الإعلامية العربية ليليان داوود، مقدمة برنامج الصورة الكاملة

"الصورة الكاملة" لمصادرة آخر ساحات من لا صوت لهم

المتابعون للشبكات الاجتماعية في مصر لم يمثل قرار الترحيل لهم مفاجأة، فبينما أبدى العديدون غضبهم، كان غيرهم يبدون سعادتهم للاستجابة لمطلبهم الذي نادوا به منذ ظهرت آراء ليليان في القضايا ذات الشأن السياسي.

انتهت مساء 27 يونيو/حزيران الجاري، ولو إلى حين، رحلة إعلامية عربية عبر شاشة إحدى الفضائيات المصرية. رحلة بدأت عقب ثورة أطاحت برئيس، ثم تظاهرات واسعة انتهت إلى عزل وسجن آخر.

خمس سنوات تابعت فيها الصحفية التلفزيونية ليليان داوود بالتغطية وفتح مساحات النقاش صدور دستورين، والعديد من القوانين والإعلانات الدستورية. قبل أن تنهي فضائية OnTV تعاقدها معها قبل دقائق من اقتحام قوة أمنية لمنزلها، وانتزاعها من صحبة ابنتها لإجبارها على الرحيل إلى بيروت.

كتبت الإعلامية ليليان داوود اليوم الأربعاء، لأصدقائها ومتابعيها في مصر تفاصيل عملية الترحيل القسري المفاجئة، وكشفت عن أن ترحيلها جاء بأوامر "من جهة سيادية"، حسبما أبلغها أحد أفراد القوة الأمنية التي اصطحبتها من منزلها للمطار بالإكراه، بعد نصف ساعة فقط من توقيعها على إنهاء التعاقد مع فضائية OnTV.

داوود التى بدأ المصريون في التعرف إليها في يونيو/حزيران 2011، بإطلالتها في برنامج "الصورة الكاملة" الذي يتناول أحوال السياسة المحلية؛ اتسمت كل المحطات التي انتهت إلى ترحيلها بكونها مفاجئة. فعقب إعلان رجلي الأعمال نجيب ساويرس وأحمد أبو هشيمة، عن بيع الأول أسهمه في قناة OnTV، إلى شركة إعلام المصريين التي يملكها الثاني في منتصف مايو/آيار الماضي؛ أكدت ليليان داوود في تغريدة عبر حسابها الشخصي على تويتر إن برنامجها مستمر مالم تبلغها إدارة القناة بالعكس.

لكن البرنامج توقف بثه "استعدادًا لتغيير الخارطة البرامجية خلال شهر رمضان"، قبل أن تعلن ليليان ومعها الصحفي أحمد رمضان -أحد معدي البرنامج- يوم الإثنين عن الإنهاء المفاجئ لتعاقدها مع القناة، بعد يوم واحد من إعلان القناة نفسها إيقاف برنامج الصحفي جابر القرموطي. وبعدها بدقايق فوجئ المتابعون بخبر ترحيلها الذي أعلنه محاميها زياد العليمي.


معد برنامج الصورة الكاملة يعلن توقفه، بعد شراء رجل الأعمال المصري أحمد أبو هشمية للقناة

لكن المتابعين للشبكات الاجتماعية في مصر؛ لم يمثل قرار الترحيل القسري لهم مفاجأة؛ قدرما مثلت كيفية تنفيذه. ففي الوقت الذي أبدى فيه العديد من مستخدمي المنصات الاجتماعية غضبهم من ترحيل داوود، كان آخرون يبدون سعادتهم للاستجابة لمطلبهم الذي غردوا به طويلاً على شبكة تويتر، منذ ظهر استخدام ليليان لحساباتها الشخصية في التعبير عن آرائها في القضايا ذات الشأن السياسي.

هؤلاء واصلوا احتفالاتهم منذ إعلان خبر اعتقالها ثم ترحيلها، عبر هاشتاج #ليليان_لازم_ترحل، الذي سبق تدشينه في فبراير/شباط 2015، بعد انتقادها القبض على شباب المتظاهرين عبر حسابها الشخصي. وعادوا للتغريد عليه مجددًا في مايو/آيار الماضي، مع بيع قناة OnTV لأبوهشمية، مطالبين بفصلها.

اقرأ أيضًا: التفاصيل الكاملة لترحيل ليليان داوود

عاد اليوم حساب المذيعة اللبنانية على تويتر بعد إغلاقه تزامنًا مع ترحيبلها الجبري، وعاد معه تاريخ من التغريدات التي كانت تعبر بها عن مواقفها من حين لآخر بعيدًا عن شاشة التلفزيون، التي كانت تحرص فيها على الالتزام بالقواعد التي تقتضيها مهنتها من حياد، خلال قيامها بإدارة الحوار بين ضيوف يمثلون وجهتي نظر مختلفين.

