الرئيس السيسي في إفطار الأسرة المصرية. لقطة من الفيديو. رئاسة الجمهورية- يوتيوب

دعوة الحوار السياسي وعبور مرحلة الإظلام الكامل

ربما تكون حالة الجدل والنقاش التي أثارتها دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي لحوار سياسي يتماشى مع رؤيته لـ "الجمهورية الجديدة" من أول بشائر هذه الدعوة.

وقبل أن يبدأ الحوار أو تتضح ملامحه أو أهدافه، تقدمت أطراف عدة، أحزاب ومؤسسات بحثية ومنظمات حقوق إنسان وآخرين برؤاها لأولويات ذلك الحوار والقضايا التي يجب طرحها وكيفية ضمان تنفيذها. كما دبت الحياة في الأحزاب السياسية، بما في ذلك الأحزاب المعارضة التي كانت قد وصلتها رسالة واضحة أنه غير مسموح لها بأي نشاط ولو حتى إصدار بيانات. كما تعرض أعضاؤها، بما في ذلك كاتب المقال، للسجن منذ بداية العام 2019.

وفي أوساط المعارضة التي أنتمي لها، انقسمت الآراء؛ هل هذا الحوار جدي، هل يتم التلاعب بنا، لماذا الدعوة للحوار الآن، ومن الذي سيشارك كممثلين للمعارضة في الحوار؟ ليس الكل راضيًا عن تصدُّر المرشّح الرئاسي السابق "الناصري" المشهد الآن كممثل للمعارضة بعد لقائه الرئيس في إفطار الأسرة، وما تبدى من حرص الرئيس على الإشارة إليه بالاسم، والتقدم لمصافحته وإجراء حوار ودي قصير معه أسفر بشكل فوري عن اطلاق سراح الصديق والأخ حسام مؤنس، رفيقي في الزنزانة المجاورة في عنبر واحد سياسي بليمان طرة على مدى 19 شهرًا.

ومن بين صفوف المحسوبين على المعارضة أثار الكثيرون شكوكًا وتساؤلات مشروعة، خاصة من أطراف أو شخصيات (وفي مصر آفة السياسة الشخصنة) لم تتم دعوتها للحوار بسبب مشاكل قديمة أو مواقف تراها الجهة الداعية غير مقبولة. لماذا لم يتم إطلاق سراح هشام فؤاد وزياد العليمي وهما مع حسام مؤنس في نفس القضية المعروفة بـ "خلية الأمل"؟ لماذا تطالبون بالإفراج عن عدد محدود من السجناء فقط وليس الآلاف؟ كيف لا تتم دعوة جماعة الإخوان للحوار؟

كيف تقبلون الحوار أصلًا بعد كل ما مررتم به على مدى السنوات السبع الماضية وتثقون في أي وعود تقدم لكم؟ كيف تقبلون أن يتم التلاعب بكم من أجهزة أمنية تدير الحوار وستقوم لاحقًا بتقديمكم في المشهد الافتتاحي لمسلسل الاختيار 4، بينما يصافح الرئيس حمدين صباحي وخالد داود؟

في السجن، كان أحد الأحاديث الدائمة التي تثير الشجن، ذكرياتنا في ميدان التحرير طوال أيام الثورة الثمانية عشر.

وأخيرًا، وليس آخرًا طبعًا، هل ستتحدثون عن الإصلاح السياسي فقط؟ هذا أمر لا يهم المواطن العادي الذي يبحث عن قوت يومه ويطحنه غلاء الأسعار، ولا بد أن تكون الأولوية للعدالة الاجتماعية والقضايا الاقتصادية وتصاعد الديون وربما تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح والتوسع في زراعة المحاصيل والتعليم والصحة، وسيل لا ينتهي من كم مشاكل هائل يعاني منه غالبية المصريين.

وبعد أن أستمع لكل هذه التساؤلات المشروعة جدًا، لا أستطيع سوى أن أتذكر الشهور الطويلة التي قضيتها في السجن بلا أمل في الخروج، بل والخشية من التدوير في قضية جديدة بعد أن اقتربت فترة الحبس من عامين، ومعي المئات من التيار المدني الذي أنتمي إليهم، والذي أراه التيار الذي لا يزال يؤمن بالأهداف البسيطة لثورة 25 يناير: عيش حرية وعدالة اجتماعية، كما اشتركنا جميعًا في معارضة الإخوان المسلمين والحشد ضدهم والمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، وهو ما انتهى بعزل الرئيس الراحل محمد مرسي في 3 يوليو/ تموز 2013.

