غلاف الإيفيننج ستاندرد - تصوير أحمد زكي

بريطانيا والاتحاد الأوروبي: كيف يمكن أن تدمر كيانين في خطوة واحدة

"الشباب يصنعون الحرب، وفضائل الحرب هي فضائل الشباب، الشجاعة والأمل في المستقبل. العواجيز يصنعون السلام، ونقائص السلام هي نقائص العواجيز، عدم الثقة والحذر"

1.

في ليلة إعلان نتائج استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، لم أستطع، مثل الملايين غيري من المقيمين في بريطانيا، النوم. تابعت النتائج وأنا لا أصدق ما يحدث. كل الاستطلاعات المنشورة في الصحف والتحليلات المذاعة في القنوات التلفزيونية، بل وحتى إعلانات وكالات المراهنات توقعت أن يفوز معسكر بقاء المملكة المتحدة ضمن الاتحاد الأوروبي بنسبة ٥٢٪ مقابل ٤٨٪ لصالح الخروج.

حدث العكس! بدأت النتائج في الظهور وبدا أن معسكر الخروج هو من قرر مصير بريطانيا والاتحاد الأوروبي والعالم!

بفارق نحو مليون وربع المليون صوت، خرجت المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بعد أربعة عقود من انضمامها لأهم تجمع سياسي في العصر الحديث. وفي هذه الليلة فقد خامس أكبر اقتصاد في العالم مكانته داخل أكبر تكتل اقتصادي في العالم، ومعه فقدت واحدة من ضمن خمس دول دائمة العضوية في مجلس الأمن الكثير من وزنها السياسي على المسرح الدولي.

2.

خلال ليلة الإعلان عن نتائج استفتاء بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي تذكرت واحداً من أهم مشاهد فيلم لورانس العرب (1962) للمخرج الإنجليزي السير دافيد لين. في المشهد يلتقي الأمير فيصل مع الضابط الإنجليزي تي إي لورانس في مكتب الجنرال ألنبي. يقوم الأخير بترقية لورانس الى رتبة كولونيل. لا يبدي لورانس حماسةً للترقية. يوجه الأمير فيصل كلامه إلى لورانس: "اقبل بالترقية وكن شاكراً.. لا مكان لمحاربٍ هنا في هذه الغرفة. سنقوم بإجراء الصفقات. إنه عمل العواجيز. الشباب يصنعون الحرب، وفضائل الحرب هي فضائل الشباب، الشجاعة والأمل في المستقبل. العواجيز يصنعون السلام، ونقائص السلام هي نقائص العواجيز، عدم الثقة والحذر".

وهذا ما حدث! ففي استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي أظهرت استطلاعات الرأي الفروق الجيلية بين من صوتوا لصالح بقاء المملكة المتحدة ضمن الاتحاد الأوروبي وبين من صوتوا لصالح خروجها من أكبر كتلة اقتصادية في العالم.

ستون في المئة من الذين تخطت أعمارهم الخامسة والستين صوتوا لصالح الخروج، وأكثر من سبعين في المئة من الشباب صوتوا لصالح البقاء. وفي بلدٍ يشكل مواطنوه من الكبار في السن كتلةً انتخابية ضخمة، كان من المنطقي أن يفوز معسكر الانسحاب من أوروبا والعودة الى العالم الذي يعرفونه قبل انضمام بريطانيا الى المجموعة الأوروبية المشتركة في السبعينيات.

في الوقت الذي رأى فيه الشباب أن مستقبلهم مرهونٌ ببقائهم ضمن أوروبا موحدة، وأن هويتهم أوروبية كما هي بريطانية، اختار العواجيز الانسحاب من القارة التي حاربوا فيها مرتين خلال الأعوام المئة الأخيرة، وفضلوا العزلة! أحد الذين صوتوا بالخروج من العواجيز قال إنه قام بذلك لأن ألمانيا تهيمن على أوروبا للمرة الثالثة في تاريخها بعد أن حاولت ذلك في الحرب العالمية الأولى، ونجحت في ذلك لبضع سنوات في الحرب العالمية الثانية!

أظهرت نتائج الاستفتاء انقساماً حاداً بين من يتطلعون للمستقبل (يصنعون الحرب وفق تعبير الأمير فيصل) وبين من يريدون البقاء أسرى لعالمهم القديم (كي يصنعوا السلام). لكن هذه المرة لم يكن ما جرى سلاماً. فخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي لن يعني سوى تعزيز مواقع اليمين المتطرف في أوروبا والعودة الى ثلاثينيات القرن العشرين، عندما ازدهرت الفاشية وأفرزت نماذج مثل هتلر وموسوليني وفرانكو.