تصاعد الهجوم على ليليان أكثر بعدما تحول برنامجها إلى النافذة الوحيدة تقريبًا التي تسمح بظهور أصحاب رؤى مخالفة لرؤية السلطات المصرية، بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، ثم أحداث فض ميداني رابعة العدوية (هشام بركات حاليًا) والنهضة، وما تبع ذلك من توقف كافة البرامج التي تسمح بظهور أصوات سياسية مغايرة، عدا برنامج ليليان. وأصبح برنامجها ضمن برامج نادرة في الإعلام المصري، تهتم بتسليط الضوء على الملفات الحقوقية، وتفرد مساحة لمناقشة التقارير الصادرة عن منظمات المجتمع المدني.

فض رابعة.. بداية العداء

عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة في الرابع عشر من أغسطس/آب 2013، اتفقت معظم التغطيات الإعلامية على تأييد الفض العنيف الذي أودى بحياة 632 مواطن بحسب الإحصاء الرسمي. واتفقت معظم التغطيات كذلك على كون الاعتصامين مسلحين بالكامل، بينما توجهت الوسائل الإعلامية المؤيدة لنظام حكم جماعة الإخوان المسلمين على اعتبار عملية الفض "مذبحة الانقلاب العسكري".

في الوقت عينه كانت داوود تحاول تقديم تغطية متوازنة للحدث، من خلال استضافة أصوات غير مرحب بها في الإعلام المصري. ففي حلقة من برنامجها "الصورة الكاملة" أذيعت في سبتمبر 2013، قالت الكاتبة المصرية أهداف سويف: "فض اعتصام رابعة العدوية نتج عنه خسائر في الأرواح لا يستهان بها". وفي الذكري الأولى للفض، خصصت داوود حلقة لمناقشة التقرير الصادر من منظمة هيومن رايتس ووتش، والذى اتهمته السلطات المصرية بأنه منحاز.


وعن القوانين المثيرة للجدل التى صدق عليها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأبرزها قانون مكافحة الإرهاب، أفردت داوود مساحة لممثلي المجتمع الحقوقي المصري لمناقشة القوانين. فقال عمرو عبد الرحمن، مدير وحدة الحريات المدنية " قانون الإرهاب من أخطر القوانين التي صدرت في غيبة الرقابة". موجهًا انتقادات قانونية ودستورية للقوانين الاقتصادية والأمنية التي أصدرها الرئيسان عدلي منصور ثم عبدالفتاح السيسي.

صداع قانون التظاهر

في برنامجها؛ حرصت ليليان داوود على تقديم "الصورة الكاملة" للقضايا المطروحة، من خلال عرض رؤى الأطراف المتعارضة في القضايا المطروحة للنقاش، بينما تكتم هي آراءها الشخصية في تلك القضايا وتختزنها حفاظًا على حق المشاهد في تقديم المعلومات والرؤى بحياد.

لكن تلك الآراء كانت تجد طريقها للنشر عبر حسابات ليليان الشخصية على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة تويتر. فبعد الحكم على المبرمج والناشط المصري علاء عبدالفتاح بالحبس خمس سنوات بموجب قانون التظاهر، قالت داوود على تويتر: "شباب.. ما تخلوا شيء يحبطكم. الشعب ده ياما شاف وكمل. بإيدكم سلاح اسمه إرادة الحياة.. وجلادكم مش بإيده إلا يحاول سلبها منكم".

جلبت هذه التغريدة عليها هجومًا ضاريًا، ليس فقط من مستخدمي المنصات الإجتماعية؛ ولكن من كاتب صحفي معروف في جريدة "الوطن" المصرية يدعى محمود الكردوسي، حرض السلطات المصرية ضدها قائلاً: "لماذا لا يتم ترحيلها، وإعادتها إلى جحر المؤامرة الذى أتت منه؟ كيف تركناها تعمل فى فضائية -سأقول مجازًا .أنها «مصرية»- وهي [المذيعة] التي هتفت بسقوط الجيش المصري، واتخذت موقفًا معاديًا من الدولة المصرية بعد ثورة 30 يونيو".

أما قانون التظاهر نفسه، الذي عبرت داوود مرارًا عبر المنصات الإجتماعية عن ضيقها بالظلم الواقع على المتظاهرين المعتقلين بسبب أحكامه، فكان موضوعًا لحلقاتها أكثر من مرة.

