ملامح الفكر الوجودي عند علي عزت بيجوفيتش

من الممكن القول إن بيجوفيتش أسس مذهبًا في الوجودية، يعتمد أساسًا على وجود الله، وخلقه للإنسان الحر المختار المسؤول الذي عليه أن يعمل ويكافح متوكلًا على الله مسلمًا أمره إليه، كما حاول تفقد ملامح الإيمان في كتابات الجناح الملحد للوجودية مثل سارتر وكامو.

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، سطع نجم فلسفة جديدة خرجت من رحم الدمار الذي خلفته تلك الحرب، وعُرفت هذه الفلسفة بـ"الوجودية". حملت الفلسفة الوجودية على عاتقها هَمَّ الإنسان، ومحاولة تأكيد وجوده وفرديته في مواجهة الفاشيات والأنظمة الشمولية، ثمَّ نشأت حركة أدبية واسعة تروِّج لهذا الفكر الجديد من خلال العديد من الروايات والقصص والمسرحيات مثل أعمال: جان بول سارتر، وألبير كامو، وجابرييل مارسيل، وميجيل دي أونامونو. واستمدت الوجودية أساسها النظري من الأعمال الفلسفية لسورين كيركجور، ومارتن هايدجر، وكارل ياسبرز. واستعانت بالمنهج الفينومينولوجي/الظاهراتي الذي تأسس على يد إدموند هوسرل.

وبالرغم من أن الوجودية ذاعت في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن منبعها في العصر الحديث هو صيحة الفيلسوف الدنماركي كيركجور التي أطلقها في وجه فلسفة الألماني هيجل، إذ أنه رأى أن الديالكتيك/الجدل الهيجلي بمحوه للميتافيزيقا وقوانين الفكر الأرسطي، يلغي الاختيار، وبالتالي الحرية، فما معنى أن الشيء يحمل نقيضه في داخله إلا إلغاء الاختيار بين "إما" و"أو" وهو ما وضحه في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه "إما أو". كما تجد الوجودية بذورًا لها في عصور متعددة، فبذورها موجودة عند الفيلسوف اليوناني القديم سقراط، والقديس أوغسطين في الفلسفة المسيحية الوسيطة، وعند الفيلسوف الفرنسي باسكال في القرن السابع عشر، لكنها لم تتشكل في صورة واضحة إلا في العصر الحديث.

جوهر الفلسفة الوجودية هو أن وجود الإنسان يسبق ماهيته، أي أن أفعال واختيارات الإنسان هي ما تحدد وجوده، على عكس القائلين بأسبقية الماهية، أي افتراض ماهية تسبق وجود الإنسان، ومنها تنشأ أفعاله، وبذلك تكون نظرة الوجوديين إلى الوجود هي مقلوب مبدأ الكوجيتو الديكارتي إذ يقول الفيلسوف الفرنسي ديكارت: "أنا أفكر إذن أنا موجود."، أما الوجوديون فيقولون: "أنا موجود، إذن أنا أفكر". أو كما يقول سارتر في كتابه "الوجودية مذهب إنساني": "إن الإنسان يوجد أولًا، ثم يريد أن يكون، ويكون ما يريد أن يكونه، بعد القفزة التي يقفزها إلى الوجود." و"إننا نعني أن الإنسان يوجد أولًا، ثم يتعرف على نفسه، ويحتك بالعالم الخارجي، فتكون له صفاته.. ولن يكون سوى ما قدره لنفسه".

أدَّى ذلك إلى التأكيد على الفردية، والفرد جوهره الحرية، أو حرية الاختيار بين البدائل، والحرية في الاختيار تؤدي إلى المسؤولية، والإنسان ليس مسؤولًا عن نفسه فقط، لكنه مسؤول عن الناس جميعًا، وهو حين يختار لنفسه، فإنه يختار لكل الناس أيضًا، فهذا الاختيار بما أنه يعني نبذ الممكنات الأخرى المطروحة أمام الإنسان انطلاقًا من مسؤوليته العميقة تجاه نفسه وبقية الناس، فهو يحتوي على مخاطرة، ومن هنا ينشأ القلق، ثم يؤدي إلى السقوط، وأخيرًا إلى اليأس، والعدمية.

