تصميم: يوسف أيمن- المنصة

حق مؤجل: قانون مناهضة العنف ضد المرأة ينتظر الإرادة السياسية

لم تكن آية عبد العزيز، ذات الاثنين والعشرين ربيعًا، تتوقع أن العريس الذي ارتدت لأجله فستانها الأبيض سيعتدي عليها بالضرب والخنق بعد أسبوع واحد من الزفاف، لنسيانها وضع الملح في الطعام.

آية، ليست الوحيدة مع الأسف، حيث تعاني النساء في مصر من معدلات مرتفعة وأنواع متعددة من العنف، فبحسب الأرقام الرسمية عن النساء في عمر 18 إلى 64 سنة، تعرضت 9 من كل 10 سيدات لتشويه أعضائهن التناسلية، وعانت نصف المتزوجات أو من تزوجن سابقًا من العنف على يد الزوج، وواحدة من كل خمس تعرضت لعنف جسدي أو جنسي على يد أحد أفراد العائلة، بحسب مسح قياس التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي (2015-2020)، الذي أجراه المجلس القومي للمرأة.

بينما كانت آية وملايين غيرها، بحسب الأرقام الرسمية، يواجهن من العنف أشكالًا، على أيدي أزواج وخُطَّاب وآباء وغرباء، كانت قوة عمل المنظمات النسوية، تواصل جهودها المستمرة منذ سنوات للوصول بمشروع القانون الموحد لمناهضة العنف ضد المرأة للبرلمان، أملًا أن يتم إقراره ويضمن للنساء بأبوابه السبع حياةً أقل عنفًا، وللمجرمين عقابًا رادعًا.

عدد النساء اللائي تعرضن للعنف- مسح قياس التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي (2015-2020)، الذي أجراه المجلس القومي للمرأة

حق مؤجل

تقول آية، التي تقيم بأحد أحياء جنوب القاهرة، للمنصة، إن اعتداءات زوجها تكررت مرات عديدة، لكنها لم ترغب في البداية بإخبار عائلتها لتجنب تطور المشكلات بينهما، وعلى أمل أن يكف عن إيذائها، وحينما شكته مرة لوالده بعد "علقة ساخنة" تلقتها، عاد غاضبًا وضربها مجددًا حتى كسر ساقها.

"قوة العمل للمنظمات النسوية من أجل قانون موحد لمناهضة العنف" تأسست عام 2018، وتضم مجموعة من المنظمات النسوية والحقوقية والمبادرات المصرية، وهي المرأة الجديدة، ومؤسسة قضايا المرأة المصرية، ومركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب، ومركز تدوين لدراسات النوع الاجتماعي، ومبادرة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، ومؤسسة القاهرة للتنمية والقانون.

وكانت النائبة البرلمانية نشوى الديب، أعلنت في مؤتمر صحفي، لقوة عمل المنظمات النسوية، مارس الماضي، تبنيها لمشروع القانون الموحد لمناهضة العنف ضد المرأة، عقب جلسات تشاور حول عدد من بنوده، ونجاحها في جمع 60 توقيعًا من نواب بالبرلمان، ليصبح مشروع القانون مؤهلًا للدخول للجنة التشريعية للبرلمان.

عدد النساء اللائي أصبن نتيجة العنف على يد الزوج أو الخطيب- مسح قياس التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي (2015-2020)، الذي أجراه المجلس القومي للمرأة

"القانون اتأخر أوي، ومش عايزينه يكون حبر على ورق"، دعت النائبة خلال المؤتمر الصحفي، لإقرار القانون وتنفيذ آلياته، مشيرة إلى أنها تحمست لمشروع القانون، بسبب تصاعد معدلات تعنيف النساء، وأن وجود بنية تشريعية تناهض العنف تبني مجتمعًا سويًا وأكثر وعيًا واستنارة.

يتضمن مشروع القانون سبعة أبواب، تناقش طيفًا واسعًا من قضايا العنف التي تواجهها النساء، ويضم بابه الأول مجموعة من التعريفات، مثل تعريف جرائم الاستغلال الجنسي، والابتزاز والتنمر الإلكتروني، وجرائم العنف ضد المرأة والطفلة داخل الأسرة.

