طلاب الثانوية العامة يخضعون لامتحانات آخر العام- الصورة: الصفحة الرسمية للوزارة على فيسبوك

من"الفندق السيادي" إلى اللجنة: رحلة مثيرة لورقة امتحان الثانوية العامة

ترسخ في الوعي الجمعي ارتباط الثانوية العامة بتحديد مصير الإنسان، إلى أفضل أو أسوأ، وفقًا لتقسيمات وتقييمات فرضها سوق العمل وطموح الترقي المجتمعي على مجالات الدراسة في التعليم ما بعد الثانوي، لذلك تحيط بعملية امتحان طلاب الثانوية العامة حالة دائمة من القلق والاضطراب على المستويين الاجتماعي والنظامي، جعلت كثير من الطلاب يصفون ما يخوضونه بالـ"معركة حربية".

اللافت أن ذلك التفسير الذي صاغه الطلاب لوصف توترهم خلال العملية الدراسية التي تنتهي باختبارات نهاية العامة، يبدو صحيحًا جدًا من الناحية العملية إذ أسقط على وصف العملية التي تخوضها ورقة الامتحان، منذ ما قبل أن تصير فكرة حتى تتم صياغتها في شكلها النهائي.

ثمة طرق كثيرة يجب أن نسلكها حتى نفهم الشعور الذي يكنه قرابة 707 آلاف تجاه المرحلة الثانوية ككل، أغلبها واضحة وخاض فيها كثير من أساتذة علم النفس والاجتماع والتربويين وتتعلق بنظام التعليم نفسه، لكن النقطة الأكثر غموضًا في تلك العملية المؤرقة هي ورقة الامتحان، التي تحيط بها كثير من الاحترازات، بدءًا من طباعتها في مطابع وزارة الداخلية حتى تصل إلى الطالب، بسبب ما تعانيه من محاولات لتسريبها كل عام. وهو ما قررت المنصة تقصيه.

تحدثنا إلى مصادر عديدة، بعضها كان على صلة وثيقة بآلية وضع وطباعة وتوزيع امتحانات الثانوية العامة، وآخر مسؤول حالٍ داخل وزارة التعليم عن كنترولات الثانوية، غير أن الأخير طلب عدم الكشف عن هويته، بحكم أن منصبه لا يخوّل له التواصل مع الإعلام، على الأقل خلال الفترة الراهنة.

أسئلة الفندق السيادي

يقول الدكتور محمد سعد، الذي ترأس امتحانات الثانوية العامة لأكثر من خمس سنوات متتالية، وشغل قبلها منصب النائب لرئيس عام الامتحانات، ومدير الإدارة المركزية للتعليم الثانوي بوزارة التعليم، إن أول خطوة مرتبطة بورقة أسئلة الثانوية، تكون بتحديد هوية أعضاء اللجنة المكلفة بوضع الامتحان لكل مادة، وهذه من أهم المراحل، إذ يفترض في تلك الشخصيات، الأمانة والخبرة والكفاءة والنضج العلمي، والأهم، عدم امتلاكهم أي قريب من أي درجة يخوض المرحلة الثانوية.

غالبًا ما يكون أعضاء اللجنة المكلفة بوضع أسئلة كل مادة، من الموجهين الأوائل، ومستشاري المواد، يقول سعد للمنصة "مش كل واحد خبرة وكفاءة وأمين، هنكلفه بوضع الأسئلة، الناس دي بيتم التحري عنها كويس جدًا، وبيتعرف عنها كل كبيرة وصغيرة، ولما تيجي الموافقة الأمنية، نبدأ نحط لهم شكل الامتحان اللي احنا عايزينه، يعني نوضح لهم المواصفات الخاصة به، عايزينه يكون بالطريقة دي، عايزين مستويات صعوبة وسهولة، عايزين أسئلة تخاطب الفهم قد كذا، وتخاطب المعرفة قد كذا".

أما الخطوة الثانية، فتكون بإخطار وزارة الداخلية، المسؤولة عن مطابع الشرطة، ببدء مرحلة إعداد ووضع أسئلة الامتحانات.