في السجن، كان أحد الأحاديث الدائمة التي تثير الشجن، ذكرياتنا في ميدان التحرير طوال أيام الثورة الثمانية عشر، وما تلاها من أحداث نهاية بـ 3 يوليو وأخيرًا بتولي الرئيس السيسي لمنصبه في يونيو/ حزيران 2014، إلى أن انتهى بنا الأمر خلف القضبان في الذكرى العاشرة لثورة 25 يناير. كم دوّارة هي الأيام. وكلما كان الحلم أكبر، كانت درجة الانكسار أكثر قسوة.

تشكّلت أول حكومة بعد 3 يوليو 2013 من وزراء ينتمون إلى جبهة الإنقاذ الوطني التي ترأسها الدكتور محمد البرادعي، والذي تولى شخصيًا لستة أسابيع فقط منصب نائب رئيس الجمهورية، قبل أن يستقيل بعد مذبحة رابعة بسبب خشيته مما أسماه بتكرار السيناريو الجزائري و"العشرية السوداء".

إغلاق المجال العام

لم تطل تجربة حكومة جبهة الإنقاذ وتمت إقالة حازم الببلاوي بعد ستة أشهر. وللأسف أقرت تلك الحكومة قانون التظاهر سيئ السمعة والذي كان أول ضحاياه الأصدقاء علاء عبد الفتاح وأحمد دومة وأحمد ماهر في نهاية العام 2013. وبعد ذلك بدأ تطبيق ذلك القانون في القبض على العديد من المتظاهرين، كفتيات وسيدات مظاهرة الاتحادية وآخرين. وتصاعدت المواجهة أكثر بعد قيام الحكومة بتسليم جزيرتي تيران وصنافير المصريتين للسعودية، وجرت موجة أخرى واسعة من الاعتقالات انتهت بسجن المئات من شباب وفتيات الأحزاب والحركات المدنية.

وفي الوقت نفسه فُرضَ حظر شبه كامل على نشاط الأحزاب المعارضة للرئيس السيسي، وعدنا لمرحلة محاصرة الأحزاب في المقرات، والقيام بشكل منتظم باعتقال أعضاء تلك الأحزاب، مما أدى لتراجع عضويتها وتجميد نشاطها، وتم فرض الحجب على المئات من المواقع الإخبارية والحقوقية وفرض سيطرة كاملة على وسائل الإعلام.

وربما تكون معركة رفض التعديلات الدستورية في مطلع العام 2019، والتي سمحت بتمديد فترة حكم الرئيس حتى العام 2030 بدلًا من الاكتفاء بثمانية سنوات تنتهي في 2022، وفقًا لدستور 2014 الأصلي، هي آخر معارك تكسير العظام بين الأجهزة الأمنية التي تدير المشهد السياسي، وأحزاب المعارضة المدنية التي شاركت وتفتخر بثورة 25 يناير، كما كان لها الدور الأبرز في مواجهة الإخوان في عام تولي مرسي للرئاسة.

واعتقلت السلطة العديد من أعضاء أحزاب وحركات الدستور، والكرامة، والعيش والحرية، والتحالف الاشتراكي، والمصري الديمقراطي، والاشتراكيين الثوريين، و6 أبريل، وآخرين، للتمسك بمعارضة التعديلات الدستورية. وعندما بدأت تلك الأحزاب الاستعداد والتفكير في كيفية المشاركة في الانتخابات البرلمانية التي كان من المفترض أن تعقد بعد عام وعدة شهور، وجهت الأجهزة الأمنية ضربة إجهاضية عبر القضية المعروفة بـ "خلية الأمل" في نهاية يونيو 2019، وتم القبض على حسام مؤنس وزياد العليمي وهشام فؤاد والعديد من المقربين من النائب الناصري السابق والرئيس الحالي لحزب الكرامة، أحمد طنطاوي.

ولم تكد تمضي شهور حتى دخلنا في أزمة المقاول المريب محمد علي والتظاهرات التي دعا لها في سبتمبر/ أيلول 2019. ويبدو أن النظام تفاجأ أن مواطنين تظاهروا بالفعل في القاهرة، وبشكل أكبر في عدة محافظات. واتخذت الأجهزة الأمنية المعنية قرارًا واضحًا بأن الوضع المتوتر لم يعد يتحمل أي معارضة، ولو كانت من أحزاب مدنية تعارض بشكل مبدئي جماعة الإخوان التي من المفترض أنها تمثل التهديد الأكبر للنظام.


