السيسي مستقبلًا بينيت في شرم الشيخ سبتمبر 2021. الصورة من صفحة المتحدث باسم رئاسة الجمهورية - فيسبوك

هل كشف التغيير في إسرائيل ظهرها أم ظهرنا؟

لو كان البقاء في السلطة طويلًا وعدم تغيير الحاكم أو محاسبته شعبيًا وقضائيًا هو المطلوب من أجل الاستقرار وحماية مصالح الدولة العليا، حتى لا يقول حكيم عن مثل هذا التغيير إن "البلد كشفت ظهرها وعرّت كتفها"، فإن إسرائيل بهذا المنطق بلد فاشل غير مستقر أضاع سياسيوه مصالحه العليا وعرّضوه للخطر!

رئيس وزراء إسرائيل نفتالي بينيت، الذي تولى الحكم منذ عام واحد فقط، قرر حل البرلمان، ليس كما فعل الرئيس التونسي قيس سعيّد ليختار برلمانًا ودستورًا آخرين على هواه، بل ليخرج من المنصب معطيًا الحكم كرئيس وزراء انتقالي لشريكه في الائتلاف وزير الخارجية يائير لابيد، الصحفي سابقًا مثل أبيه، رغم اختلافهما السياسي الواضح بين يمين ويسار، مما يعني إجراء انتخابات برلمانية للمرة الخامسة في غضون ثلاث سنوات!

تمكن بينيت، رئيس حكومة الائتلاف الهشة، خلال عام واحد من استكمال خطط غريمه السياسي نتنياهو الذي وقَّع اتفاقيات السلام مع الامارات والبحرين دون أن يزورهما، علنًا على الأقل. زار بينيت الدولتين رسميًا، ويستعد لعلاقات دفاعية وتجارية ولو خجولة في البداية مع السعودية، بينما أعاد الدفء والعلانية ورفع الخجل فيما يخص تطبيع علاقات السلام مع مصر بزيارة رسمية كانت الأولى منذ عشر سنوات لرئيس وزراء إسرائيلي، وبدء رحلات يومية بين البلدين ترفع فيها مصر للطيران شعارها دون حرج بدل أن تتوارى خلف لافتة سيناء للطيران، إلى جانب فتح منفذ طابا يوميًا، والعديد من المشروعات الاقتصادية المشتركة كتصدير الغاز لأوروبا، بالإضافة الى التعاون العسكري، وما خفي منه ربما كان أعظم!

وبينما كان بينيت يمضي قدمًا دون إبطاء في خدمة مصالح إسرائيل، وهو مهندس كومبيوتر ويُعد أول مستوطن يصبح رئيس وزراء، كان خصمه نتنياهو يشن حملات سياسية ضده ويحرض الشعب على حكومته الائتلافية متهمًا إياها بأنها تضم وزيرًا متعاطفًا مع "الإرهاب والإرهابيين"، قاصدا بذلك النائب والوزير منصور عباس، أول من يصبح وزيرًا من فلسطينيي الـ 48، وهو يرأس حزبًا "إسلاميًا"!

لم يترك القضاء نتنياهو في السنة الوحيدة الماضية التي قضاها كمواطن عادي، بعد تحصنه بمنصب رئيس الوزراء لاثنتي عشرة سنة. فقد كان "بيبي" يواجه أربع قضايا بتهم الفساد وشبهة تعارض المصالح والحصول على رشاوى. ومنها اعتبار أن علب السيجار الفاخر وزجاجات الويسكي والخمور التي حصل عليها بشكل دوري، لم تكن إلا رشاوى، وليس لأن مالكها من أقاربه، أو أنها مجرد هدايا له ولزوجته لم يقدم تنازلات عنها، كما يدفع محاموه.

تُرى لو تغير في الشهر المقبل أيٌّ من الحكام العرب الذين تقرر أن يلتقي بهم بايدن في السعودية، هل ستتغير أجندة النقاش والموضوعات المطروحة مع من سيأتي ممثلًا لبلده العربي حاكمًا مكان السابق؟

لكن يهمنا من قضايا الفساد ضد نتنياهو أو المجموعة المقربة منه قضية الغواصات بتهمة تلقي رشاوى من شركة تصنيع أسلحة وغواصات ألمانية. وهي القضية المعروفة برقم 3000 لتمييزها عن القضايا: ألف، وألفين، وأربعة آلاف، التي لم تُحسم بعد، وقد تؤدي إحداها لسجنه لو أُدين بالفساد قبل أن يعود إلى رئاسة الحكومة محتميًا بمنصبه من الملاحقة القضائية. مثلما كان مصير إيهود أولمرت أول رئيس وزراء إسرائيلي يُحكم عليه بالسجن لفساده ويقضي من العقوبة سنة ونصف، قبل العفو الصحي المبكّر عنه منذ خمس سنوات.