ورغم الخبر السعيد، بتأهل القانون لدخول البرلمان، فإن القلق والترقب يلقي بظلاله على معظم من يتابعون قصة هذا القانون، فتلك ليست المرة الأولى التي يحظى فيها القانون بدعمًا برلمانيًا، حيث تبنت النائبة نادية هنري، مشروع القانون في الدورة البرلمانية السابقة، ولكن ما حدث كان تجاهل مشروع القانون وانقضاء الدورة البرلمانية دون إقراره، وترك النساء المعنفات بلا حماية.

من يحق له الإبلاغ؟

اضطرت آية، للجوء لأسرتها بعد كسر ساقها، ولكنهم رفضوا طلبها بتحرير محضر باعتداء الزوج عليها، وهددها والدها بالطرد من منزله إذا أصرت على ذلك، والأسوأ أن أجبروها لاحقًا على العودة لمنزله، حفاظًا على مستقبل الجنين الذي تحمله في شهوره الأولى.

توسيع دائرة من يحق لهم تقديم البلاغات بتعرض النساء للعنف، بما فيهم مقدمي الخدمات بمنظمات المجتمع المدني، كان من الحلول التي تطرق لها الباب الثاني من مشروع القانون، لحل مشكلات عدم الإبلاغ عن العنف، ويتناول إجراءات التقاضي، ومنها تخصيص دوائر للنظر في قضايا العنف ضد المرأة في المحاكم الابتدائية، وهيكلة قضائية غير مركزية لمناهضة العنف ضد المرأة سواء على مستوى أقسام الشرطة أو المحاكم المتخصصة.

نسبة النساء اللائي عانين من عنف الزوج واتصلن بالسلطات أو حصلن على خدمات- مسح قياس التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي (2015-2020)، الذي أجراه المجلس القومي للمرأة

نيفين عبيد، الباحثة بالنوع الاجتماعي ورئيسة مجلس أمناء جمعية المرأة الجديدة، وهي واحدة من المؤسسات التي شاركت في إعداد مشروع القانون، قالت للمنصة، إن الدستور ينص على إلزام الدولة بحماية المرأة من العنف، وإن القانون الموحد لمناهضة العنف ضد المرأة هو أحد القوانين المكملة للدستور، فهو قانون ملزم ويجب على الدولة أن تصدره، مشيرة إلى وجود قوانين مثيلة في بلدان عربية عديدة ومنها تونس والمغرب.

وتفاقم أشكال العنف الجنسي، والإشكاليات التي تواجه الناجيات للإبلاغ عن جرائم العنف الجنسي، وتضارب القوانين التي تسببت في إهدار حقوق الناجيات وإفشاء بياناتهن كما حدث في قضية فيرمونت، والإشكاليات الكبيرة التي تواجه النساء في قانون الأحوال الشخصية، كانت الدوافع التي أشارت إليها عبيد، لتواصل المنظمات الدفع باتجاه إصدار القانون "نبحث عن أي مداخل تتيح تحسين الحماية التشريعية للنساء".

حماية الشهود

حماية الشهود والمبلغين والوقاية والحماية من تعرض النساء للعنف، هو المحور الذي يعالجه مشروع القانون في بابه السابع والأخير، واشتمل على استصدار أوامر الحماية، ومنح صلاحيات التبليغ والتقاضي، وحماية بيانات الشهود والمبلغين، وتوفير خدمات الإيواء، وتمكين منظمات المجتمع المدني من تقديم الخدمات وتدخلات الحماية التشريعية.

خطوات مشروع قانون مناهضة العنف الموحد داخل البرلمان بدأتها النائبة نادية هنري في الدورة البرلمانية السابقة، بعد أن جمعت 60 توقيعًا لتحقيق شرط دخول مشروع القانون للجنة التشريعية، وعما حدث حينها تقول عبيد "ولا حاجة".

وخاضت النائبة نشوى الديب، رحلة مشروع القانون في البرلمان الحالي بعد أن جمعت التوقيعات اللازمة، وتوضح نيفين، أن الخطوة التالية نحو مناقشة مشروع القانون داخل البرلمان وإقراره، تخضع للإرادة والأولوية السياسية في إقرار هذا النوع من القوانين.

"نتمنى أن يقر القانون، ولكن أعتقد أننا لسنا قريبين من تحقيق هذا الهدف". هذا ما تعتقده عبيد، مشيرة إلى أن فتح النقاش حول القانون، وإحراز نقاط ومكاسب ولو ببطء أفضل من لا شيء، مشيرة لملف تولي النساء القضاء والذي حقق مكتسباته مؤخرًا، رغم أن تلك المعركة بدأت قبل عقود.