في أكتوبر/تشرين الأول 2013، استضافت ممثلي الطرفين؛ المؤيد والمعارض للقانون للنقاش حوله في حلقة بعنوان: "مدى حاجة الشارع المصري لقانون تنظيم التظاهر"، وجاء ذلك قبل شهر من صدور قرار رئاسي بالقانون في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013. وعندما تجدد الحديث حول تعديل حكومة حازم الببلاوي لأحكام القانون، ناقشته ثانية في حلقة بتاريخ سبتمبر 2014 تحت عنوان " قانون التظاهر .. والتضارب بشأن كيفية تعديله من عدمه". يذكر أن الحكومة أقيلت ولم تمرر تعديلاتها للقانون.


من لا صوت لهم

بتاريخ 30 إبريل/نيسان 2015، ناقشت حلقة "الصورة الكاملة" مصير طلاب الجامعات المفصولين بتهم تتصل بالانضمام "لجماعات محظورة" أو بتهمة المشاركة في تظاهرات مناهضة للسلطات، وفتح فريق البرنامج وعلى رأسهم ليليان داوود المجال لمشاركين في حملة مؤسسة حرية الفكر والتعبير المطالبة بعودتهم للدراسة، للظهور في برنامجها.


وفي عيد العمال- أول مايو/آيار 2015، فتحت النقاش حول حكم المحكمة الإدارية العليا بتجريم الإضراب، مشيرة إلى أن ذلك يتناقض مع مواد الدستور. ومع تداول أخبار عن حالات تعذيب وقتلى على يد أفراد من الشرطة المصرية، تناولت داوود في برنامجها ملف التعذيب في أقسام الشرطة. وخلال تقديمها للحلقة قالت: "هذه الحالات ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، ما لم تُفَعَّل القوانين ويُحاسب المتورطون".

الاستثناء الوحيد تقريبًا الذي لم تغالب فيه داوود رأيها على الشاشة؛ كان يوم مقتل الناشطة والشاعرة شيماء الصباغ على يد قوات الشرطة، أثناء توجهها لوضع الزهور في موضع قتل شهداء الثورة بميدان التحرير، عشية الاحتفال بالذكرة الرابعة للثورة.

يومها؛ لم تختر داوود ألفاظ منمقة وحيادية حين نقلت خبر مقتل شيماء الصباغ. وقالت في مقدمة حلقة (الصورة الكاملة): "كنت أتمنى أن أخرج عليكم اليوم، لأقول لكم كل سنة وأنتم طيببن، كنت أتمنى أن أهنئكم بتحقق الحرية والعدالة الإجتماعية، وبدولة تحمى الكرامة الإنسانية لأبنائها، لكن للأسف مضطرة أقول لكم، البقية في حياتكم".

وفي شهر يناير 2016، مع الذكرى الخامسة للثورة المصرية، ألقت داوود الضوء على ملف الاختفاء القسري لعشرات المواطنين الذين تسجلهم المنظمات الحقوقية والمجلس القومي لحقوق الإنسان، فيما تنكر وزارة الداخلية المصرية علمها بشأنهم. وتحت عنوان "في الذكرى الخامسة لثورة يناير، هل حققت الثورة أهدافها؟"، طرحت داوود نقاشًا مغايرًا للسائد في الإعلام المصري حول تشوية الثورة. فرد ضيفها جورج إسحاق عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان على المناوئين للثورة قائلاً: "اتهام ثورة يناير بأنها مؤامرة، إهانة للشعب".

أما الكاتب الصحفي عبد الله السناوي، الضيف في الحلقة ذاتها، فقال إن "الثورة لم تنتهِ، وهي الحقيقة السياسية الأولى في مصر".

ساويرس غير مهتم

رجل الأعمال نجيب ساويرس، مالك القناة السابق، حل ضيفًا على إحدى حلقات "الصورة الكاملة". ورغم ما يتردد عن حماسه لمهنية المذيعة، التي عملت سابقًا لصالح الخدمة العربية لهيئة الإذاعة البريطانية bbc، لم يعلق عبر حسابه النشط على تويتر، على أزمة ترحيلها من مصر. رغم تفاعله مع مستخدمين لتويتر عقب ترحيل داوود، متجاهلاً التغريدات التي اتهمته بعدم التصرف بمسؤولية حيال المذيعة التي تعاقد معها واستقدمها إلى مصر.


وعن احتمالات عودتها؛ قال محاميها الناشط السياسي المصري زياد العليمي: إنها طلبت منه، بعد وصولها إلى بيروت، اتخاذ كافة الإجراءات القانونية التي تمكنها من العودة إلى مصر، حيث تقيم ابنتها.