بايدن في حديقة البيت الأبيض. الصورة من حساب البيت الأبيض على فليكر. برخصة المشاع الإبداعي

جو بايدن: بين أقوال أوباما وأفعال ترامب

من قمة الدول الأمريكية التي يستضيفها الرئيس الأمريكي جو بايدن اليوم الأربعاء في مدينة لوس آنجلوس إلى القمة الخليجية التي سيطير إلى الرياض لحضورها نهاية هذا الشهر، تثبت هذه الإدارة الديمقراطية أنها عجزت عن التراجع عن سياسات الجمهوري دونالد ترامب، رغم تبنيها شعارات سلفه باراك أوباما ومبادراته الجريئة، سواء في التصالح مع كوبا وأمريكا اللاتينية، أو الاتفاق النووي مع إيران، وصولًا الى محاولة تغيير الديكتاتوريات التي كانت المفضلة لترامب في العالم العربي.

باراك أوباما زار كوبا عام 2016 كأول رئيس أمريكي يفعل ذلك على مدى أكثر من ثمانين سنة، ويرفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب معتبرًا أن التغيير المطلوب لن يتحقق بين ليلة وضحاها. لكن ترامب يأتي بعده في العام التالي مباشرة ليقطع العلاقات مع كوبا ويعيدها لقائمة الدول الراعية للإرهاب.

ورغم عدم حضور ترامب قمة دول الأمريكتين في بيرو عام 2018، مفضلًا إغلاق أبواب الهجرة حتى على جيرانه من دولها، ضمن مسلسل انسحابه من عدة تجمعات إقليمية و دولية، لكنه بعد بناء علاقات مع أنظمة يمينية وسلطوية يستريح معها في دول مثل البرازيل، وجّه ترامب الدعوة لاستضافة قمة الأمريكتين في الولايات المتحدة، والتي شهدت في عهد الرئيس بيل كلينتون عام 1994 أول قمة من نوعها، وتُعقد كل ثلاث سنوات.

القمة التي عُقدت في مدينة لوس آنجلوس هذا الأسبوع من الاثنين إلى الأربعاء، لم يحضرها في ضيافة الرئيس بايدن سوى أقل من نصف عدد رؤساء الدول الـ 35 الأعضاء في منظمة الدول الأمريكية!

وعلى رأس قائمة أبرز الرؤساء المقاطعين لقمة بايدن، رئيس المكسيك الذي أرسل وزير خارجيته، معترضًا على عدم دعوة الولايات المتحدة لثلاثٍ من دول أمريكا اللاتينية لحضور القمة، وهي حكومات كوبا وفنزويلا ونيكاراجوا، بحجة أمريكية أنها دول غير ديمقراطية ولا تحترم حقوق الإنسان.

وأعلن الرئيس المكسيكي لوبيز أوبرادور مقاطعة القمة قائلا "إن لم نُدعَ جميعا فلن أذهب"، وهو ما أكده بالمثل رئيس بوليفيا رافضًا التفرقة بين "الدول الشقيقة" في الأمريكيتين! (موقف لن نجده بين "الأشقاء العرب" المتنافسين على من يحظى دون غيره من العرب بحضور أي قمة لبايدن ومصافحته حين يزور السعودية وإسرائيل!)

واضطُرَّ البيت الأبيض لابتلاع الإهانة المكسيكية بالإعلان عن أن رئيس المكسيك سيزور واشنطن لاحقًا في الشهر المقبل لمحادثات ثنائية مع الرئيس بايدن.

أجندة بايدن في مقاطعة الدول غير الديمقراطية والتي تنتهك حقوق الإنسان، تعرضت لأول اختبار لها أمام الحاجة النفطية في أمريكا اللاتينية وقبل المنطقة العربية. حدث هذا بعد أسبوع واحد من الغزو الروسي لأوكرانيا. ففي مارس/ آذار الماضي، زار ثلاثة من المبعوثين الأمريكيين دولة فنزويلا التي لا تعترف إدارة بايدن بشرعية انتخاب رئيسها مادورو، لعقد صفقة سياسية مع النظام الذي اعتبرته واشنطن من أكبر منتهكي الحريات وحقوق الإنسان في القارة!

وبعد أن سمحت إدارته للمخابرات الأمريكية بنشر وثائق، حجبها ترامب، تثبت أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كان وراء قتل وتقطيع أشلاء الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي، يعود الرئيس الديمقراطي للمصافحة وتقبيل اللحى.