قضية نتنياهو التي تعنينا، تتعلق باتهامات لم تتأكد بأنه هو أو أتباعه حصلوا على رشاوى من الشركة الألمانية التي باعت لإسرائيل غواصات منذ 2009 كما باعت لمصر عام 2014 غواصتين متطورتين من طراز دولفين، كتلك التي اشترتها إسرائيل، وفرقاطتين مضادتين للغواصات. واجه نتنياهو اتهامات معارضيه بتلقي رشوة لأنه أعطى موافقته للحكومة الألمانية على تمرير هذه الصفقة لمصر رغم اعتراض وزير الدفاع وقتها موشيه إيالون على تلك الصفقة وعدم معرفته بكيفية تمريرها، مثلما عارض من قبل شراء إسرائيل غواصات أكثر مما كان لديها دون حاجة دفاعية، واتهم لاحقًا نتنياهو بالانتفاع ماليًا من تلك الصفقات. ويتابع القضاء الإسرائيلي العمولات المدفوعة للسلاح المشترى وهناك دلائل على تورط مسؤولين في وزارة الدفاع وخارجها من الوسطاء.

رغم كل متابعات وتحقيقات القضاء وما تنشره الصحافة عن ذمة نتنياهو وزوجته سارة، فإن أحدًا لم يتوقف في عهده أو عهد بينيت أو شريكه لابيد عن مد الاستيطان والاحتلال، وتوسيع نطاق قتل خصوم الدولة لا مواطنيها "اليهود" وصولًا الى استهداف علماء الذرَّة داخل إيران، وبسط نفوذ إسرائيل في أغلب عواصم ما كان يُسمى بالعالم العربي الذي يتفاخر بالاستقرار، ويعطي مثالًا على مزاياه أن شابًا مثل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان سيمكنه وهو في الثلاثينيات البقاء في الحكم دون تغيير لمدة نصف قرن قادم!

إسرائيل ليست الوحيدة أو الفريدة في عدم الاستقرار السياسي وتبدل الحكام، أو تعطيل البرلمان للكثير من قرارات الحكام بشكل يعطّل الأجندة التي جاءوا بها، دون أن يمنع ذلك مؤسسات الدولة الراسخة من المضي قدمًا، بوجود شخص على رأس السلطة التنفيذية لسنوات أو لشهور.

حين يزور الرئيس الأمريكي جو بايدن إسرائيل منتصف الشهر المقبل، وسط شعبية متدنية له وقبل أشهر من سيطرة متوقعة للحزب الجمهوري المعارض له على الكونجرس، لن تختلف الأجندة الموضوعة سواء بشأن ما تريده الولايات المتحدة أو ما تريده إسرائيل. لن يتغير ما سيناقشه بايدن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي سواء كان اليميني نفتالي بينيت أو يائير لابيد من يسار الوسط. ولن يهتم بايدن بأنه يوقع اتفاقيات شراكة دفاعية خطيرة المغزى والتأثير بين العرب وإسرائيل مع حكومة "انتقالية" لبضعة أشهر فقط، وليس مع حاكم مستقر لنصف أو ربع قرن!

تُرى لو تغير في الشهر المقبل أيٌّ من الحكام العرب الذين تقرر أن يلتقي بهم بايدن في السعودية، هل ستتغير أجندة النقاش والموضوعات المطروحة مع من سيأتي ممثلًا لبلده العربي حاكمًا مكان السابق، أم ستبقى الأجندة دون تغيير كما هو الحال مع تغير الحكام في إسرائيل أو الولايات المتحدة؟

الإجابة كفيلة بتوضيح سبب اعتقاد النظم الديمقراطية بأن تغيير الحاكم لا يكشف أو يعري بلدًا، بل العكس صحيح: يكشف ويعري سوءات حكم الفرد فيها!