سنابل القمح قبل حصادها- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

"الغلة بتصالحنا": هل تعي الحكومة أن من زرع القمح حصد؟

رغم التوقعات بانخفاض استهلاكنا من القمح خلال العام الجاري، على أثر ارتفاع الأسعار واتجاه بعض المستهلكين لترشيد غذائهم، لكن تظل احتياجاتنا في المجمل تمثل أكثر من ضعف إنتاجنا المحلي.

تتعلق الأنظار على موسم حصاد القمح الذي بدأ أول أبريل/نيسان الجاري، ومدى قدرة الدولة على جمع أكبر كميات ممكنة لسد احتياجات منظومة رغيف العيش، كما يتصاعد القلق في أروقة هيئة السلع التموينية المسؤولة عن استيراد احتياجاتنا الاستراتيجية في ظل اضطرابات سوق القمح العالمي.

ما بين توقعات الفلاح وخبراء الأسواق العالمية حاولنا معرفة مدى قدرة مصر على تغطية احتياجاتها من القمح خلال العام الجاري، وما نحتاجه العام المقبل حتى لا نقع في نفس المأزق.

قلق الحصاد

بحسب تصريحات حكومية ومزارعين تحدثت معهم المنصة يشهد موسم القمح الجاري 2022-2021 ، الذي ينتهي في يوليو/ تموز المقبل، زيادة في المحصول بشكل عام، بسبب زيادة المساحات المنزرعة من القمح، ( 3 ملايين و659 ألف فدان، بزيادة 200 ألف فدان عن الموسم السابق)، بينما أرجع المزارعون زيادة إنتاجية الفدان نفسه لأسباب تتعلق بالطقس.

وتوقع مجلس الوزراء أن يصل حجم إنتاج محصول القمح لنحو 10 ملايين طن، بينما أشار تقرير لوزارة الزراعة الأمريكية، إلى أن إجمالي الإنتاج المحلي لمصر من القمح خلال الموسم نفسه سيكون في حدود 9.8 مليون طن، في وقت تستهدف الحكومة توريد 6 مليون طن، والباقي يكون للاستخدام الشخصي للفلاح، على أن تستورد الحكومة نحو 12 مليون طنًا آخرين لسد باقي احتياجاتها.

وبحسب محمود أبو الحسن، مزارع قمح في الشرقية، الذي يرى أن "الغلة بتصالحنا" تعبيرًا عن فرحة بوفرة المحصول، فإنه يوضح في حديثه مع المنصة أن ظروف المناخ هذا العام تساعده على تحقيق حصيلة أفضل، موضحًا "متوسط إنتاج الفدان من القمح 18 إلى 20 أردبًا، لكن الموسم الجاري الفدان ينتج 24 إلى 26 أردبًا"، ويضيف "هي جات كده رباني".

ويدعم ذلك الرأي حسين أبو صدام، نقيب عام الفلاحين الذي يرى أن "زيادة إنتاجية فدان القمح هذا العام تحديدًا ترجع في الأساس إلى المناخ، القمح ميحبش لا الرياح ولا الحر الشديد"، ويضيف أن الرياح الشديدة تؤدي إلى ما يسمى بـ"رقاد القمح"، وهو ما يفقد السنبلة كثيرًا من القمح وبالتالي تتسبب في إهدار كميات كبيرة من المحصول.

وأضاف "انخفاض درجة الحرارة هذا الموسم ساعدت في "تحميل السنبلة" وبالتالي أعطت إنتاجية أكبر، هذا بجانب قيام وزارة الزراعة بتوزيع تقاوي معالجة على الفلاحين منعت ظهور الحشائش التي كانت تؤثر بالسلب على المحصول".

تقرير وزارة الزراعة الأمريكية الصادر في مارس/آذار الماضي لا ينكر أن الأجواء الدولية تخلق تحديات كبيرة أمام القدرة على توفير القمح بالوتيرة المعتادة، ولهذا يضع توقعاته لواردات القمح في العام 2022-2023 بأقل بمليون طن عن العام السابق، كما يرجح تراجع استهلاك القمح خلال نفس العام بسبب ارتفاع أسعار الدقيق والخبز غير المدعوم.