بالطبع لا يمكننا تلخيص الفلسفة الوجودية في فقرات معدودة، لكن ما نسعى إليه هو تقديم نبذة عنها تعيننا على ما نقوم به، وهو استكشاف ملامح الوجودية عند أحد الشخصيات الإسلامية البارزة في عالمنا المعاصر.

يعتبر الفيلسوف والسياسي البوسني علي عزت بيجوفيتش أحد القلائل الذين نجحوا في الجمع بين التنظير والحركية، إذ لم يقتصر نشاطه على العمل السياسي الذي انتهى به إلى بلوغ سدة الحكم ليكون أول رئيس لجمهورية البوسنة والهرسك ثم عضوًا في مجلسها الرئاسي في التسعينيات من القرن العشرين، بل اشتغل أيضًا بالكتابة والتأليف، وأنتج عدة كتب منها: "الإسلام بين الشرق والغرب"، و"هروبي إلى الحرية"، و"الإعلان الإسلامي". وهو ليس مطلعًا على الفكر الغربي فحسب، بل بدا أنه مستوعب وهاضم له، ومن خلال تجربته الذاتية كمواطن ينتمي إلى أقلية مضطهدة تحت الحكم اليوغسلافي لا يُمَكّنه حتى من تعلم أساسيات دينه في المدارس الحكومية، ثم دخوله السجن عدة مرات في عهد "تيتو"، ثم توليه رئاسة البوسنة والهرسك، ليواجه حربًا ضروسًا تستهدف إبادة واستئصال شعبه، نستطيع القول إنه تأثر بشكل أو بآخر بالفلسفة الوجودية، التي تعلي من شأن الحرية التي طالما افتقدها وحلم بها، ويمكننا أن نستشف هذا التأثر عبر قراءة كتابه الأبرز "الإسلام بين الشرق والغرب" الذي سنعتمد عليه في محاولتنا هذه.

بلغ هذا التأثر بالوجودية والوجوديين إلى حد تشابه العبارات بينه وبين سارتر، كما يبدو في قوله: "ألم نأت إلى هذا العالم بلا حول لنا ولا قوة في ذلك، ثم واجهنا تركيبتنا الشخصية، ومنحنا قدرًا من الذكاء قلّ أو كثر، وملامح جذابة أو منفرة، وتركيبة بدنية رياضية أو قزمية، ونشأنا في قصر ملك أو كوخ شحاذ، في أوقات عصيبة أو زمن سلام، تحت سلطان طاغية جبار أو أمير نبيل، وفي ظروف جغرافية وتاريخية لم يتم استشارتنا بشأنها؟ كم هي محدودة تلك التي نسميها إرادتنا، وكم هو هائل وغير محدود قدرنا؟" وقول سارتر في "الوجودية مذهب إنساني" متحدثًا عن ظروف الإنسان: "وقد تتغير ظروفه أو أوضاعه التاريخية، فقد يولد عبدًا في مجتمع بدائي، أو قد يولد سيدًا إقطاعيًا، أو بروليتاريًا، لكن ما لا يتغير أبدًا هو ضرورة أن يوجد في العالم، وضرورة أن يكدح فيه، وضرورة أن يموت فيه".

ثم يعود بيجوفيتش فيقول: "لا بد أن نكون على وعي بظروفنا الإنسانية، فنحن منغمسون في أوضاع معينة، وقد أستطيع أن أعمل على تغيير هذا الوضع، ولكن تبقى هناك أوضاع لا تقبل بطبيعتها التغيير. قد تتخذ هذه الأوضاع أشكالًا مختلفة، وقد تنحجب عنها قوتها الغالبة، ولكن تبقى أمامنا هذه الحقائق: إنني لا مفر من أن أموت، ولا بد أن أعاني، وأن أناضل".

