"ونوس".. دعوة لهجرة الواقع ونبذ الحياة

"في حالة اليأس يفزع القلب إلى زمن الأساطير" هكذا قال الروائي نجيب محفوظ. وفي المرحلة الراهنة التي تأتي بعد شعور قوي بالفشل في تغيير المجتمع للأفضل على عدة مستويات؛ يسيطر اليأس على الجميع، وعلى رأسهم الفنانون الذين دربوا مشاعرهم على التعلم من الماضي، واستيعاب الحاضر، واستشراف المستقبل. وأحيانا محاولة وضع مسار أكثر تناسبا مع المستقبل من أجل الوصول إلى عالم أفضل.

لكن أحيانا ما يخون الفنان –خاصة الفنان الذي يعتبر نفسه ملتزمًا– مهمته الطليعية، فيهرب من المسؤولية التي اختارها بنفسه حينما قرر أن يكون فنانا، فيلجأ إلى الميتافيزيقا (الغيبيات) لتفسير العالم وصياغته، بدلا من الواقع الذي يعيش فيه، والذي يعتبر هو المولد الرئيسي والطبيعي للفن.

هذا هو ما قام به المؤلف عبد الرحيم كمال في مسلسله "ونوس"، حينما هرب مرة أخرى إلى الميتافيزيقا بعدما هرب إلى التصوف من قبل في مسلسله "الخواجة عبد القادر".

في مسلسله الجديد الذي يعرض في الموسم الرمضاني 2016، يستلهم عبد الرحيم كمال قصة "فاوست" الذي باع روحه للشيطان "ميفيستوفيليس" من أجل المعرفة، وأسقط على الحكاية الشهيرة أفكاره الميتافيزيقية، التي جعلته يصوغ بطلاً كارها للحياة وهاربًا منها، ومحبًا للعزلة والزهد، ولإبقاء على الوضع كما هو عليه.

"فاوست".. ملهمة الفنانين على مر العصور

"فاوست" هي قصة شعبية، ألهمت أعمال كبار الأدباء كالكاتب المسرحي الإنجليزي كريستوفر مارلو، الذي يقال عنه أنه لولا وفاته في سن مبكرة لأصبح أعظم من ابن جيله وبلدته؛ الكاتب المسرحي وليام شكسبير. وتناولها أيضا شاعر ألمانيا الأعظم يوهان فولفجانج جوته، والروائي الألماني توماس مان والشاعر الفرنسي بول فاليري والشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا، وأيضا كبار المخرجين السينمائيين كالالألماني فريديريش فيلهلم مورناو، والفرنسي رينيه كلير، والروسي ألكسندر سوكوروف. ناهيك عن المؤلفين الموسيقيين كالألماني ريشارد فاجنر وابن موطنه روبرت شومان، والمجري فرانز ليست والروسي إيجور سترافينسكي.

تدور أحداث مسلسل "ونوس" حول "ياقوت" الذي يترك أبناءه وزوجته، ويختفي 20 عامًا، ثم يأتي الشيطان "ونوس" إلى أسرته، ويدعي أنه صديق والدهم، ويخبرهم أن الأب الغائب ورث قصرا تبلغ قيمته ملايين الجنيهات، فتتطور الأحداث ويبدأ الصراع بين الأبناء والأم، ما بين البحث عن الأب والعودة إلى حضنه والنهل من أمواله؛ أو المضي في حياتهم كما كانوا. ومن ناحية أخرى يستمر الصراع بين ياقوت وونوس ما بين رفض الأب الاستمرار في الاتفاق الموقع بينهما، أو الخضوع للشيطان من أجل خلاص الأبناء والعودة إلى حياة الملذات.

المسلسل من بطولة يحيى الفخراني ونبيل الحلفاوي وهالة صدقي وحنان مطاوع، وإخراج شادي الفخراني. ويعتبر هو التعاون الرابع بين النجم يحيى الفخراني والمؤلف عبد الرحيم كمال، حيث عملا معا من قبل في مسلسلات "شيخ العرب همام: آخر ملوك الصعيد" و"الخواجة عبد القادر" و"دهشة". وأيضا يعتبر هو التعاون الثالث بين يحيى الفخراني، وابنه المخرج شادي الفخراني. حيث عملا معا من قبل في مسلسلي "الخواجة عبد القادر" و"دهشة".

