مسجد في قرطبة، الصورة من فليكر برخصة المشاع الإبداعي (Jocelyn Erskine-Kellie).

"العرب لم يغزوا إسبانيا": تفنيد رواية القوة لصالح الفكر

"العرب لم يغزوا إسبانيا.. رؤية تاريخية مختلفة"، عنوان حاسم لكتاب "يفتح الباب واسعًا أمام القارئ والباحث والمؤرخ المعاصر لمساءلة المؤرخين التقليديين، ويضع فكرة الفتح في دائرة الشك ثم النفي" هذا ما كان يأمله مترجم الكتاب، إسماعيل الأمين، الذي نشرته دار رياض الريس في لندن قبل 30 عامًا.

الكتاب في "أصله" صدر في برشلونة عام 1969 بعنوان "الثورة الإسلامية في الغرب" للمؤرخ الإسبانى إجناسيو أولاجي (1903 - 1974)، ثم باسم "العرب لم يغزوا إسبانيا" عام 1974.

نقول "أصله" لأن إصدار دار الريس هو تلخيص لا ترجمة، حسب مقدمة الأمين، الذي يصف الأصل بأنه "على درجة عالية من العلمية والتوثيق والمعرفية، ومُسلح ببيبلوغرافية نقدية واسعة ومتنوعة. جلها من النصوص القديمة، حققها وناقشها، ليحدد هل يعتمدها أم يتجاهل حملها التاريخي".

ملخص يدحض الغزو

اعتبر الأمين "الأصل" صعبًا وموجهًا للمتخصصين، فالكتاب يتجاوز إسبانيا/ الأندلس إلى تاريخ أديان وفنون أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط. يقول "لا يسهل تدبره إلا إذا قُرأ مرات في مكتبة عامة كالتي للمتحف البريطاني، لتيسير العودة للمراجع والتحقق من مضتمانتها وحسن استخدامها". لهذا، اختار "تبسيطه وتوضيبه وتنقيته، ليصبح في متناول كل قارئ مهما كانت عمومية معارفه حول التاريخ المتصل بمضمونه".

ينبه المُلخِص "ركزنا على موضوعته الأساسية: العرب والمسلمون لم يفتحوا أسبانيا عسكريًا؛ والتحول إلى الإسلام تم عبر حركة الأفكار وتصارعها"، وهيمنة ما يسميه المؤلف بـ "الفكرة/ القوة"، التي كانت عصب الحضارة العربية الإسلامية في ذلك العصر.

الكتاب من قسمين: الأول إشكالية تاريخية موزع على ملحمة الفتوحات وملاحظات نقدية عامة، ومقدمات لفهم انتشار الإسلام، والثاني الذي جاء منه عنوان الكتاب الأول "الثورة الإسلامية في الغرب".

تقاطع مع أطروحة أولاجي مؤرخون ومفكرون غربيون؛ كالمستشرق الهولندي راينهارت دوزي (1820 ـ 1883) في موسوعته تاريخ المسلمين في إسبانيا، أربعة مجلدات؛ والمؤرخ الإسباني أميريكو كاسترو (1885 - 1972) في كتابه حضارة الإسلام في إسبانيا عام 1954؛ وروجيه جارودي (1913 - 2012) في قرطبة عاصمة العالم والفكر؛ والمستعرب الإسباني إميليو جونزاليس فيرين (‏ولد 1965)، صاحب تاريخ الأندلس الصادر عام 2006؛ الأولان سبقاه في جزء من سياق أطروحته، والآخران اتفقا معه في نفي الغزو العسكري.

أخبار "الفتح" بُدء بكتابتها بعد قرن من تاريخ حدوثه المفترض، اعتمادًا على روايات مصرية سمعها طلاب جاؤوا من الأندلس إلى القاهرة.. وتدريجيًا تراكمت مبالغات المسلمين في وقائعه لتفوق الخيال.

وتقارب معه من العرب الدكتور شاكر مصطفى (1921 - 1997) في التناقضات الثقافية بكتابه الأندلس في التاريخ، خاصة في الخطبة المنسوبة لطارق بن زياد وهو "الأمازيغي اللسان والثقافة"، ما ينفي إمكانية حديثه ببلاغة عربية رُويت عنه. ووفر له أبو العباس المقري (1578 ـ 1631) مادة وفيرة عن مبالغات روايات فتح المدن بكتابه نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب.

وهكذا نجد أن أسانيد تفنيد الغزو العسكري تنوعت بين: ارتباك الوقائع التاريخية، الاستحالة المادية والجغرافية، فقدان روايات ما، ووصف ما سيق عنها بـ"الخرافة"، والتناقضات الثقافية.

تأريخ رجعي

في كتابه "الثورة الإسلامية في الغرب" يحتج المؤلف/المؤرخ الإسباني أولاجي بداية بأن "خرافة الغزو" غابت عنها أي معلومات أو توثيق يؤكدها خلال الفترة المنسوبة لها، القرن الثامن الميلادي؛ وأنه عندما فطن المهتمون بها، بعد زمن طويل، اخترع كل فريق وقائعه.. بتأريخ رجعي.