لذا لم يكن غريباً أن تطالب أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا باستفتاء على البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي بعد أن خرجت بريطانيا منه. في فرنسا هنأت مارين لوبان، زعيمة الجبهة الوطنية وأبرز وجوه اليمين المتطرف، بوريس جونسون على قيادته لمعسكر خروج بريطانيا من المظلة الأوروبية، ووصفت انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بـ"انتصار الحرية"! وقالت إن بريطانيا "بدأت عملية لا يمكن إيقافها"!

لوبان محقة! فاستفتاء خروج بريطانيا لن يكون الأخير داخل القارة الأوروبية، خاصةً مع ارتفاع شعبية أحزاب اليمين المتطرف التي تعادي الوحدة الأوروبية وترفض الهجرة سواء بين دول الاتحاد الأوروبي أو من خارجه.

في الوقت الذي رأى فيه الشباب أن مستقبلهم مرهونٌ ببقائهم ضمن أوروبا موحدة، وأن هويتهم أوروبية كما هي بريطانية، اختار العواجيز الانسحاب من القارة التي حاربوا فيها مرتين خلال الأعوام المئة الأخيرة، وفضلوا العزلة!

3.

منذ بضعة أشهر كنت في برشلونة عندما دخلت بنكاً وقررت فتح حسابٍ مصرفي بخمسين يورو. لم يستغرق الوقت أكثر من ربع ساعة. قررت الموظفة فتح حسابٍ لي بعد أن سألتني سؤالاً واحداً: هل أنت أوروبي؟ نعم، وهذه هي صورة جواز السفر كما تظهر على شاشة الموبايل! أهلاً بك.

لم أعش في بلدي الأصلي مصر سوى السنوات الثلاث الأولى من عمري. بعدها انتقلت مع أسرتي إلى بلدين خلال ثلاثة وعشرين سنة، وبعدها انتقلت أنا إلى بريطانيا منذ أكثر من عشر سنين. وعندما فتحت حساباً بنكياً في أسبانيا كنت أنوي أن تكون برشلونة محطتي القادمة. من يبدأ حياته مهاجراً، يظل فيها مهاجراً.

بعد ساعات اتصلت بي زوجتي من المدينة التي تعمل وتقيم بها على بعد ثمانية آلاف كيلومتر إلى الشرق من لندن. نصحتني بأن أنظر في أمر الهجرة إلى كندا. تذكرت حينها "غزوة الصناديق" عندما "قالت الصناديق نعم" في استفتاء مارس/آذار 2011 على التعديلات الدستورية بمصر. في تلك الأيام قال الشيخ محمد حسين يعقوب مقولته الشهيرة: "اللي يقول البلد ميعرفش يعيش فيها.. أنت حر.. ألف سلامة.. إلى كندا"!

يبدو أن قدر كندا أن تكون ملاذاً بعد كل استفتاءٍ مصيري!

قامر كاميرون بمستقبل بريطانيا ظناً منه أنه سينتصر على خصومه داخل وخارج الحزب بضربة واحدة! لم يكن يعلم أنه سيفكك بريطانيا، ويفجر الاتحاد الأوروبي من الداخل، ويقضي على مستقبله السياسي في نقلة شطرنج مروعة!

4.

لم تكن الفجوة الجيلية هي الوحيدة في تقرير مصير المملكة المتحدة. فقد فضلت انجلترا أن تصوت لصالح الخروج. وبقيت عاصمتها لندن استثناءً، حيث صوتت لصالح البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي.

لم تخرج ويلز عن تبعيتها للمزاج العام في شمال ووسط انجلترا، فصوتت بالخروج. أما اسكتلندا وأيرلندا الشمالية فعبروا عن دعمهم للبقاء ضمن الاتحاد الذين يرون فيه شرياناً حيوياً لاقتصاد أقاليم المملكة المتحدة.

