طريق 21. الصورة: محمد الخولي- المنصة

طريق 21: موت سهل في الصف- أطفيح

"دا طريق اللي يركبه بيتشاهد"، هكذا عبر الطالب بجامعة القاهرة أحمد المغازي عن سوء حالة طريق 21 (التبين- الصف- أطفيح- الكريمات) في محافظة الجيزة، وأحد الطرق المؤدية إلى الصعيد.

في نهاية عام 2021 أعلنت محافظة الجيزة غلق الطريق الصحراوي الشرقي (طريق الجيش) المؤدي إلى الصعيد، بسبب أعمال تطوير ورفع الكفاءة، وهو ما استلزم تحويلات مرورية تقضي بالمرور عبر طريق 21، الذي كان حتى 2005 أحد الطرق الرئيسية المؤدية إلى الصعيد، قبل إنشاء الطريق الصحراوي.

المنصة زارت الطريق والتقت عددًا من سكان القرى التي تقع على جانبه، وتحدثت مع سائقين يستخدمونه. اتفق الجميع في البداية على أن الأزمة بدأت بعد غلق الطريق الصحراوي الشرقي، خاصة وأنه تزامن مع بدء أعمال مشروعات حياة كريمة بالقرى الواقعة على طريق 21، والتي تحتاج إلى أعمال حفر على الطريق نفسه لتوصيل الخدمات (الصرف الصحي ومياه الشرب والكهرباء والغاز).

مركبات تمر على طريق 21. الصورة: محمد الخولي

يقول إبراهيم عبد الجليل، أحد سكان الصف، للمنصة إن الطريق على حالته لا يتحمل أن يكون بديلًا لطريق سريع كطريق الصحراوي الشرقي، مضيفًا "المشوار اللي كان ياخد ساعة بقى يحتاج ساعتين تلاتة"، كدليل على الزحام الشديد الذي أصبح عليه الطريق، وأكمل "بقينا نسمع كل يوم عن حادثة وضحايا".

ويبدأ طريق 21 من بعد التبين التابعة لمدينة حلوان إلى نهاية مركز أطفيح، بطول يبلغ حوالي 65 كيلومترًا، بينما لا يزيد عرضه عن 8 إلى 10 أمتار، وهو طريق "رايح جاي" دون فاصل لازدواج الطريق.

ونحن نقف على الطريق لاحظنا سير جميع أنواع المركبات عليه، بداية من "التروسيكل" والتوكتوك والميكروباص والأتوبيسات والسيارات الملاكي وحتى النقل الثقيل، بالإضافة إلى العربات الكارو، والدرجات النارية والهوائية، والحمير.

ولأن المنطقة يتواجد بها محاجر ومصانع طوب وكسارات، فيساعد ذلك على تواجد سيارات النقل الثقيل، بالإضافة إلى التراب الذي يملأ الجو دائمًا، ما يؤثر على مجال الرؤية في بعض المناطق، لكل هذه الأسباب مجتمعة يعيش سكان القرى الموجودة على خط الصف أطفيح والتي يبلغ عددها نحو 50 قريةً مأساةً، من بينها زيادة نسبة حوادث الطرق.

قرية الودي، التابعة لمركز أطفيح. الصورة: محمد الخولي

حوادث على الطريق

لا تملك مديرية الصحة في الجيزة احصائية عن عدد ضحايا الحوادث المرورية على طريق الصف- أطفيح، بحسب موظف يعمل في المديرية لجأت المنصة إلى سؤاله بعدما لم تتمكن من الوصول إلى مدير المديرية، لمقارنة عدد ضحايا الحوادث في الشهور الستة الماضية بالفترة المماثلة العام الماضي، وأشار الموظف الذي طلب عدم ذكر اسمه، إلى أن "العدد ليس في المديرية وإنما قد يكون لدى وزارة الدخلية أو النيابة (العامة)".


وأمام عدم وجود إحصائية معلنة عن عدد الحوادث يؤكد من تحدثت معهم المنصة على زيادة نسبة الحوادث في الفترة الأخيرة، ونقلت وسائل إعلام وصفحات على فسبوك لمقيمين في الصف وأطفيح في الفترة الأخيرة صورًا وفيديوهات عن حوادث مرورية راح ضحيتها العشرات، ويؤكد عبد الجليل على زيادة نسبة الحوادث في الفترة الأخيرة، ويقول "صحيح الحوادث كانت موجودة طول عمرها على الطريق، لكنها زادت الكام شهر اللي فاتو وكلنا ملاحظين دا".