ويمثل موسم حصاد أبريل - يوليو أول اختبار لهذه التوقعات، حول مدى قدرتنا على تدبير احتياجاتنا كأكبر مستورد في العالم للقمح، وتبدو من تعليقات مختلف منظومة القمح أن نتائج هذا الاختبار لا تزال غير محسومة.

مصدر في إدارة الإرشاد الزراعي التابعة لوزارة الزراعة، أعرب في حديثه مع المنصة عن قلقه من انخفاض الكميات الموردة بداية من الشهر المقبل، "من المعروف أن شهري أبريل ومايو هما أكثر الشهور إنتاجية، نحو 75% من الحصاد يجري في شهر مايو"، ويضيف المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه أنه "مع افتراض أن الفلاحين بالفعل وردوا حتى الآن (تحدث المصدر للمنصة يوم 16 مايو) نحو 2 مليون طن هذا يعني أننا وصلنا إلى ثلث المستهدف تقريبًا خلال شهر ونصف من بداية موسم الحصاد هذا العام، بينما كان من المتوقع أن يزيد عن هذا الرقم"، مشيرًا إلى أنه خلال الموسم الماضي تم توريد نحو 2.1 مليون طن خلال شهر واحد من بداية موسم الحصاد.

ويضيف "أتوقع أن ترتفع نسبة القمح المورد هذا الموسم عن العام الماضي لكنه لن يصل إلى المستهدف الذي تسعى له الحكومة، ربما يكون قريب منه لكنه للأسف لن يصل إلى 6 ملايين كما كان الجميع يأمل"، مرجحًا أن تكون الحصيلة بين 4.5 مليون إلى 5 مليون طن مع نهاية موسم الحصاد.

وقررت وزارة التموين أن يكون موسم الحصاد لهذا العام بداية من أبريل وحتى نهاية يوليو، بينما كان في الموسم الماضي من منتصف أبريل وحتى منتصف يوليو، أي أضافت الوزارة شهر كامل للموسم، على أمل الحصول على كميات أكبر من المحصول المحلي.

وتمثل حصيلة الـ 6 مليون المستهدفة للموسم الحالي رقمًا طموحًا، فهي تزيد بنحو 70% عن الحصيلة المستهدفة لنفس الموسم العام الماضي.

حسين أبو صدام، نقيب عام الفلاحين، رأى أيضًا أن الشواهد لا توحي بالقدرة على الوصول لحصيلة 6 ملايين طن، لكنه توقع تحقيق 5.5 مليون طن، مؤكدًا في تصريح للمنصة أنه "رغم أن كميات التوريد هذا العام تبدو أقل مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، لكن من المهم الالتفات إلى أنه بسبب ظروف الطقس بدأ الحصاد متأخرًا، وكذلك سيكون لدى الفلاح مدة حتى نهاية شهر يوليو وليس منتصفه كما كان العام الماضي"، متوقعًا زيادة كميات تسليم القمح الفترة المقبلة.

ووفقًا لحسابات وزارة التموين فحصولها على نحو 6 مليون طن من القمح المحلي بالإضافة إلى حصولها على القمح المستورد الذي تعاقدت عليه يكون لدى البلاد احتياطي من القمح يكفي حتى يناير/ كانون الثاني المقبل.

وكان آخر إعلان رسمي عن مخزون مصر من القمح في بداية أبريل الماضي على لسان مجلس الوزارء، الذي أكد وقتها أن الاحتياطي من القمح يكفي الاستهلاك المحلي لمدة 2.6 شهر، ولم يعلن بعدها عن الاحتياطي سواء ارتفع أو نقص.

وتقع المسؤولية الأساسية على عاتق الحكومة في تدبير ملايين الأطنان من القمح لتوفير الخبز المدعم، وبحسب البيان المالي لموازنة 2022-2023 الصادر قبل أيام، تحتاج الحكومة لـ 7.8 مليون طن قمح في هذا العام لتوفير 90 مليار رغيف مدعوم.

وأمام تحديات تدبير القمح، منحت الدولة حوافز إضافية للفلاحين وفرضت أيضًا قيودًا مشددة لضمان الحصول على أكبر كمية قمح ممكنة من السوق المحلي، لكن فلاحين يرون أن هذه الضوابط لن تمنع تسرب القمح خارج يد الدولة.