يقول الرئيس السابق لامتحانات الثانوية العامة "هنا بتبدأ مرحلة استضافة أعضاء الهيئات الفنية المسؤولة عن وضع الامتحانات، وده بيكون في فندق تابع لجهة سيادية، بحيث يكون فيه أكبر قدر من السرية والتأمين، اللي بيحطوا الامتحان مش بيروحوا بيوتهم لحد الامتحان ما يتحط، وبيكون لهم إقامة كاملة في الفندق، معزولين عن أي حد، ولا بيتواصلوا مع حد، إلا لما الامتحان يتسلم لمطبعة الشرطة".

وحسب مصدر قيادي بالوزارة تحدث للمنصة فإن "فترة وضع وطباعة أسئلة امتحانات الثانوية بتكون تحت عين مساعد أول وزير الداخلية شخصيًا (لم يفصح عن اسمه أو طبيعة منصة بالضبط) وبيكون فيه خطة تأمين على أعلى مستوى من الوزارة للفندق مستضيف أعضاء الهيئات الفنية، ولما يخصلوا الأسئلة، تتسلم لمسؤولين بيتم اختيارهم بعناية شديدة جدًا داخل مطبعة الشرطة، ودول بيكون عددهم محدود جدًا، لأن أنت هناك بتكشف سرية الامتحان لهم، لكنهم مش بيروّحوا بيوتهم قبل الامتحان ما ينطبع ويوصل في إيد الطالب، ومقطوع عنهم كل وسائل الاتصال كإجراء تأميني".

وأوضح القيادي التعليمي أن "اللي بيحطوا الامتحان نفسهم مش بيكونوا عارفين نوعية الأسئلة اللي جاية للطلاب، لأنهم بيحطوا أربع نماذج لكل مادة، والأربعة بيتسلموا لمطابع الشرطة، وهناك بيتم اختيار نموذج واحد من الأربعة ينطبع لامتحان المادة، والتلاتة الباقيين يفضلوا جوه المطبعة في مكان سري للغاية، بحيث يتاخد منهم واحد ينطبع بعد كده لامتحان الدور التاني في نفس المادة، يعني احنا كوزارة ولا الوزير نفسه بيشوف الامتحان اللي رايح للطالب".

وتطرق محمد سعد لمرحلة الطباعة، قائلًا "المطبعة السرية ضخمة جدًا، وهناك بيتم إدخال الأسئلة ومعاها رول ضخم من الورق، وكل حاجة بالتكنولوجيا فقط اللي بيدير العملية دي عدد محدد من الأشخاص، وتطلع ورقة أسئلة البوكليت بتاع الأسئلة متدبسة وجاهزة ومترقمة وكل حاجة".

خطة الصندقة

عقب انتهاء مرحلة الطباعة، يأتي دور وزارة التربية والتعليم لتسليم المطبعة ما يسمى بـ "خط سير المطبعة". ويقول سعد عن ذلك "هنا احنا بنخطر المطبعة السرية بعدد لجان الامتحانات على مستوى الجمهورية، كل لجنة مدرسة فيها كام طالب، وكل مادة هيمتحن فيها كام طالب. يعني بنعرفهم في لجنة مدرسة السعيدية بالجيزة مثلًا، عندما 700 طالب هيمتحنوا عربي أول يوم، وتاني يوم نفس الـ 700 إنجليزي، وفي اللغة الأجنبية التانية عندي كذا طالب فرنساوي، وكام طالب ألماني، وهكذا. بحيث يطلع من المطبعة السرية عدد أوراق الامتحان لكل لجنة حسب عدد طلابها بالظبط".

تُعرف المرحلة اللاحقة، بخطة "الصندقة"، أي وضع أوراق الأسئلة في صناديق حديدية، وهذه تكون مهمة المطبعة السرية أيضًا. ويقول عن ذلك القيادي التعليمي بقطاع التعليم الثانوي "بنحط في كل صندوق عدد الأظرف الخاصة بكل لجنة، وكل ظرف بيكون جواه 20 بوكليت، يعني عدد طلاب فصل، لأن كل لجنة (فصل) فيها 20 طالب فقط، وبنقفل الصندوق الحديدي ده بالشمع الأحمر، ويطلع من المطبعة السرية على مركز توزيع الأسئلة في كل محافظة".