ويضيف أنه بسبب الزحام الشديد في أكثر من موقع على الطريق يلجأ السائقين إلى الإسراع في المناطق التي ليس بها إصلاحات فيفاجأ بسيارة في وجهه فيصطدم بها، لافتًا إلى أنه في الغالب تكون هذه أسباب الحوادث، ويتفق معه أحمد المغازي، الذي يشير إلى أنه بسبب ضيق الطريق، وبسبب الزحام خاصة عند مداخل أي قرية، فبمجرد أن يعبر السائق الزحام ينطلق مسرعًا و"هنا تحدث المصيبة يلبس في اللي جاي في وشه".

طريق 21. الصورة: محمد الخولي

يحكي المغازي أن أحد أصدقائه توفي في حادث مروري قبل أسبوعين، شارحًا أن صديقه كان يستقل تروكسيل لنقل بضاعة، فاصطدم بسيارة نصف نقل، "الله يرحمه اتهرس".

ويشير المغازي إلى أنه قبل أيام اصطدم ميكروباص بأتوبيس، ما أسفر عن وفاة وإصابة أكثر من 16 شخصًا، مضيفًا أن "الحوادث كثيرة وكل يوم تقريبًا، لكن الإعلام بياخد باله لما يكون عدد الضحايا كتير".

ولا ينكر إبراهيم السيد، سائق ميكروباص على طريق الصف - أطفيح، مسؤولية بعض السائقين عن هذه الحوادث، لكنه يسأل "لو السواق مش ملتزم مين هيحاسبه".

مشاكل الطريق

ويشير السائق للمنصة إلى أن الطريق يعاني مشاكل كثيرة بالإضافة إلى سوء حالته الإنشائية وضيقه، "الطريق معليهوش أعمدة إنارة وإن وجدت فالكشافات مش شغالة"، مضيفًا "عشان أمشى بالليل لازم أشغل النور العالي واللي جاي في وشي مشغل العالي (...) إحنا الاتنين بنتعمي ولو مش حافظين الطريق بندخل في بعض أو ننزل على التراب فالعربية تتقلب".

ويواصل إبراهيم ذكر مشاكل الطريق "لا يوجد عليه دورية مرورية واحدة، ولا يوجد إشارات (...) أنا مش ملتزم مين بقى اللي هياحسبني؟" .

ميكروباص على طريق 21 . الصورة: محمد الخولي

وفي يونيو/ حزيران الجاري، نشرت عضوة مجلس النواب عن الصف أسماء الجمال، طلبًا قدمته إلى وزير الداخلية لوضع ارتكازات مرورية بطريق 21 الصف بالجيزة، "للحد من السرعات الزائدة والقصوى للسائقين، وضبط المخالفين منهم حفاظًا على الأرواح"، وأكدت في طلبها الذي نشرته على صفحتها على فيسبوك أن "الطريق غير ممهد وضيق ويكثر به الحوادث المرورية بسبب السرعات القصوى".

ويعدد عبد الجليل مشاكل أخرى للطريق، والتي من بينها انتشار المطبات العشوائية، "تخيل من قرية صول وحتى مدينة الصف (نحو 20 كم) هيقابلك 200 مطب (...) أغلبهم مطبات عشوائية"، ويضيف "المشوار اللي ممكن ياخد في الطبيعي ربع ساعة أنا باخده في ساعة ونص وممكن ساعتين".


ورغم معاناة عبد الجليل من هذه المطبات العشوائية إلا أنه يرى مبررًا "الناس بتعمل كده عشان الحوادث اللي كل يوم بتحصل، إحنا بنقول كل مطب من دول بحادثة حصلت قبل كده".

إلى جانب هذه المطبات والمشاكل التي ذكرها من تحدثوا مع المنصة، هناك مشكلة أخرى تبدو مؤقتة لكنها دليل على "سوء تفكير"، بحسب محمد كامل، أحد سكان أطفيح، يقول للمنصة "يعني أنا عندي جلابيتين أغسلهم وأقعد من غير هدوم لحد ما ينشفوا ولا أغسل واحدة وألبس التانية؟"، شارحًا المثال الذي قاله بأن مشروعات حياة كريمة في القرى الداخلة ضمن المرحلة الأولى للمبادرة في الصف وأطفيح احتاجت مد خطوط كهرباء وصرف صحي ومياه، بالإضافة إلى تبطين الترعة، في نفس الوقت حدث إغلاق للطريق الصحراوي الشرقي، "بدأوا شغل على الطريق في نفس الوقت اللي اتقفل فيه الصحراوي وبقت معجنة"، يوضح محمد "طبعًا مشروعات حياة كريمة كنا مستنينها من سنين السنين بس يكون في عقل نعمل دا وبعدين نعمل دا مش الاتنين مع بعض".