ووصل هذا التأثر أيضًا إلى حد الاقتباس المباشر لجملة كتبها كامو في كتابه "الإنسان المتمرد"، حين قال بيجوفيتش: "إذا عرفت بأن أخص خصائص الإنسان فرديته التي لا شفاء له منها، تبين لك استحالة قولبة الإنسان أو تدجينه أو تسكينه، إنه ما إن يحصل على حياة الرخاء والدعة حتى ينبذها بازدراء ويهب باحثًا عن حريته وحقوقه الإنسانية. إن الإنسان (حيوان يرفض أن يكون كذلك)".

وليس هذا فحسب، بل يمكن لمس هذا التأثر من أسماء الشخصيات التي ورد ذكرها في الكتاب، والاقتباسات المأخوذة منهم المتناثرة في طول الكتاب وعرضه، وهم إما وجوديون مثل سارتر وكامو وسيمون دو بوفوار وبرديائيف وياسبرز وغيرهم، أو كُتاب حازوا مكانة عالية عند الوجوديين كدستويفسكي وتولستوي.

وعلى عكس ما يبدو لأول وهلة أن حرية الإنسان تعني تفلته وانحلاله وإلحاده، جعل بيجوفيتش حرية الإنسان هي مفتاح الإيمان بوجود الله، إذ يقول: "إن قضية الخلق هي، في الحقيقة، قضية الحرية الإنسانية. فإذا قبلنا فكرة أن الإنسان لا حرية له، وأن جميع أفعاله محددة سابقًا – إما بقوى جوانية أو برانية - ففي هذه الحالة لا تكون الألوهية ضرورة لتفسير الكون وفهمه. ولكن إذا سلمنا بحرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، فإننا بذلك نعترف بوجود الله إما ضمنًا وإما صراحةً. فالله وحده هو القادر على أن يخلق مخلوقًا حرًا، فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق".

وسعى بيجوفيتش في كتابه إلى تقويض كل المقولات المادية التي تؤمن بأن الإنسان نتاج بيئته، وأن عليه أن يتصرف كما هو محدد له سلفًا، وأن الإنسان ما هو إلا حلقة في سلسلة من التطورات، فهو ينتقد علم الاجتماع، وعلم النفس، والبيولوجيا، وكذلك اليوتوبيات، والأيدولوجيات الكبرى، مؤكِّدًا على أهمية الفرد، وحريته في الاختيار، وتحمله للمسؤولية.

يرى بيجوفيتش أن "ليست عظمة الإنسان أساسها في أعماله الخيرة، وإنما في قدرته على الاختيار. وكل من يقلل أو يحد من هذه القدرة يحط بقدر الإنسان".، وهذا الاختيار وُجد منذ اللحظة الأولى لهبوط الإنسان على الأرض، فهو يقول: "إن اللحظة التي طُرد فيها آدم من الجنة لم يتخلص من الحرية، ولم يهرب إلى المأساة، فهو لا يستطيع أن يكون بريئًا كالحيوان أو الملاك، إنما كان عليه أن يختار أن يكون خيرًا أو شريرًا، باختصار أن يكون إنسانًا، هذه القدرة على الاختيار بصرف النظر عن النتيجة، هي أعلى شكل من أشكال الوجود الممكن في هذا الكون". لذا فهو يرى أن "الإنسانية هي التأكيد على الإنسان باعتباره كائنًا حرًا مسئولًا. ولا شيء يحط من قدر الإنسان أكثر من الادعاء بعدم مسؤوليته".

