تصميم: يوسف أيمن - المنصة.

موكا حجازي: ضحية تُحاكم مرتين

قبل نحو سنة، تحديدًا صباح 13 يوليو/ تموز 2021 في محكمة أكتوبر حيث قاعة انعقاد جلسات الجنح، جلست أتأمل وجوه الحاضرين، في محاولة لتخمين هوية الفتاة التي هزت قيم الأسرة المصرية، لكني فشلت، حتى استعنت بشرطي للاستعلام عن فتاة شهرتها موكا حجازي، ذلك الاسم الذي رج مواقع التواصل الاجتماعي، وتصاعدت المناشدات لسرعة ضبطها لتنال عقابها مثل حنين ومودّة وغيرهن من صانعات المحتوي. وإذ بالحارس ينبهني أن الفتاة التي أبحث عنها جاءت.

وجدت طفلة نحيفة وجهها مغطى بالدموع والذعر، لا أحد معها من الأهل، وليس معها محام، وحدها تواجه مجتمعًا ومؤسسات. وقتئذ كانت موكا مشوشة ولا شيء على لسانها سوى "هروح امتى؟"، ليبدو واضحًا أنها لم تكن تدرك مصيرها في تلك اللحظة. لم تعد موكا إلى بيتها منذ ذلك الوقت، إذ أدينت لكونها فتاة تيك توك، حيث أصدرت محكمة مستأنف الطفل في 31 مايو/ أيار الماضي، حكمًا بمعاقبتها بالحبس سنتين ووضعها تحت الاختبار القضائي لمدة سنة.

المتهمة أو الضحية

نشأت موكا في أسرة مفككة. انفصل الأبوان، فهاجرت الطفلة مع الأب إلى دولة عربية لتكبر بعيدًا عن حضن أمها وأشقائها والوطن، وسط عادات مغايرة، ومع زوجة لأبيها تسببت خلافاتها معه في أن يلفظها، لتجبر على العودة إلى مصر للعيش في كنف أمها.

لم تتقبلها الأم بالعادات الدخيلة، فتعرضت لعنف أسري دفعها مرتين لمحاولة التخلص من حياتها، وحين أنقذت في المرتين، رأت أن الشارع سبيلها الوحيد للتخلص من هذا العنف.

لم يكن الشارع أكثر شفقة على موكا، فإذ به يبتلع براءتها بالعنف تارة، وبالعوز تارة أخرى، فهي لا تملك من حطام الدنيا شيئًا؛ لا صنعة تجلب لها المال، ولا سكنًا يحميها من الذئاب التي نهشت جسدها، وفي تلك المرحلة أيضًا حاولت أكثر من مرة الانتحار لتتخلص من حياتها البائسة.

وكالعادة، تُنقذ من الموت دون أن تُمنح الحياة، فترضخ لضغوط آخرين استغلوا ظروفها وغياب الأسرة، مثل المتهم الثاني في قضيتها والذي دفعها لإنشاء حسابات لها على مواقع التواصل الاجتماعي، تنشر عليها صورًا وفيديوهات وهي تغني وترقص، لتنتهي رحلتها حبيسة بدار الرعاية أبو أتاتة بحكم قضائي إرضاءً لمواطن تثير فتيات التيك توك غضبه.

محطات قضائية

بدأت القضية، في صباح التاسع من يوليو/حزيران 2021، حين ضُبطت موكا بدون إذن قضائي، وعُرضت على النيابة دون محامٍ، لتواجه حزمة من التهم "فعل فاضح، التعدي علي القيم الأسرية، إدارة واستخدام موقع، اعتياد دعارة"، وأمرت النيابة بإيداعها بدار رعاية لكونها طفلة، وبعدها بأيام ضُبط المتهم الثاني الذي قام بتصويرها، وإنشاء الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، ووجهت إليه تهم "استغلال الطفلة موكا جنسيًا وتجاريًا بدفعها لتصوير مقاطع فيديو مسجلة، مرتدية ملابس فاضحة، وأداء رقصات مخلة بالحياء، ونشر تلك المقاطع قاصدًا من ذلك تحقيق الربح، والاشتراك مع الطفلة بالتعدي علي قيم الأسرة، إدارة واستخدام موقع على الشبكة المعلوماتية"، وتم حبسه وتحريز هاتفه لفحصه وإعداد تقرير فني.