مشروعات حياة كريمة على طريق 21. الصورة: محمد الخولي

ويتابع محمد "أعمال الحفر والآلات أخدت جزء من الطريق فضاق أكتر ما هو ضيق". ولفت إلى أن الطريق الذي يبلغ عرضه نحو 8 أمتار أصبح خمسة أو ستة أمتار فحسب "ومطلوب أن يمر منها عربيتين في وش بعض (...) طبعًا واحد لازم يستنى التاني، ودا بيعمل زحمة، أو يدخلوا في بعض".

ويشير عبد الجليل إلى أن المقاولين يُلقون مخلفات الحفر على جانب الطريق، و"دا كمان بيضيق الطريق في أماكن كثيرة"، مبديًا اندهاشه "ليه نقفل الصحرواي ونعمل إشغالات على طريق 21 في نفس الوقت.. الناس تمشي إزاي".

ويحكي إبراهيم (السائق) عن موقف حدث معه من قريب، "كنت ماشي على الطريق رايح الصف، وعند قرية الفهميين، جرار رمى عليَّ (اقترب منه بشدة) عشان الطريق ضيق، وكنت هقع بالركاب في الحفر بتاع الصرف الصحي"، ويضيف "كل يوم وأنا طالع اشتغل ببقى متوقع إني مرجعش".

مقاومة بالسوشيال

وعن محاولة لتنبيه المسؤولين عما يحدث على طريق الصف انتشر هاشتاج "#الصف_طريق_الموت"، يقول أحمد المغازي، شاركنا في الهاشتاج حتى يعرف الإعلام والمسؤولين بالمشكلة التي نعاني منها.

ويرى من تحدثت معهم المنصة في أكثر من قرية في الصف وأطفيح أن هناك تجاهلًا كبيرًا لهم ولمشاكلهم، مؤكدين على أن "الهاشتاج" أصبح هو الطريقة الوحيدة التي تجعل صوتهم مسموعًا، "أنت أهو يا أستاذ لولا الهاشتاج مكنتش عرفت عن الصف ولا مشاكلها"، يقول علاء جابر، وهو أحد المتضررين من الطريق للمنصة، ويضيف "بعد ما الهاشتاج انتشر لقينا أعضاء مجلس النواب بيتكلموا عن المشكلة، وإعلام بيتكلم.. قبلها محدش كان شايفنا أصلًا".

وانتشرت على جروبات تجمع أهالي الصف وأطفيح على فيسبوك، حكايات كثيرة عن مشاكل الطريق إلى جانب مشاكل أخرى يعاني منها سكان المنطقة.

صيانة لا يراها أحد

ويتفق من تحدثت معهم المنصة سواء من الأهالي أو السائقين على أن الإدارة المحلية تتحمل مسؤولية هذه الحوداث، لأن الطريق لم تتم صيانته أو رصفه منذ سنوات. يقول المغازي إنه لم ير أي صيانة على الطريق "من يوم ما وعيت على الدنيا"، إلا أن وسائل الإعلام نشرت في 2013 خبرًا نقلًا عن وزير النقل وقتها إبراهيم الدميري أعلن فيه "الانتهاء من رصف ورفع كفاءة طريق (الصف- الكريمات) بطول 30 كيلومترًا، وتكلفة 34 مليون جنيه" لافتًا إلى أن "الطريق يخدم مراكز وقري الصف وأطفيح والكريمات، ويمر عليه يوميًا ما يقرب من 20 ألف سيارة".

ويفسر أشرف الجندي، أحد سكان الصف، هذا التناقض بأن "أعمال التطوير مش بتكون في كل المناطق.. المقاول بيرصف الطريق اللي هيعدي عليه المسؤول عشان يتصور وبس"، ويلفت في حديث مع المنصة إلى أنه "مثلا هتلاقي أمام مركز الشرطة وأمام مجلس المدينة وأمام استراحة رئيس مجلس المدينة وممكن تلاقي أمام المدارس، وساعات بيرصفوا أماكن مرصوفة أصلا ويسيبوا الأماكن المحتاجة فعلًا".

ويشير المغازي إلى ما يراه مفارقة بأن النائب علاء عابد، رئيس لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب، هو ممثل عن الصف وأطفيح. ورغم ذلك يرى المغازي أن هناك تقاعس في التعامل مع الأزمة.

ومع تزايد حوادث الطرق الفترة الأخيرة، أعلنت أسماء سعد الجمال عضوة مجلس النواب، عن خطة حكومية لرفع كفاءة طريق 21 بطول 65 كم بين قريتي عرب أبو ساعد، وحتى قرية دير الميمون (بطول مركزي الصف وأطفيح) بتكلفة إجمالية 450 مليون جنيه.