يتكون هذا المركز من عدد من الحجرات، تحت تأمين قوات الشرطة. مضيفًا، والكلام على لسان القيادي التعليمي "مركز توزيع الأسئلة ده بيكون عليه قفلين، قفل منهم مفتاحه مع مساعد مدير الأمن في المحافظة، والقفل التاني مفتاحه مع رئيس مركز توزيع الأسئلة، ويوم الامتحان يتفتح المركز بالمفتاحين علشان تطلع صناديق الامتحان بتاع المادة، لازم مركز توزيع الأسئلة يتفتح في وجود الاتنين، وكل واحد معاه مفتاحه، ولازم يكون رئيس مركز توزيع الأسئلة من خارج المحافظة وملوش أقارب في الثانوية العامة لحد الدرجة الرابعة".

ويقول سعد "كل رئيس مركز توزيع أسئلة في محافظته، بالتعاون مع مديرية الأمن، بيعمل بروفة لخط سير العربيات اللي هتحمل صناديق الأسئلة من المركز للجنة الامتحان، يعني العربيات تمشي فاضية، في البروفة دي، علشان نحدد بالظبط هتاخد وقت قد إيه من مقر مركز توزيع الأسئلة لحد اللجنة، بحيث نرسم نفس خطة السير بتاعتها يوم الامتحان بتوقيت دقيق، هل هتاخد نص ساعة في الطريق؟ ساعة إلا ربع؟. وهكذا. بحيث ما توصلش بنصاديق الأسئلة للجنة قبل الساعة 8 الصبح، ولا توصل بعد 8 ونص الصبح، وده بيكون بالتنسيق مع شرطة النجدة في مديرية الأمن، بحيث لو الطريق وقف، أو حصلت حادثة، أو أي حاجة، يعني مفيش ورقة تتحرك من مركز الأسئلة للجان إلا في حماية الشرطة".

ويكشف القيادي التعليمي دورًا أخر تضطلع به القوات المسلحة لتأمين أوراق الامتحانات "خطوط سير صناديق الأسئلة من مطبعة الشرطة للمحافظات القريبة، زي الدلتا والقاهرة الكبرى وغيرها، بيكون بعربيات تابعة للداخلية، لكن المحافظات البعيدة، زي البحر الأحمر، أسوان، مطروح، الوادي الجديد، حلايب وشلاتين، وغيرها، ده بيكون من خلال الطيران الحربي، وبتتحط خطة تسفير خاصة بالمحافظات البعيدة، بعد الحصول على الموافقات الأمنية، علشان كده الجيش جزء أصيل من نجاح الامتحانات".

ويستقبل صناديق الأسئلة في كل لجنة، مسؤول يتم تعيينه من جانب الوزارة، مهمته "التسليم والتسلم"، وعن دوره يقول محمد سعد "ده هو اللي بيمضي على استلام صناديق الأسئلة في كل لجنة، وممنوع تتفح قبل الساعة 9 الصبح بالثانية، بيفضل الشمع الأحمر بتاعها عليها لحد الساعة 9، والصندوق يدخل اللجنة يتفتح قدام الطلبة، وفي وجود الاتنين الملاحظين، والمسؤول ده بيتغير كل يوم، ويجي واحد مكانه، يعني مش بيفضل موجود يوميًا علشان ميكونش صداقات مع رئيس اللجنة ولا اللي شغالين فيها".