أفرج مادورو عقب زيارتهم عن اثنين من السجناء السياسيين لديه، لأنهما مواطنان يحملان أيضًا الجنسية الأمريكية، ووافق النظام على بدء حوار (وطني) مع المعارضة التي يمثلها في الداخل الرئيس المنتخب شرعيًا (جوايدو) والوحيد الذي تعترف به واشنطن. في المقابل، يتم السماح لفنزويلا بتصدير بعض بترولها المحاصر بعقوبات أمريكية، وهي الدولة الراقدة على أكبر احتياطي نفطي في القارة! لكنه تخفيف طفيف لا يفي بالحاجة الامريكية وحاجة السوق العالمية، لأن إدارة بايدن تستحي التخلي مرة واحدة عن أجندة الديمقراطية، خوفًا من خسارة أصوات مهاجري أمريكا اللاتينية من الديمقراطيين، مثلما هي غير قادرة على استعادة العلاقات مع كوبا التي قطعها ترامب خشية إغضاب أصوات المهاجرين الكوبيين في ولاية فلوريدا المتأرجحة في انتخابات الرئاسة الأمريكية؛ وأغلب هؤلاء الناخبين من المعارضين للنظام الكوبي الذي أسسه كاسترو.

وكما يقف اللوبي الكوبي في أمريكا كجماعة ضغط سياسية مؤثرة وعقبة أمام إدارة بايدن الضعيفة دون رفع العقوبات التي فرضها ترامب من جديد على كوبا، يقف اللوبي الأقوى الموالي لإسرائيل عقبةً مستعصيةً دون رغبة بايدن في إعادة إيران إلى الاتفاق النووي الذي وقّعه معها رئيسه أوباما عام 2015 وألغاه ترامب عام 2018 بل وأضاف وقتها على إيران عقوبات أخرى مثل تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية.

بالتالي، تقف إدارة بايدن عاجزة دون إلغاء العقوبات الترامبية عن الحصول من إيران على نصف مليون برميل يوميًا يمكن لطهران ضخها فورًا للسوق البترولية، بجانب مخزون بترولي إيراني يصل إلى نحو مائة مليون برميل، بينما يزيد الحصار الاقتصادي على روسيا من أسعار البترول، وبالتالي ارتفاع معدلات الغلاء والتضخم بشكلٍ أثار غضب الناخبين الأمريكيين مما يهدد فرص الديمقراطيين في الفوز بأغلبية برلمانية في الكونجرس بعد أشهر أو بمقعد الرئاسة بعد عامين!

ولم يترك اللوبي المؤيد لإسرائيل أمام بايدن، لإنقاذ حزبه من نقمة الناخب الأمريكي المتذمر من الغلاء، سوى العودة لمصالحة أصدقاء ترامب في المنطقة العربية، أصحاب الاتفاقات الإبراهيمية الذين حطموا الربيع العربي الذي سانده أوباما، بل ولم يعد أمام بايدن لفتح أنابيب النفط سوى الشاب نفسه الذي كان بايدن يرفض مصافحته أو الحديث الهاتفي معه، متعهدًا بأن يجعل من نظامه سعودية منبوذة من العالم كله، وبعد أن سمحت إدارته للمخابرات الأمريكية بنشر وثائق، حجبها ترامب، تثبت أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كان وراء قتل وتقطيع أشلاء الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي، يعود الرئيس الديمقراطي للمصافحة وتقبيل اللحى بل وربما "رقصة العَرضة"!

ترامب يرقص بالسيف مع الملك سلمان في السعودية، مايو 2017.  أرشيف ترامب في البيت الأبيض. فليكر. برخصة المشاع الإبداعي

إنه البترول مقابل الدم، الحصول على السائل العربي الأول مقابل التنازل عن جزاء إراقة السائل العربي الثاني، مع إراقة بعض ماء الوجه الأمريكي، في قمة الرياض المقبلة.

ولكن، ماذا عن باقي أصدقاء ترامب من "الديكتاتوريين المفضلين" العرب؟

هل يمكن المصالحة معهم (فوق البيعة) ضمن جوائز حلف النقب، دون أن تكون لديهم مصلحة يقدمونها لبايدن؟ أم أنه سيتحول عند هؤلاء الأضعف اقتصاديًا ويحتاجونه في أزمتهم المالية ليعوض انحناءه في الرياض بالتعالي على المحتاجين لواشنطن، والمزايدة للإبقاء على ورقة التوت الأمريكية علها تستر ما انكشف أمام ناخبي حزبه التقدميين من زيف شعارات الديمقراطيين؟

لننتظر ونرى معًا في الأسابيع المقبلة!