اقرأ أيضًا: رجل المفاجآت: زلزال محمد علي وتوابعه

تصميم: المنصة

وفي نهاية سبتمبر 2019، تم إلقاء القبض على كاتب المقال، الرئيس السابق لحزب الدستور، وكذلك نائب رئيس حزب الكرامة ونائب رئيس حزب التحالف الاشتراكي وأساتذة جامعات بارزين كحازم حسني وحسن نافعة، ونشطاء سياسيين مثل ماهينور المصري وكمال خليل وإسراء عبد الفتاح ومئات آخرين بدون أي مبرر مفهوم. فنحن ليس فقط لم نشارك أو ندعو للمشاركة في المظاهرات التي دعا لها ذلك المقاول المريب، بل وقفنا ضده وقلنا إننا لا نثق فيه ولا نعرف من يقف وراءه.

كيف وصلنا إلى هنا؟

لماذا كل هذا السرد؟ هذا مهم جدًا لكي نتذكر النقطة التي كنا قد وصلنا لها، وكيف أنه تم قطع المياه والكهرباء تمامًا، كما نقول باللغة الدارجة، عن أحزاب المعارضة منذ العام 2019. كما أصبح الحد الأدنى من حرية التعبير عن الرأي غير مسموح به. وفي السجن، كنا جميعًا محبوسين بسبب تعليقات كتبناها على فيسبوك، أو المشاركة في حملة على تويتر تحت هاشتاج لا تقبله أجهزة الأمن، أو لتنظيم حملة ترفض التعديلات الدستورية وتنشر فيديوهات تبين حشد الدولة للناخبين للتصويت لصالح التعديلات.

وبعد خروجي من السجن قبل عام، وبسبب ظروف السجن نفسها التي سمحت بفتح قنوات الاتصال مع الأجهزة الأمنية التي تتابع الملف السياسي، كانت الرسالة الوحيدة التي أحاول نقلها هي ضرورة الإسراع في إغلاق ملف حملات سجن المعارضين التي لم تتوقف طوال السنوات السبع الماضية، ولكن تصاعدت بشكل كبير منذ مطلع العام 2019.

الحجة الرئيسية طبعًا كانت أننا لم نرتكب أساسًا ما يستحق تقييد حريتنا، ولكن، حتى لو كانت وجهة نظر الأمن في ذلك الوقت أن الأوضاع الداخلية لم تكن تسمح بأي مظاهر اعتراض، إذ انتهت تلك الفترة الممتدة الآن عامين وثلاثة، وهذه فترة عقوبة طويلة جدًا دون محاكمة في أغلب الأحيان. وكانت الوعود دائمًا إيجابيةً بأنه سيتم إغلاق ذلك الملف، ولكن ببطء شديد جدًا. يخرج خالد داود ثم بعده بعدة شهور اثنان أو ثلاثة آخرين ثم عدد مماثل بعد فترة زمنية طويلة، وهكذا.

مضت الأمور بهذا الشكل حتى مساء الأحد 25 أبريل/ نيسان، حينما تلقيت مكالمة مفادها أن الأجهزة الأمنية ستقوم بالإفراج عن زميلي وصديقي في حزب الدستور هيثم البنا. وصباح يوم 26 توالت الأنباء انه تم الإفراج عن 41 من المحبوسين احتياطيًا، ومنهم من طالت فترة حبسهم مثل الدكتور وليد شوقي وحسن البربري، وأحمد تمام ومحمد صلاح وآخرين.

بعدها بعدة ساعات جاءتني الدعوة لحضور إفطار الأسرة المصرية. وكانت المعادلة دائمًا بالنسبة لي أنه لو استجاب النظام لمطلب رئيسي لنا وهو إطلاق سراح المحبوسين، فهذه بادرة إيجابية وطيبة تؤكد جديته في فتح حوار معهم غرضه الأساسي، من وجهة نظري، هو كيفية استعادة الحد الأدنى من التعددية وحرية العمل السياسي والإعلامي في مصر.