التوريد أو السجن

يزرع محمود 3 فدادين قمح الموسم الحالي بنظام الإيجار، وسيكون مجبرًا على تسليم وزارة التموين 36 أردبًا عن الثلاثة أفدنة تنفيذًا للقرار الحكومي الصادر في منتصف مارس الماضي، الذي ألزم كل من يملك محصولاً من القمح ناتج عن موسم حصاد عام 2022 أن يسلم لجهات التسويق جزءًا من المحصول بواقع 12 أردبًا عن كل فدان كحد أدنى.

واتخذت الحكومة مجموعة من القرارات لتشجيع الفلاحين على تسليم القمح وترهيبهم إذا رفضوا أو بحثوا عن مشتر آخر لمحصولهم؛ فأقرت الحكومة في مارس حافزا استثنائيًا للتوريد والنقل بقيمة 65 جنيهًا، ليحصل المزارعون على 865-885 جنيه للأردب الذي يوردونه للدولة، حسب جودة القمح، بزيادة نحو 8% عن السعر المحدد في نوفمبر الماضي، بينما كان يطالب عدد كبير من الفلاحين بزيادة سعر التوريد لتصل ما بين 1000 إلى 1200 جنيه للأردب نظرًا لارتفاع أسعار الأسمدة وتكلفة الإنتاج بالإضافة إلى ارتفاع نسبة التضخم.

ولعدم ثقة الحكومة في أن السعر الجديد سيكون دافعًا للفلاحين لتوريد محصولهم أكد وزير التموين في قراره بشأن إلزامية توريد القمح للحكومة على حظر بيع ما تبقى من القمح الناتج عن موسم 2022 لغير جهات التسويق سواء كان البيع لشخص طبيعى أو اعتباري إلا بعد الحصول على تصريح من وزارة التموين والتجارة الداخلية، ويجب أن يتضمن التصريح على الأخص الموافقة على الكميات والغرض من الشراء وكذلك الموافقة على أماكن التخزين.

وهدد القرار كل مخالفة لأحكامه بعقوبات منصوص عليها في المادة 56 من المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشؤون التموين، والتي تقضي بمعاقبة المخالفين بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنوات بالإضافة إلى غرامة مالية ومصادرة القمح المضبوط.

يؤكد محمود أنه سيسلم الحد الأدنى الذي أقرته الحكومة، "هيبقى حبس وخراب ديار"، لكنه يلفت إلى أن هذه الإجراءات لن تمنع من يريد البيع إلى القطاع الخاص أو إلى الأهالي، مشيرًا إلى أنه في القرية التي يعيش فيها يوجد سكان لا يزرعون القمح ويعتمدون على شرائه ممن يزرعه، وبسعر أعلى من سعر الحكومة، ويتابع "دا غير التجار إللي عندهم ألف طريقة".

وأظهرت الحكومة حزمًا في هذا الشأن خلال الأيام الماضية، حيث أعلنت النيابة العامة المصرية في 16 مايو ضبط 80 واقعة تداول قمح محلي بالمخالفة لقرار التموين، وتضمنت 41 متهمًا، وتحديد ٣٠ آخرين هاربين، وضبط ٢١ سيارةً استُخدمت في النقل، و٩٢٧ طنًا من القمح المحلي، هذا خلال 3 أيام فقط من 13 وحتى 16 مايو.

حاولت المنصة على مدار أسبوع كامل التواصل مع المتحدث باسم وزارة التموين أحمد كمال هاتفيًا وعن طريق رسائل واتساب، لمعرفة تأثير القرارات التي اتخذتها الوزارة على معدلات توريد القمح المحلي لكنه لم يرد على هاتفه ولا على الرسائل، وأصدرت وزارة التموين في 16 يوليو الجاري بيانًا أعلنت فيه استلام 1.854 مليون طن منذ بدء الموسم في أبريل الماضي.

ونقل البيان عن رئيس الشركة القابضة للصوامع والتخزين التابعة للوزارة المهندس شريف باسيلي أنه تم سداد 8.5 مليار جنيه مستحقات المزارعين نظير توريد المحصول. وأكد أن "الموسم الحالي مبشر"، وأن هناك "زيادة في الكميات الموردة".

.. ولكن ماذا عن الباقي

أيًا كانت التوقعات الأصدق عن انتاجيتنا من القمح هذا الموسم، فإن التحدي الأكبر يكمن في قدرتنا على تدبير الكمية الباقية المطلوبة من الخارج.

