أن قرار الزيادة بيد الحكومة فقط، فهي صاحب الحق في رفع الأسعار بما يفوق الحد الأقصى المُقرر من قبل، والمطلوب لتغطية جزء من العبء الذي تتحمله الدولة في الوقت الحالي، لافتًا إلى أن قرار زيادة أسعار السولار يتطلب مراعاة البعد الاجتماعي لتأثيره المباشر على انتقالات المواطنين وارتباطه بكافة المعاملات التجارية الخاصة بالسلع والخضروات وغيرها، مقارنة بالبنزين.