ويوضح المؤرخ الإسباني/الباسكي (نسبة إلى منقطة الباسك ذاتية الحكم في إسبانيا) أن أخبار "الفتح" بُدء بكتابتها بعد قرن من تاريخ حدوثه المفترض، اعتمادًا على روايات مصرية سمعها طلاب جاؤوا من الأندلس إلى القاهرة.. سمعوا ما سمعوا عن الغزو "المزعوم". وتدريجيًا تراكمت مبالغات المسلمين في وقائعه لتفوق الخيال.

بين الطلاب الأندلسيين العائدين من القاهرة كان عبد الملك بن حبيب ( 790-853 م) الذي وضع كتابًا، استفتاح الأندلس، بنيت عليه "الخرافة".

يقول أولاجي "لو غزا العرب إيبريا سنة 711م لكان حدثًا كبيرًا، ولوثقه مؤرخون كُثر عاصروا تلك الفترة. ولو فُرض أن الحرب الأهلية أتلفت جميع الشهادات، لأشارت إليه أخبار القرن التالي، الثامن الميلادي، كحدث كبير، ولو في نص واحد".

يضيف "عندما يتعلق الأمر بغزو ما، فلن يكون دور الغزاة غامضًا. الغُزاة من شعب غريب يحملون عادات ومفاهيم ثقافية تنتمي إلى حضارة أخرى يجهلها أبناء البلد المغزو. لم يظهر شيء من هذا في ما نعرفه من كتابات تلك الحقبة. والأخبار التي نقلها ابن حبيب وزملاؤه عن رواة القاهرة، لم تترسخ إلا بعد قرون. وكان يجب الانتظار حتى القرن الثاني عشر -الميلادي- لتتخذ الخرافة بنية متآلفة".

صعوبة جغرافية

مع غياب التأريخ، تأتي صعوبات "مادية" تقوض رواية ابن حبيب ومن تلوه؛ ينبه المؤرخ الإسباني إلى أنه "للوصول إلى أيبيريا كان على الغزاة اجتياز المضيق البحري. وهم لم تكن لديهم لا خبرة ولا سفن بحرية، ولو تزودوا بالزوارق، فعليهم أن يجدوا الربابنة المهرة، فمضيق جبل طارق ممر لتيارات قوية في الاتجاهين، وتهزه على نحو دائم رياح عنيفة. إنه مقبرة بواخر".‏

يقول ابن حبيب "أعار المدعو أولبان- يوليان- العرب أربعة زوارق". وأولبان من أبناء قادش Cadés، التي مارس أهلها النشاط البحري منذ الألف الثالث قبل الميلاد، بعضه لاستيراد القصدير من إنجلترا، ووثقت رحلات بحرية لهم بمحاذاة شاطئ إفريقيا الغربي. وربما داروا حول القارة السمراء.‏

يقر أولاجي "هؤلاء البحارة ساعدوا "الفاندال Les Vandales" الجرمان على نقل جيوشهم. وبعد مرحلة من الانحطاط البحري كانوا مازالوا قادرين، أوائل القرن الثامن، على امتلاك زوارق تنقل الجيوش. لكن: لماذا يساعدون غُزاتهم؟ ولو سلّمنا أن طارق خدعهم وأخفى نواياه أول مرة، فلماذا ساعدوا بن نصير في نقل الدعم لطارق بعد أشهر!".‏

حسابيًا، يقول أولاجي "لا تزيد حمولة الزورق عن 50 رجلًا مع البحارة، ويحتاج طارق لنقل جيشه، سبعة آلاف مقاتل، لـ35 رحلة، تستغرق 70 يومًا تقريبًا. والزوارق تحتاج، على الأقل، إلى يوم لقطع المسافة، وإذا حسبنا أسابيع الطقس الرديء، التي تتوقف فيها الرحلات، ثلاثة أشهر، فلا يمكن الإبحار كهذا، إلا إذا نجا الغزاة من مجزرة"‏. كما أنهم سينزلون على الشاطئ مائتين فمائتين كل يومين، وسيكونون صيدًا سهلًا للإسبان.

والحسبة ستكون رحلات وفترات زمنية مضاعفة مع مدد ابن نصير، التي كانت أربعة أضعاف قوات طارق.

وعن قصة إحراق المراكب، التي ذكرها الإدريسي فجأة في القرن الـ16 ميلاديًا، في نزهة المشتاق، ثم آخرون؛ يتساءل: لماذا لم يذكرها الرواة السابقون طوال خمسة قرون؟ وكيف يحرق طارق أسطولًا لا يملكه؟‏ ولماذا لا يرسلها إلى المغرب؟ وإذا حرقت.. كيف عبرت قوات ابن نصير المضيق؟

الاستمرار في الاعتقاد بأن شعوبًا تزدهر في بلادها حضارة مهمة، تركت معتقداتها وغيرت عاداتها لأن حفنة من الفرسان الميامين قهرتها عسكريًا، لا يوحي إلا بمفهوم صبياني سخيف للحياة الاجتماعية.