اقرأ أيضًا: إلغاء التشعيب في الثانوية العامة: وزارة لا تعرف شيئًا عن الغد


العملية الحربية وحدها لا تكفي

رغم ما تقدم من سرد يعكس خطة أمنية بالغة التعقيد والجدية، فإن علامات استفهام كثيرة تثار حول تسريب الامتحانات الذي يتم في كل عام، لكن سعد يؤكد أن التسريب يحدث بعد وصول الورقة إلى الطالب وليس في أي من مراحل إعدادها وتأمينها، يقول "خروج الامتحان قبل الساعة 9 معناه إن الصندوق اللي فيه الأسئلة اتفتح، والظرف اللي جواه اتفتح، وهو محاط بكل هذه الهالة من السرية والتأمين فده مستحيل يحصل، لكن اللي بيحصل ويتنشر على منصات التواصل، ده بيكون غش إلكتروني، يعني طالب استلم ورقته وكان معاه موبايل وصوّر أجزاء من الأسئلة ونشرها، لكن قبل الساعة 9 مش ممكن يحصل".

يقود ذلك إلى أزمة التسريب، وما جرى خلال عام 2016 من خروج أسئلة بعض المواد ليلة الامتحان حتى وصلت لشريحة من الطلاب وعلى إثرها تم إلغاء امتحانات تلك المواد، لكن محمد سعد الذي كان نائبًا لرئيس عام الامتحانات آنذاك يؤكد أن "الوضع اتغير عن 2016، وقتها كانت اللجنة الفنية بتحط الامتحان، وتديه لموظف أو مسؤول يكتبه على الكمبيوتر، وده كان في المطبعة السرية اللي تبع الوزارة، والشخص ده باع الامتحان عن طريق أخته وجوزها وأخت جوزها، واتحكم على اللي سرب واللي معاه بـ 15 سنة سجن مشدد، ومن وقتها الوزارة ملهاش علاقة لا بالطباعة ولا غيره، وكل حاجة بقت بإشراف الداخلية، علشان كده من 2016 محصلش تسريب لأي امتحان زي ما حصل لما كانت الطباعة مسؤولية وزارة التعليم".

وقبيل كل امتحانات للثانوية العامة، تظهر على منصات التواصل الاجتماعي صفحات تحمل اسم شاومينج، تزعم قدرتها على تسريب الأسئلة، وهناك حسابات على تليجرام، وغرف دردشة خاصة على واتس آب، تطلب إرسال رقم الطالب الراغب في الانضمام إلى الدردشة الجماعية، مقابل إرسال كروت شحن هاتف محمول، بدعوى أن هؤلاء سيمنحونه الامتحان قبل موعده، لكن القيادي التعليمي قال "الناس دي بتشتغل على سمعة شاومينج لما سرب بعض الامتحانات في 2016، ومن وقتها وفيه صفحات بتتعمل بنفس الاسم، لتحقيق مكسب مادي من طلبة الثانوية، وفيه طلبة كتير بتقع فيها".

يتذكر سعد، أنه وقت حدوث واقعة التسريب الشهيرة، عقد شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء آنذاك، اجتماعًا حضره مسؤولون بوزارة التربية والتعليم، وقيادات من جهات أمنية كبيرة، وكان هو من بين الحضور، وتم وضع بعض المقترحات لعدم تكرار الأزمة، على رأسها، إسناد مهمة الطباعة التأمين كاملة إلى جهات سيادية، وتطبيق نظام البوكليت في الامتحانات (وهو عبارة عن كراسة أسئلة)، وليست مجرد ورقة، مع البدء في إجراءات وضع استراتيجية لإجراء الامتحانات إلكترونيًا.

ومن خلال عمله لسنوات في الثانوية العامة، يقول سعد "علشان تلغي كل الإجراءات الأمنية وحالة التأهب اللي بتحصل مع ورقة الأسئلة دي لحد ما توصل للطالب، مفيش غير مسارين، الأول إنك تعمم الامتحانات الإلكترونية في الثانوية العامة من خلال التابلت، ميكونش فيه ورقة تحتاج مجهود دولة بالكامل بالشكل ده، أو تخللي الثانوية العامة سنة نقل عادية، زي أولى وتانية، وتخللي القبول في الجامعات باختبارات قدرات نزيهة وشفافة ومفيهاش أي مجال للواسطة".