رئيسة وزراء اسكتلندا نيكولا ستيرجن أعلنت أن استفتاءاً ثانياً على استقلال اسكتلندا ضمن المملكة المتحدة سوف يعاد إلى الطاولة ومن المرجح بشدة إجرائه. في الاستفتاء الأول الذي جرى قبل عامين فاز معسكر البقاء ضمن المملكة لأن الكثيرين منهم اعتقدوا أنها ستبقى ضمن الاتحاد الأوروبي. هذه المرة صوتت اسكتلندا لصالح أوروبا فيما صوتت انجلترا لصالح الخروج. لم يعد الزواج قابلاً للاستمرار!

الروائية الانجليزية الشهيرة جيه كيه رولينغ عبرت عن الكارثة بدقة عندما كتبت بعد ظهور النتائج: "الآن سوف تطلب اسكتلندا الاستقلال. إرث كاميرون سوف يكون تحطيمه لاتحادين. لم يكن ذلك ضرورياً." ما حدث أن كاميرون دمر من خلال قراره بإجراء الاستفتاء المملكة المتحدة ومعها الاتحاد الأوروبي ودخل التاريخ كأكثر رئيس وزراء لبريطانيا كارثيةً في العصر الحديث.. وربما الأسوأ في تاريخها!

كل هذا كان من أجل أن يقضي على مزايدات أحزاب اليمين المتطرف، والتي بدأت تنافسه في بعض الدوائر الانتخابية، وأن يقضي على معارضيه داخل حزب المحافظين والذين يطمحون لإزاحته من زعامة الحزب على أرضية معاداة الاتحاد الأوروبي. قامر كاميرون بمستقبل بريطانيا ظناً منه أنه سينتصر على خصومه داخل وخارج الحزب بضربة واحدة! لم يكن يعلم أنه سيفكك بريطانيا، ويفجر الاتحاد الأوروبي من الداخل، ويقضي على مستقبله السياسي في نقلة شطرنج مروعة!

يقول ونستون تشرشل، رئيس الوزراء التاريخي لبريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، أن "أقوى حُجة ضد الديمقراطية هي مناقشة ناخب عادي لخمس دقائق". فخلال الدقائق الخمس سيظهر كم من السهل التأثير على الناخب العادي الذي يمثل أغلبية الجماهير. وهذا ما أوضحه بدقة هذا الاستفتاء.

عدد كبير ممن فضلوا الخروج من الاتحاد من البريطانيين ذوي الأصول غير الأوروبية فعلوا ذلك لأنهم صدقوا أكذوبة أن بريطانيا ستصبح أكثر انفتاحاً أمام المهاجرين من خارج الاتحاد الأوروبي في حال خروجها منه!

العكس صحيح. فالمزاج العام البريطاني الآن أصبح أكثر يمينية وتشدداً مع المهاجرين سواء من الاتحاد الأوروبي أو من خارجه.

كما صوت عددٌ كبير لصالح الخروج ظناً بأن الأموال التي تذهب أسبوعياً لتمويل الاتحاد الاوروبي سوف تذهب الى مؤسسة الصحة العامة وهو الأمر الذي نفاه أحد أبرز قادة معسكر الخروج، نايجل فاراج، بعد ساعاتٍ من إعلان النتائج!

الأكاذيب انتصرت.

5.

منذ أسابيع طلبت السيدة الإيطالية الشابة التي تنظف المنزل مرةً في الأسبوع أن أشتري مكنسةً جديدة لأن المكنسة التي أملكها قوتها نحو ألف وستمائة واط فقط. وفق رأي أنطونويتا التي درست علم النفس في إيطاليا قبل انتقالها للعمل في لندن فإن أي مكنسة تبلغ قوتها أقل من ألفي واط، لا تصلح للتنظيف!

قررت البحث عن مكنسة تبلغ قوتها أكثر من ألفي واط في مواقع التسوق على الانترنت. لم أجد. السبب أن الاتحاد الأوروبي قرر منذ سبتمبر/أيلول 2014 منع أي مكنسة تبلغ قوتها ألفاً وستمائة واط أو يزيد من البيع داخل دول الاتحاد حفاظاً على البيئة وتوفيراً للكهرباء.

بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لن تكون الشركات البريطانية ملزمةً بذلك المنع. سوف تعود المكنسة التي تفضلها أنطونويتا الى المتاجر، لكن أنطونويتا نفسها سوف تعود إلى بلادها، أو الى أي بلدٍ أوروبي آخر!

كسبنا مكنسة وخسرنا سيدةً محترفة في عملها.


مشهد الأمير فيصل والضابط الإنجليزي تي إي لورانس، فيلم لورانس العرب، 1962.