وجاء إعلان الجمال بعد حضورها اجتماع للجنة النقل والمواصلات في مجلس النواب، بشأن أزمة طريق 21، في 6 يونيو، وهو الاجتماع الذي أوصى بتشكيل لجنة برئاسة النائب وحيد قرقر وكيل لجنة النقل والمواصلات، لتقديم تقرير للجنة عن حالة الطريق.

النائب عن الصف أحمد نويصر، الذي حضر الاجتماع، قال وقتها إن "طريق الصف يعاني ولم يطله التطوير ولا حتى الصيانة منذ عشرات السنين"، لافتًا إلى "وجود عبء مضاعف على المواطنين الذين يستخدمونه حيث توجد منطقة صناعية وبالتالي يتم استخدام الطريق عدد كبير من سيارات النقل الثقيل وفوق ذلك غلق طريق الجيش لمدة عام".

في كلمته أمام لجنة النقل والمواصلات في مجلس النواب، أوضح نويصر أن تقدم أكثر من مرة بطلبات إحاطة بشأن الطريق "لكنها جميعا للأسف محلك سر".


وأشار إلى أن نواب الصف اجتمعوا منذ أكثر من سنة مع مجلس مدينة الصف، وأن رئيس المجلس أبلغوهم وقتها أن الإشغالات على الطريق سوف تنتهي بعد نحو 45 يوم، ثم يبدأ تطوير الطريق، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

بعد الاجتماع قال نويصر، في بيان إنه تم الاتفاق مع المسؤولين التنفيذين على البدء في رصف خمسة كيلومترات، تبدأ من مخر سيل صف البلد، حتي مدخل قرية الجزيرة لأنه القطاع الوحيد المنتهي به المرافق ولا يوجد عليه أعمال حفر، وأيضًا تم الاتفاق مع الشركة المنفذة أن ترسل المعدات اللازمة لتمهيد باقي طريق 21 حتى الانتهاء من مرافق مبادرة حياة كريمة، وبعدها يتم رصف باقي الطريق.

غير أن أشرف يرى أن هذا الكلام يسمعونه كثيرًا ثم يختفي مرة أخرى، محملًا رئيس مجلس المدينة والمسؤولين في الإدارة المحلية مسئولية تردي الأوضاع في مركزي الصف وأطفيح.

لغز رئيس مجلس المدينة

كل من تحدثت معهم المنصة من سكان وسائقين، يلقون باللائمة على مجلس مدينة الصف، ويحملونه المسؤولية عن تردي الخدمات في المنطقة، والتي من بينها طريق 21، ويطالبون بالتحقيق مع رئيس مركز ومدينة الصف اللواء علي عبد الله حامد.


اقرأ أيضًا| 30 كيلومترًا في "ميت برة" خارج "سيادة الدولة"

تصميم: يوسف أيمن- المنصة

وبالبحث عن الخلفية التي أتى منها اللواء علي عبد الله حامد، وخبراته السابق في الإدارة المحلية، وجدنا أنه تخرج في الكلية الفنية العسكرية عام 1989، وتولى رئاسة حي المرج بقرار من وزير التنمية المحلية اللواء محمود شعراوي، في سبتمبر/ أيلول 2018، وبعد نحو عام واحد وتحديدًا في ديسمبر/ كانون الأول 2019، قرر شعراوي إقالته من منصبه وإحالته للتحقيق، وقالت الوزارة في بيان إعلان إقالته إن السبب "تدني مستوى النظافة وشكاوي المواطنين من تدني مستوى الخدمات المقدمة إليهم".

وفي البيان نفسه أعلن الوزارة نقل حامد إلى الديوان العام لمحافظة الجيزة وإيقافه عن العمل وعزله من الوظيفة القيادية وتحويله إلي النيابة الإدارية للتحقيق، إلا أنه في 4 يونيو 2020 أصدر وزير التنمية المحلية قرارًا بتعيين اللواء علي عبد الله حامد رئيسًا لمركز ومدينة الصف.

المنصة حاولت الاتصال أكثر من مرة بحامد لكنه لم يرد على هاتفه، وكذلك لم تتلق أي ردود من نائب محافظ الجيزة إبراهيم الشهابي، رغم التواصل معه بالاتصال وبالرسائل على الوتساب.

يأمل الطالب أحمد المغازي أن يسير يومًا على طريق 21 ليجه مثل طريق رئيسي تمر عليه مئات السيارات يوميًا؛ مزدوج، به خدمات مرورية، وعليه أعمدة إنارة تعمل. يقول أحمد في نهاية حديثنا معه "نفسي في يوم أسافر على الطريق وأبويا وأمي في البيت يكونوا مطمنين إني هرجع على رجليَّ مش نقالة".