بعد أن نستعيد ذلك الحد الأدنى، ونطمئن كأحزاب معارضة، وصحفيين ومواطنين، أنه سيكون من حقنا التعبير عن مواقفنا من دون الخوف من السجن بشكل دائم، يمكن للجميع المشاركة برأيه والإدلاء بدلوه في أي حوار سياسي ترغب الدولة في تنظيمه على مدى أيام أو أسابيع. نعم ترحب أحزاب المعارضة وأي عاقل بالحوار، ولكن من تعرّض لقطع المياه والكهرباء ومنع أي تحرك أو تعبير عن الرأي وكذلك السجن، يجب أن يتيقن أولا أننا تجاوزنا وعبرنا فترة الإظلام الكامل، وأصبح هناك نافذة ولو صغيرة مفتوحة للتعبير عن الرأي في كل الأمور المتعلقة بالشأن العام.

ولو اتفقنا على ذلك، وعبر القنوات المناسبة، فإن الحوار السياسي الذي دعا له الرئيس سيكون مثمرًا ومفيدًا في تبادل الآراء حول كل قضايا الوطن، لتحديد الأولويات المطلوبة، ولكن من دون وجود أي أوهام من أي نوع أننا بصدد التوصل لوثيقة وطنية جامعة يتفق عليها الجميع.

لا أريد أن يتفق الجميع على شيء سوى أن من حق الكل التعبير عن رأيه من دون خوف، وتقديم المقترحات التي توافق رؤاه الليبرالية، أو اليسارية أو القومية أو الإسلامية، وبعد ذلك ليتنافس الجميع في انتخابات حرة نزيهة يقرر فيها الشعب الطريقة التي يجب أن تدار بها مصر.

ولذا قد يكون من الأولويات العاجلة مراجعة قوانين الانتخابات لكي تكون هناك ولو أدنى فرصة لأحزاب المعارضة المشاركة والتنافس، بدلًا من نظام القائمة المطلقة الذي يسمح للأجهزة المعنية باختيار المرشحين وحشدهم داخل مجلس النواب، لضمان ولاءهم وعدم طرح قضايا تحرج النظام. من حق النظام أن يشكل الأحزاب الموالية له، وما شاء من تنسيقيات، ولكن لا يجب أن يكون السجن مصير من يختار الانضمام لأحزاب أخرى.


اقرأ أيضًا| يوميات 19 شهرًا من الحبس الاحتياطي| زي ما انت (1)

رسوم: هشام عبد الحميد- المنصة

ولتحقيق هذا الهدف، يجب أن نتجاوز خلافاتنا الشخصية والتوقف عن التشكيك في نوايا بعضنا بعضًا، وترديد النظريات التآمرية حول المصالح الشخصية للمشاركين، والتي بلغت أن كتب احدهم مقالًا يقول إنني دخلت السجن بالاتفاق مع أجهزة الأمن لتلميعي في مرحلة لاحقة، وإن هذا أمر متعارف عليه! كما أن أحدًا لن يسمح باستغلاله في للمشاركة في مسرحية أو مسلسل الاختيار4، أو استعراض يرتبه النظام لسبب لم يحدده أحد بشكل قاطع حتى الآن.

وكما نقول في مصر "الميه تكدب الغطاس". يقول النظام في مصر الآن عبر أعلى ممثليه، رئيس الجمهورية، انه جاد في الدعوة للحوار السياسي وانه بعد سنوات سبع من التحديات الصعبة، فإنه أكثر قبولًا وانفتاحًا نحو الأصوات المعارضة. وهذا توجه مرحّب به بكل تأكيد. ولكن العبرة بالتنفيذ.

إذا تم إغلاق ملف سجناء الرأي وخروجهم من السجن، ثم التعهد بشكل واضح وبناء على قرار سياسي بالتوقف عن ملاحقة المعارضين أمنيا وحبسهم، وكذلك رفع القيود المفروضة على الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، سيشعر الجميع بالثقة وبالاطمئنان ويشارك في الحوار المزمع بجدية لتحديد أولويات الإصلاح الاقتصادي والسياسي. عدا ذلك، فإن الأجهزة الأمنية تقوم منذ فترة بحملة واسعة لتطوير وتحسين أوضاع السجون التي أصبح اسمها الرسمي مراكز تأهيل، وربما يكون حظي أفضل في المرة المقبلة في الاحتجاز في زنزانة أكثر براحًا بحمام مستقل وتلفزيون وساعات تريض أطول، والمزيد من الكتب، بدلًا من زنازين طرة القديمة والمتهالكة. ومن يمتلك خيارًا آخرًا يضمن الحفاظ على أمن مصر واستقرارها، مع فتح المجال السياسي في نفس الوقت، فليتفضل به.