آخر التوقعات الصادرة عن الحكومة، كما جاءت في تصريحات لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الأحد الماضي، تذهب إلى احتمالات أن تتضاعف قيمة واردتنا من القمح هذا العام مقارنة بالعام الماضي، 4.4 مليار دولار مقارنة بـ 2.7 مليار في 2021، على أثر الحرب الروسية الأوكرانية التي أشعلت أسعار القمح عالميًا.

المشكلة لا تقتصر على زيادة تكاليف الاستيراد، ولكن القدرة على تدبير القمح بأي سعر، في ظل نقص المعروض عالميًا بسبب الحرب بين بلدين من أكبر الموردين لهذا المحصول.


اقرأ أيضًا| حرب أوكرانيا: لأن الخبز لا يُصنع من الفراولة


مع التوقعات بانخفاض إنتاج القمح الأوكراني بمقدار الثلث لعام 2022-2023، اتجهت مصر إلى تنويع مصادر مشترياتها، حيث تبحث البلاد عن بدائل للقمح من الهند، ثاني أكبر منتج في العالم، وفرنسا والأرجنتين والولايات المتحدة كما تدرس أيضًا استيراد قمح من باكستان والمكسيك.

وفي أبريل الماضي أعلنت مصر إضافة الهند كدولة منشأ جديدة لاستيراد القمح، إلى جانب 22 منشأ آخر معتمدًا، بحسب تصريح وزير الزراعة السيد القصير.

"البدائل محدودة أمام الحكومة بشأن دول المنشأ لاستيراد القمح، الأزمة أننا نستورد نحو 80% من القمح من روسيا وأوكرانيا، وبالتالي تغطية هذه الكمية تحتاج إلى جهد أكبر"، كما يقول هشام سليمان، مستورد حبوب.

وبحسب بيانات البنك المركزي اعتمدت مصر خلال العام 2021 على القمح الروسي بنسبة 69.4% يليه القمح الأوكراني بنسبة 10.7% فالروماني 6.2%، وتلى هذه الدول الثلاث على الترتيب كل من أستراليا وفرنسا وليتوانيا والمالديف وكندا والصين وكوريا الجنوبية.

ويشرح سليمان أن بدائل روسيا وأوكرانيا تمثل تحديا لمصر سواء من حيث ارتفاع أسعار أقماحها أو انخفاض مستوى جودته، ويضيف للمنصة "حتى البلاد المعتمدة كمنشأ حاليًا أسعار القمح بها مرتفع، كالقمح الكندي والأسترالي والأرجنتيني والأمريكي مقارنة بأسعار الأقماح في البلاد الأخرى، وكازخستان دولة حبيسة، من الصعب الوصول إلى أقماحها في ظل ظروف الحرب، والمكسيك سعر القمح فيها مرتفع للغاية، بينما القمح الباكستاني والهندي جودته أقل".

بينما أكد مستورد حبوب طلب عدم ذكر اسمه أنه "مع تصاعد الأزمة الروسية الأوكرانية لم يعد أمام الحكومة المصرية إلا زيادة الاعتمادات المخصصة لشراء القمح، أو الاعتماد على أن أنواع من القمح رخيصة لكنها ذات جودة أقل"، ويشرح المستورد في حديثه مع المنصة أن لجوء مصر بعد الحرب الروسية للاعتماد على الهند كدولة منشأ يدلل على ضيق فرص البدائل المتاحة لاستيراد القمح "الحكومة على مدار عقد كامل كانت ترفض اعتماد الهند كمنشأ للقمح نظرًا للاستخدام المفرط للمبيدات في الهند، وكذلك لقلة البروتين في النوع الهندي بالإضافة إلى ارتفاع الرطوبة به، وبالتالي كان القمح الهندي مستبعد".

وما بين الأمل الحكومي بالحصول على أكبر كمية ممكنة من القمح المحلي وانتهاء الأزمة العالمية، تبقى العبرة التي يجب أن ينتبه لها المسؤولين الموسم المقبل أن الاستماع إلى الفلاحين ومحاولة تنفيذ مطالبهم والأخذ برأي خبراء الزراعة يمكن أن يكون طوق النجاة لواحدة من أهم السلع الاستراتيجية.