صورة تندد بالقيود على الصحافة: أحمد محمد- فليكر. برخصة المشاع الإبداعي

الحوار الوطني: حتى لا يظل الاستبداد جاثما فوق الصدور

الحدود الدنيا للنتائج المنتظرة من الحوار الوطني في 2022 لا يجب أن تقل عن فتح كامل للمجال العام المحاصر منذ سنوات، وإجراءات تنفيذية تتعدى الحديث الشفوي لتصل إلى تعديلات تشريعية جذرية تغير الواقع السياسي بشكل كامل. وفي طرح التشريعات واختيار أكثرها أهمية وضرورة فليتنافس المتنافسون، ومع ذلك فإن هناك قوانين لا يجوز من حيث المبدأ بقاؤها على حالها إذا أردنا أن يكون الحوار المنتظر بداية لانتقال ديمقراطي حقيقي.

نصوص وقوانين دعم الاستبداد وتأميم المجال العام كانت واضحة وضوح الشمس طوال السنوات الماضية، وآن الأوان لمحوها من النظام القانوني المصري بشكل كامل.

الحبس الاحتياطي المفتوح

تحول الحبس الاحتياطي، كإجراء احترازي، إلى عقوبة في حد ذاته هو كارثة كبرى تحاصر حرية المواطنين وتسرق أعمارهم بين جدران السجون. الآلاف من سجناء الرأي دفعوا سنوات من أعمارهم في الحبس الاحتياطي لمدد مفتوحة تعدت حتى الحد الأقصى لهذا الإجراء الاستثنائي المقدر بعامين، بعض السجناء قضوا مددًا تزيد عن أربع سنوات فلا هم نالوا حقهم في الإحالة للمحاكمة ولا نجوا من كابوس الحبس الاحتياطي الدائم.

تنص القوانين المصرية ومواد الإجراءات الجنائية على أن مدة الحبس الاحتياطى في أحوال الجنايات محددة بسنتين، وهي مدة طويلة للغاية، تحوّل الحبس الاحتياطي من "إجراء تستلزمه ضرورات التحقيق" إلى عقوبة منفصلة.

في قوانين العقوبات الحديثة على مستوى العالم هناك اتجاه للأخذ ببدائل للحبس الاحتياطي، فالأصل أن يظل الإنسان حرًا، والأصل أن الحبس الاحتياطي إجراء استثنائي ليس من المناسب التوسع في استخدامه. بدائل الحبس الاحتياطي موجودة في المادة 201 من قانون الإجراءات الجنائية، التي تجيز للنيابة منع المتهم من مغادرة منزله أو السفر خارج مدينته والحضور لقسم الشرطة بشكل دوري، وكلها للأسف نصوص معطلة لا يتم استخدامها إلا في أضيق نطاق ليظل سيف الحبس الاحتياطي مشهرًا على رقاب المعارضين وأصحاب الرأي.

تعديل نصوص الحبس الاحتياطي في القانون ليس قضية حوار وطني فحسب، بل عدالة في الأساس. فلا عدل في أن يفقد إنسان حريته لسنوات ثم يحصل على البراءة أو يُخلى سبيله ليتم حفظ القضية بعد ذلك. حرية المواطنين قيمة تهدرها نصوص الحبس الاحتياطي الممتدة، التي لا يمكن فهمها إلا في سياق ممارسة أقصى درجات القمع والاستبداد على المجتمع.

كل المعارضين الذين سيشاركون في الحوار السياسي عليهم الآن إعداد تعديلات تشريعية على نصوص الحبس الاحتياطي، وتقديمها للسلطة وقت الحوار، والتمسك بضرورة ألا تزيد المدة في مجملها عن ٦ أشهر، واستخدام بدائل الحبس الاحتياطي بشكل أوسع ضمانًا واحترامًا لحرية المواطنين. ​

على أن تعديل القانون ليصبح الحد الأقصى للحبس الاحتياطي ستة أشهر، يجب أن يسبقه تعهدات واضحة بالتوقف عن ملاحقة المعارضين وأصحاب الرأي وعن "تدويرهم" في قضايا جديدة كلما انتهت مدة الحبس الاحتياطي.

التقييد المطاطي

في غفلة من الزمن وبنصوص "مطاطية" ليس لها تعريف واضح صدر قانون تنظيم الصحافة والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عام 2018، وأضحى الحصار المفروض على الصحافة وحريتها مدعومًا ومقننًا بنصوص غريبة وغير مفهومه وأضحت العقوبات الواردة في القانون قاسية وغير مبررة بشكل لا مثيل له من قبل.