روايات ساذجة

يسخر المؤرخ الإسباني من روايات رآها ساذجة عن تهاوي مدن أيبيريا واحدة خلف الأخرى، حسب ما كتبه ابن حبيب ومن تلاه كالمقري، رغم تحضرها وحصانتها، ورغم أن سكانها حينها بلغوا عشرة ملايين نسمة؛ ويتعجب من اختفائهم من المرويات العربية، وكأنهم لم يتواجدوا قبله.

ويعبر عن دهشته من أن "قرطبة العظيمة تهاوت هي وسورها الهائل الحصين، ما زالت أجزاء منه قائمةً، أمام 700 مقاتل مسلم، حصلوا على خيول لهم عقب نزلوهم الشاطيء".

وهكذا ماردة Merida، التي يصفها المقري بأنها "كانت دار (عاصمة) لبعض ملوك الأندلس، ذات عز ومنعة، وفيها آثار وقصور ومصانع وكنائس جليلة القدر فائقة الوصف، وفي أهلها، نصف مليون نسمة، منعة شديدة وبأس عظيم". كيف ينجح ابن نصير في إخافتهم وخداعهم، وكأنهم بدائيون سُذج؛ بصبغ لحيته وشعره في أيام متتالية بألوان مختلفة.. الأبيض والأحمر والحناء؟ وكيف اعتقد أهلها انهم يقاتلون "أنبياء يتخلقون كيف شاؤوا، ويتصورون في كل صورة أحبوا. كان ملكهم شيخًا فصار شابًا، والرأي أن نقاربه ونعطيه ما يسأله، فمالنا به طاقة"‏؛ وبعضهم ظن الغزاة أكلة لحوم بشر، لمجرد استخدامهم السواك.

التشكيك يطال تفاصيل معركة وادي لكه Guadalete واجتياز ممر الجزيرة Algeciras نحو مدينة أسيجا Eciga، بينما تقول جغرافيا الممر إنه فخ... يعني دخوله تسليم الرأس إلى العدو؛ وأسيجا تبعد 160 كيلومترًا من مخرجه، وبينهما رندة Randa وأوسيما Osuma وغيرهما، مدن قوية منذ القدم"‏، ولماذا يتطوع إسبان كأدلاء لبن نصير، الذي لا يعرف جغرافية المدينة التي يستهدفها؟.

لم يترك المؤرخ الإسباني جزءًا في "خرافة الغزو"، وفق توصيفه الدائم، دون تفنيد، بما فيها أسماء اعتبرها العرب رموزًا تاريخية لهم، كعبد الرحمن الداخل، فهو لم يكون أمويًا من دمشق، بل جرمانيًا استوطن أيبيريا، مستندًا في هذا لكتابات تاريخية عن "تحولات الأسماء" في شبه الجزيرة الأيبيرية، ولقانون المورثات السائدة والمتنحّية‏، وكذا ابن حيان وابن حزم.

لماذا صمتت الكنيسة على المرويات العربية؟ يجيب المؤلف "أثار ظهور الحضارة العربية الإسلامية في إسبانيا عقدة للمسيحيين الغربيين. ويبدو أن الكنيسة الكاثوليكية قبلت الخرافة"؛ فهي تناسبها أكثر، بدلًا من انحلال المسيحية وصعود الإسلام كثقافة وكفكرة".

ثورة إسلامية غربية

أطروحة أولاجي تجزم بأن "أسلمة" أيبيريا كانت لمعطيات وتداعيات داخلية. يتساءل: ألا يمكن بدلًا من فتوحات عسكرية "مستحيلة" أن يكون انتشار الفكرة الإسلامية، ثمرة حركات اجتماعية وفكرية داخلية تبنت الدعوة وساعدتها؟‏ لنرى ثورة إسلامية في أقصى الغرب الأوروبي.

ويرى أن "الاستمرار في الاعتقاد بأن شعوبًا تزدهر في بلادها حضارة مهمة، تركت معتقداتها وغيرت عاداتها لأن حفنة من الفرسان الميامين قهرتها عسكريًا، لا يوحي إلا بمفهوم صبياني سخيف للحياة الاجتماعية".

فمن وجهة نظره أن الفكرة الإسلامية لقيت، وقتها، مناخًا ملائمًا؛ فلم يحتاج الإسبان، الآريوسيون غالبا، سوى لتعديلات طفيفة على معتقدهم وفكرهم وثقافتهم وعاداتهم، ليتحولوا إلى الإسلام.


اقرأ أيضَا| مترجم: المسلمون وتاريخ من التسامح مع المثلية الجنسية

لوحة لجون فردريك لويس.

يستعرض، مطولًا وتفصيليًا، السياقات المختلفة لأوضاع إيبريا حينها، والصراع المذهبي بين الكاثوليكية وبين الآريوسية الغنوصية؛ وتفاقمه لعقود حتى "أشعل الأمراء المسيحيون الرجعيون من متدينين وعلمانيين، حربًا استمرت ثلاثة أرباع القرن" انتهت بانتصار الآريوسيون، الذين تابعوا تطورهم في سياق منطقي واضح.. وأصبحوا مسلمين، صنعوا ما عرف فيما بعد بـ "الأندلس الإسلامية".