وبعد الإيمان بأسبقية وجود الإنسان، وحريته، وقدرته على الاختيار، وتحمله للمسؤولية، لم يقع بيجوفيتش في فخ العدمية الذي وقع فيه مناظروه الغربيون، بل جعل نتيجة هذا كله، هو التسليم لله، إذ يقول: "فلكي ندرك حقيقة وضعنا في هذا العالم يعني أن نستسلم لله، وأن نتنفس السلام، وألا يحملنا الوهم على أن نبدد جهودنا في الإحاطة بكل شيء والتغلب عليه. علينا أن نتقبل المكان والزمان اللذين أحاطا بميلادنا، فالزمان والمكان قدر الله وإرادته. إن التسليم لله هو الطريقة الإنسانية الوحيدة للخروج من ظروف الحياة المأساوية التي لا حل لها ولا معنى.. إنه طريق للخروج بدون تمرد، ولا قنوط، ولا عدمية، ولا انتحار. إنه شعور بطولي (لا شعور بطل)، بل شعور إنسان عادي قام بأداء واجبه وتقبل قدره". وهو هنا يقترب من موقف كيركجارد الذي يرى أن الإيمان بالله والامتثال لأوامره هو ما يعطي المعنى للأفعال العبثية، مستشهدًا بقصة الخليل إبراهيم الذي استجاب للنداء الإلهي في المنام، وهمَّ بذبح ابنه، وهو ما يبدو فعلًا عبثيًا في الظاهر، لكنه يكتسب معنىً ساميًا باتباعه للأوامر الإلهية.

كما يحاول بيجوفيتش التقريب ما بين العدمية والإلحاد المرتبطتين بأحد جناحي الوجودية من جانب، وبين الإيمان بالله المتعلق بالجناح الآخر. فهو يرى أن العدمية "ليست إنكارًا للألوهية بقدر ما هي احتجاج على أن الإنسان غير ممكن أو غير متحقق" فما هي إلا صيحة إنكار في وجه المجتمعات ذات البعد الواحد التي همشت الإنسان، وتعبيرًا عن اغترابه في تلك المجتمعات التي يحيا فيها. ثم يقول: "إن التفاهة عند سارتر، والعدمية عند كامو يفترضان البحث عن هدف ومعنى، وهو بحث يختلف عن البحث الديني في أنه ينتهي عندهما بالفشل.. فالعدمية خيبة أمل بسبب غياب الخير من العالم، فكل شيء تافه وعدم ما دام الإنسان يموت إلى الأبد". ويقول أيضًا: "الإنسان غريب في هذا العالم سواء عند العدمية أو نظر الدين.. والفرق أن العدمية تعتبر الإنسان ضائعًا بلا أمل وأما الدين فإنه ينطوي على أمل في الخلاص". أما كامو المشهور بإلحاده فيعتبره بيجوفيتش "مؤمنًا مخيب الرجاء"، وما إلحاده سوى "إلحاد اليائس".

وفي الحقيقة يمكننا إجمال إلحاد الوجودية كما يقول سارتر - الذي يمثل أحد أعضاء الجناح الملحد للوجودية – في كتابه "الوجودية مذهب إنساني": "إن الوجودية ليست إلحادًا بمعنى استنفادها لنفسها في استعراض أوجه عدم وجود الله، وهي تعلن أنه حتى لو كان الله موجودًا فالنتيجة بالنسبة لها سواء. وليس المهم أننا لا نؤمن بوجود الله، ولكن المهم بالنسبة لنا، أو ما نظنه المشكلة الحقيقية، ليس مشكلة وجوده، بل المهم هو أن الإنسان محتاج لأن يجد نفسه من جديد، ولأن يفهم أن لا شيء يمكن أن ينقذه من نفسه، ولا لو برهن على أن الله موجود".

هكذا من الممكن القول إن بيجوفيتش أسس مذهبًا في الوجودية، يعتمد أساسًا على وجود الله، وخلقه للإنسان الحر المختار المسؤول الذي عليه أن يعمل ويكافح متوكلًا على الله مسلمًا أمره إليه، كما حاول تفقد ملامح الإيمان في كتابات الجناح الملحد للوجودية مثل سارتر وكامو.