ماذا يقدم القانون للنساء؟

فقدت آية، الجنين الذي عادت من أجله لمنزل الزوجية، بعد أن اعتدى عليها الزوج بالصفع والركل ببطنها ومناطق حساسة من جسدها لاعتراضها على تعاطيه مخدر الحشيش.

عالج مشروع قانون مناهضة العنف الموحد، الإسقاط القسري للحمل، في بابه الرابع، حيث جرم أيضا إسقاط الحمل قسرًا، أو دون موافقة الشريك، وجرم عدم توفير الرعاية الطبية اللازمة في حالات الإجهاض.

التعرض لمضاعفات الحمل والإجهاض بسبب عنف الزوج- مسح قياس التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي (2015-2020)، الذي أجراه المجلس القومي للمرأة

ترى انتصار السعيد، المحامية ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، أن قانون مناهضة العنف الموحد ضرورة لوجود قصور شديد في تعريف جرائم العنف الجنسي ومنها تعريفات جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي، كما أن النصوص المتعلقة بالاعتداء بالضرب تتعلق بالرجال والنساء على حد سواء، وأن نصوص قانون العقوبات الذي يعالج تلك القضايا صدرت عام 1937، ولم تعد متماشية مع العصر.

وقاية النساء وحمايتهن من التعرض للعنف، وليس فقط تجريم العنف والمعاقبة عليه، واحدة من الميزات الكثيرة التي قالت السعيد، للمنصة، إن مشروع القانون الموحد يتناولها، كما يتفادى الصعوبات القانونية التي تواجهها النساء حاليًا في قضايا العنف.

"الحبس شهر أو غرامة 10 جنيهات أو كليهما معًا"، هي العقوبة التي أشارت السعيد، لتوقيعها على المتهمين في معظم جنح الاعتداء بالضرب في الوقت الحالي، وهي عقوبات لا تتماشى مع الجريمة، وهو ما يجبر النساء على العزوف عن اللجوء للقضاء بالإضافة إلى ما يواجهنه من ضغوط مجتمعية حال لجوئهن للقضاء.

تقرير نفسي لضحايا العنف

بعد فقدان جنينها، واستمرار اعتداءات زوجها عليها، والذي تطور لعنف جنسي إلى جانب العنف البدني، ومع إصرار عائلتها على البقاء بمنزلها وأن تتحمل، حاولت آية، الانتحار بتناول جرعة زائدة من أحد العلاجات.

ويثير الاغتصاب الزوجي والذي كانت آية، واحدة من ضحاياه جدلًا مجتمعيًا منذ سنوات، ولكنه وجد طريقه للبرلمان عبر الباب السادس من مشروع القانون، الذي يناقش جرائم العنف الأسري ضد النساء والفتيات، واشتمل على بنود لتجريمه، كما يقدم في بابه الثالث، والمتعلق بالجرائم الجنسية، توصيف قانوني جديد للجرائم الجنسية في إطار الأسرة، بما فيها الاعتداء، الاغتصاب، الابتزاز، والابتزاز الإلكتروني، والإكراه داخل الأسرة.

نسبة النساء اللائي تعرضن لإصابات بحسب نوع الإصابة- مسح قياس التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي (2015-2020)، الذي أجراه المجلس القومي للمرأة

تأهيل النساء اللاتي تعرضن للعنف ودعمهن، هو جانب من الخدمات التي تقدمها بعض منظمات المجتمع المدني، ومن بينها مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب، وأحد شركاء إعداد القانون الموحد لمناهضة العنف.

الدكتورة ماجدة عدلي، واحدة من مؤسسي النديم، قالت في المؤتمر الصحفي للإعلان عن تأهل القانون لدخول البرلمان، إن عددًا محدودًا من المراكز تقدم الدعم والتأهيل للناجيات من العنف "يتعدوا ع الصوابع"، مشيرة لأهمية أن تشارك الدولة في القيام بهذا الدور.

وطالبت عدلي، باستخراج تقرير طبي نفسي بجانب التقرير الطبي للإصابات الجسدية، للنساء ضحايا العنف، سواء كان عنفًا بدنيًا أو جنسيًا، وسواء كان المتورط به أحد أفراد الأسرة أو من خارجها.

نجت آية، من الموت بعد محاولة انتحار فاشلة، وربما زالت آثار الضرب والاعتداء عن أجساد بعض الناجيات، ولكن الأذى النفسي وإفلات من مارسوا العنف ضدهن من العقاب لا زال عالقًا بنفوس معظمهن.