على مدار شهور، تقدمت بصفتي محاميتها بطلبات لسماع موكا كمجنيٍّ عليها وإخلاء سبيلها، لم تستجب النيابة، وظلت الطفلة مسجونة لم يسمع أحد شكواها، حتى أن النيابة غضت الطرف عن نقلها، واستمر احتجازها مع بالغات في قسم شرطة أول أكتوبر، رغم كم الشكاوى التي قدمتها للمحامي العام وموقع النيابة العامة، وخط نجدة الطفل وموقع شكاوى مجلس الوزراء والمجلس القومي لحقوق الإنسان.

في صباح الحادي عشر من يناير 2022، حُقق مع موكا كمجنيٍّ عليها في وقائع استغلالها جنسيًا وتجاريًا، وطلبت الفتاة نقلها من قسم الشرطة فجاء رد المحقق "خايف تروح الدار تهربي"، هنا تجمد جسمي وقتئذ وفقدت الأمل، جميع الفرص تتلاشى للتعامل معها كمجنيٍّ عليها مثل منة عبد العزيز التي استبعدت من الشبهة الجنائية واعتبرتها النيابة مجنيًّا عليها، وأمرت بإعادة تأهيلها نفسيًا.

بالفعل أحيلت موكا للمحاكمة بتهمتي "اعتياد الدعارة، الإعلان بممارسة الفجور"، وفي 24 فبراير/ شباط الماضي، انعقدت المحاكمة بجنح الطفل وعاقبتها في اليوم نفسه بالحبس سنة للتهمة الأولى وسنتين للثانية، واستأنفت موكا الحكم.

استغرقت المحاكمة أمام الاستئناف شهرين، حتى صدر الحكم بجلسة في نهاية مايو/ أيار الماضي، بتعديل العقوبة الأولى من حبس عام إلى مراقبة قضائية لمدة سنة، وتأكيد العقوبة الثانية بالحبس سنتين.

نبش في أوراق قضائية

هل موكا متهمة أم ضحية؟ إجابة السؤال يستدعي النبش في أوراق القضية للوقوف على المركز القانوني لموكا؟ هل صدور حكم الاستئناف يسدل الستار على القضية ويدينها بل ويوصمها؟

الإجابة لا، الحكم نهائي ولكنه ليس باتًا فما زالت هناك درجة تقاضٍ أخيرة وهي النقض. أما فيما يتعلق بصلب السؤال، فموكا ضحية لعدة أسباب:

1-توجيه الاتهامات للمتهم الثاني باستغلالها جنسيًا وتجاريًا وتعريض حياتها للخطر باعتبارها طفلة، ونشر مقاطع مصورة للطفلة والتعدي على القيم الأسرية، وفي 13 نيسان/ إبريل الماضي، صدر حكم يدينه بالسجن ثلاثة سنوات مشددة، وغرامة مائة ألف جنيه ومصادرة هاتفه.

2- تخصيص جزء من القضية عن جناية هتك عرض الطفلة موكا.

من مذكرة النيابة الوارد بها إحالة المتهم للمحاكمة ونسخ صور من القضية أحدهما نسخة بواقعة هتك عرض الطفلة دون قوة أو تهديد.

3- أكد الأخصائي الاجتماعي في تقريره المرفق بأوراق القضية "تم استغلالها من خلال (...) الذين جعلوها تسير في هذا الطريق غير الأخلاقي وهي بذلك ضحية لظروف نشأتها وتربيتها وتحتاج للتأهيل".

4-انتهت مذكرة النيابة في جناية الاتجار بالبشر إلى استبعاد المسؤولية الجنائية من قبل المجني عليه فيما ارتكبه من جرائم مرتبطة بجريمة الاتجار بالبشر، التي كانت وجهت للطفلة المذكورة.

من مذكرة النيابة باستبعاد المسؤولية الجنائية للطفلة فيما ارتكبه من جرائم مرتبطة بجريمة الاتجار بالبشر.

ما سبق سرد يوضح اضطراب حقيقة الواقعة في التحقيقات، بين وضع موكا تارة كمجنيٍّ عليها في وقائع استغلال جنسي وتجاري وهتك عرض، وتارة أخرى كمتهمة باعتياد ممارسة الدعارة والإعلان عن ممارسة الفجور. ذلك الاضطراب جعل القضية مسخًا مشوهًا، بأن تحاكم موكا عن ذات الوقائع التي أحيلت بها كمجنيٍّ عليها في قضية الاتجار بالبشر، التي صدر لصالحها حكم جنائي ضد المتهم الثاني، وتعاقب بالحبس بدلًا من توفير الحماية المقررة للضحايا وفقًا لقانون الاتجار بالبشر.