الإرادة أم الأخلاق

فاوست يرى مفيستوفوليس (الشيطان) - رامبرانت

في قصة "فاوست" الأصلية، البطل هو عالم يبيع روحه للشيطان من أجل المعرفة في استلهام للرؤية المسيحية التي ترى شجرة الفردوس التي أكل منها سيدنا آدم/ الإنسان الأول، أو التفاحة وفقا لسفر التكوين هي شجرة المعرفة التي أراد الله حجبها عن الإنسان، فتحايل عليه الشيطان حتى دفعه للأكل منها والإطلاع على المعرفة المحرمة.

وبالتالي ففاوست يتحدى الله تعالى ثلاث مرات؛ أولا: عبر إتباعه للشيطان، وثانيا: عبر بيع روحه له، وثالثا: عبر الرغبة في المعرفة التي لم يسمح له الله تعالى باكتنازها في المواجهة الأولى بينهما عند الخلق.

بالإضافة إلى ذلك؛ فالقصة تعيد رواية قصة الخلق، فحين تنفتح له المعرفة بموجب اتفاقه مع الشيطان؛ يرى فاوست تلك الخطيئة الأولى لآدم/ الإنسان، فيدرك مدى الذنب الذي وقع فيه حينما اتفق مع الشيطان وعصى الله. وحينها، يندم على ما اقترفه من آثام، فيعود إلى الله تائبا فينال رحمته، وينجي روحه من براثن الشيطان، فيفشل الأخير في الاستحواذ عليها.

في مسلسل عبد الرحيم كمال، يختلف الأمر تماما. فعقد (ياقوت-ونوس) ينص على إعطاء ياقوت ملذات الحياة الدنيا الحسية، لا ملذات الفكر الروحية. وبالتالي فهو يسلب العمل الفني واحدة من أهم الأفكار البناءة التي تعتمد عليها قصة "فاوست" الأصلية.

والفارق هنا هو فارق جوهري لا فرعي؛ حيث تتجلى رؤية عبد الرحيم كمال المتكررة في أعماله السابقة في هذا المسلسل أيضًا، عبر تأكيد أن الحياة بملذاتها هي شر يجب على الإنسان عدم الانسياق وراءه، وعليه نبذه مثلما فعل ياقوت عبر العيش على هامش الحياة، والزهد، واللجوء إلى الهجر. حيث يحاول ياقوت ألا يتعلق بأي شيء في هذه الحياة؛ بما فيها ما كان يحيا به من ملذات طوال عشرين عامًا. وكما يرفض التعلق بأبنائه وزوجته، مما جعل المسلسل مجرد قصة تتحدث عن التفكك الأسري، في إطار من الميتافيزيقا/ الدروشة التي تتسم بها أعمال عبد الرحيم كمال.

عبد الرحيم كمال فنان يحاول جرنا إلى الخلف، عبر تقديم أعمال ترضى شخصياتها بالواقع عبر نفي الإرادة عن الإنسان، والتقليل من أهمية الخبرة الحياتية المعرفية مقابل الخبرة التأملية، وتأكيد أن السبب وراء انتشار الشر في المجتمع هو سبب ميتافيزيقي (ونوس/ الشيطان)؛ لا الإنسان نفسه (ياقوت) أو النظم التسلطية/ الاستبدادية التي اخترعها الإنسان ويمارسها على أخيه الإنسان.

وبذلك يروج عبد الرحيم كمال للفكرة الدينية التي تؤكد أن الإنسان مُسَيَّر لا مُخَيَّر، والتي ترفض التغيير والثورة وتشجع على المحافظة على الوضع كما هو عليه، حيث لا جدوى من العمل من أجل مستقبل أفضل (يوتوبيا) حينما يكون المستقبل الوحيد اليوتوبي هو الجنة.

وهو نفس ما حذر منه رواد التنوير العرب كعبد الرحمن الكواكبي الذي أكد في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد": أن الإرادة هي أم الأخلاق. وأن الفارق بين تخلفنا وتقدم الغرب، يكمن في أننا نتمسك بالماضي وبالأساطير؛ بينما الغرب يتمسك بالمستقبل وبالعمل.