"يُحظر على المؤسسة الصحفية والوسيلة الإعلامية والموقع الإلكتروني نشر أو بث أي مادة أو إعلان يتعارض محتواه مع أحكام الدستور، أو تدعو إلى مخالفة القانون، أو تخالف الالتزامات الواردة في ميثاق الشرف المهني، أو تخالف النظام العام والآداب العامة، أو يحض على التمييز أو العنف أو العنصرية أو الكراهية.

وللمجلس الأعلى، للاعتبارات التي يقتضيها الأمن القومي، أن يمنع مطبوعات، أو صحف، أو مواد إعلامية أو إعلانية، صدرت أو جرى بثها من الخارج، من الدخول إلى مصر أو التداول أو العرض. وعلى المجلس أن يمنع تداول المطبوعات أو المواد الإباحية، أو التي تتعرض للأديان والمذاهب الدينية تعرضًا من شأنه تكدير السلم العام، أو التي تحض على التمييز أو العنف أو العنصرية أو الكراهية أو التعصب". المادة 4 من القانون.

كلمات غير مفهومة قامت بتقنين القيود المفروضة على الصحافة، ففي المادة الرابعة من القانون وحدها ستصدمك كلمات "مطاطة" تجيز العقاب بشكل مذهل مثل "النظام العام والآداب العامة والعنصرية والكراهية والمواد الإباحية والتعرض للأديان وتكدير السلم العام". كلها كلمات وجمل لم يضع لها القانون تعريفًا واضحًا، وبالتالي يمكن توظيفها ضد كل ما لا يعجب "الرقيب" الذي سيتولى التفسير بنفسه، ويطبقه على أصحاب مهنة قامت بالأساس على النقاش والرأي والجدل العام والاشتباك مع القضايا الشائكة.

بعقوبات صارمة تصل إلى الغرامات المغلظة وحجب الصحف والمواقع ومنع النشر وإزالة مواد محددة وغيرها من صور الحصار يمنح هذا القانون المجلس الأعلى للإعلام سلطات واسعة ضد وسائل الإعلام، تصادر حريتها وتضعها بشكل دائم تحت طائلة القانون، وهو الأمر الذي تكرر ضد العديد من المواقع والصحف طوال السنوات الماضية.

"لا يجوز بأي حال من الأحوال الترخيص أو التصريح بإنشاء أية وسيلة صحيفة أو إعلامية أو موقع إلكتروني، أو السماح له بالاستمرار في ممارسة نشاطه متى كان يقوم على أساس تمييز ديني أو مذهبي، أو التفرقة بسبب الجنس أو الأصل، أو على أساس طائفي أو عِرْقي، أو تعصب جَهوي، أو إلى ممارسة نشاط معادٍ لمبادئ الديمقراطية، أو على نشاط ذي طابع سري، أو تحريض على الإباحية، أو على الكراهية أو العنف، أو تدعو إلى أي من ذلك أو تسمح به". مادة 5 من القانون.

بعبارات مبهمة مثل "التعصب الجهوي وممارسة نشاط معادي للديمقراطية والتحريض على الإباحية" جاءت المادة الخامسة لتمنح المجلس الأعلى للإعلام الحق في رفض ترخيص مؤسسة إعلامية أو رفض استمرارها في العمل، وهو أمر يحمل التأكيد على نفس الروح التي وضعت هذا القانون المعادي بالطبيعة للصحافة وحريتها.

بدون ضغوط حقيقية من نقابة الصحفيين ومن كل المهتمين بالحريات العامة وحرية الصحافة والإعلام للوصول إلى تعديلات حقيقية لهذا القانون لا أمل في نجاح الحوار السياسي أو اعتباره منتجًا وفعالًا، فالأصل هو إصدار المواقع والمؤسسات الإعلامية بمجرد الإخطار، والأصل أن العقوبات لا يتم استخدامها إلا في ثلاث جرائم فقط لا غير، حصرهم الدستور في المادة 71 "التحريض على العنف والتمييز بين المصريين والطعن في الأعراض"، أما كل ما يتعدى هذه المادة الدستورية فهو مجرد أدوات تدعم بقاء الاستبداد جاثمًا فوق الصدور.