لكن، قد يطرح البعض سؤالًا آخر: هل ثمة دليل بالأوراق يدين موكا بممارسة الدعارة، ولذلك صدر حكم الإدانة؟ الإجابة أيضًا لا، خلت الأوراق من ثمة دليل علي إدانتها، أو حتى ضبطها متلبسة، فضلًا عن خلو السجل الجنائي لها من أي عقوبات، بالإضافة إلى اختلال المراكز القانونية لموكا، حيث اعتبرتها النيابة مجنيًا عليها في وقائع استغلال جنسي وهتك عرضها.

وبخصوص "ممارسة الفجور"، فهل أعلنت موكا ممارسته؟ الإجابة لا ثالثة، فوفقًا للتحقيقات والتحريات والحكم القضائي الصادر في أبريل/نيسان ضد المتهم الثاني، فهو المسؤول عن إنشاء وعرض وتصوير وإدارة حسابات، وهو من قام بحذف محتواها، فضلًا عما انتهي إليه الفحص الفني لهاتف المتهم الثاني "إنه حوى على عدة حسابات لتطبيقات تواصل اجتماعي، وبريد الكتروني باسم المجني عليها، ورسائل محادثة مع آخرين يعلن فيها أنه المسؤول عنها، والتسويق لأعمالها، كما تم استرجاع عدد من الصور والفيديوهات"، بالإضافة إلى ما انتهت إليه مذكرة النيابة من استبعاد المسؤولية الجنائية عن الطفلة في الجرائم المرتبطة بجريمة الاتجار بالبشر.

الإعلام كجزء من المشلكة

طيلة العام المنصرم طعنت المواقع والمؤسسات الصحفية في موكا، وشهرت بها ووصمتها أخلاقيًا، فتناولت حياتها الشخصية، دون مراعاة حداثة سنها أو كونها ضحية، فضلًا عن عدم التزمها بضوابط حرية الصحافة والإعلام المقررة دستوريًا[1]، وما قرره قانون تنظيم الصحافة والإعلام من حظر انتهاك حقوق وحريات المواطنين، أو مس حرياتهم[2]، وما انتهى إليه كود ضوابط وأخلاقيات نشر أخبار الجريمة والتحقيقات إلى إخفاء شخصية الطفل وذويه وعدم إبراز معلومات تكشف شخصيته[3].

أصرت المواقع الصحفية علي نقل وجهة نظر أحادية وهي وصم موكا، ونشر مقتطفات من أوراق التحقيق وإخفاء الحقيقة. نعم كان هناك تحامل على الطفلة وكأنها دنس ولابد من تطهير المجتمع منه، فتلك المواقع لم تشر من قريب أو بعيد إلى قضية الاتجار بالبشر بموكا نفسها، أو أنها كانت ضحية لسلسلة جرائم، وضحية أسرة تخلت عنها، ومجتمع قرر ينسلخ منها، بدلًا من احتضانها، حتى أن النيابة التي كان مفترض أن تحمي موكا تقاعست عن محاسبة القائم بضبطها دون إذن قضائي أو محاسبة من أودعها بمقر احتجاز مع البالغات ما يشكل عليها خطر، وعدم توفير حماية لها باعتبارها مجني عليها، وفقًا لقانون الاتجار بالبشر.

هدف هذا المقال هو وضع القضية في نصابها الصحيح؛ أن موكا ضحية وتستحق الرعاية وإعادة تأهيلها ودمجها في المجتمع، وهذا إعمال بالتزامات الدولة الواردة بقانون الاتجار بالبشر، ووقف الملاحقة الإعلامية للطفلة، التي لم تجد من ينصفها طيلة السنة الماضية، ولا أعلم كيف ستواجه موكا المجتمع بعد حملات التشهير الممنهجة ضدها؟


[1]- اعتبرت المادة99 من الدستور الحالي أي عدوان علي الحياة الشخصية الخاصة جريمة لا تسقط بالتقادم، كما آثمت المادة70 الطعن في أعراض الافراد فحدد القانون عقوباتها.

[2]- نص المادة17 من قانون تنظيم الصحافة والاعلام رقم180لسنة2018.

[3]- راجع قراررقم22لسنة2022 بتعديل لائحة الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام المؤسسات الصحفية والمؤسسات الصحفية والمؤسسات الإعلامية بأصول المهنة وأخلاقياتها.. الصادر من المجلس الأعلى لتنظيم الاعلام، المنشور بالجريدة الرسمية، العدد108(تابع)في16/5/2022.