ويلز.. طفرة كروية تتحدى وصاية انجلترا

احتفظت ويلز، منذ انضمامها للمملكة المتحدة في القرن السادس عشر، ببعض الخصوصية رافضة الذوبان كليًا في "بريطانيا العظمى".

لهجة خاصة تختلف عن تلك التي يتحدث بها مواطنو انجلترا، إرث فني شديد المحلية، إضافة إلى جملة من العادات والتقاليد، تركت للبلد الصغير الذي لا يتجاوز عدد سكانه 3 ملايين نسمة هوية خاصة، تندمج حينًا مع أخواتها تحت مظلة "الممكلة البريطانية" وتنفصل عنهم حينا، وتبادلهم الندية والتنافس في أحيان أخرى كثيرة.

وتعكس المنافسات الرياضية قدرًا من هذا التعقيد في علاقة ويلز بأعضاء المملكة المتحدة، خاصة انجلترا.

في الرجبي، تشهد مباريات منتخبي ويلز وانجلترا، منافسة شرسة للغاية، والتقى المنتخبان في 129 مواجهة، انتصرت انجلترا في 60 منها بينما كان لويلز 57 انتصارًا، وانتهت 12 مواجهة بالتعادل.

أمّا في كرة القدم، اللعبة الأكثر جماهيرية، يبدو الأمر مختلفًا للغاية.

لا تقام في ويلز منافسات محلية قوية، ما يدفع المواهب الويلزية صوب إنجلترا حيثُ الشهرة والأموال، ويُعتبر أسطورة مانشستر يونايتد ريان جيجز أحد أبرز تلك الأمثلة، ومؤخرًا؛ لعب جاريث بيل لناديي ساوثهامبتون وتوتنهام هوتسبير قبل أن يتجه إلى إسبانيا مع ريال مدريد.

اختلط أبناء ويلز بالإنجليز، مخترعي كرة القدم الحديثة، إلى حدٍ دفع بعض الأندية الويلزية لتقديم طلب للمشاركة في مُسابقات رابطة المحترفين الإنجليزية لكرة القدم. وأشهر ناديين ويلزيين يشاركان في المنافسات الإنجليزية هما سوانزي سيتي وكارديف سيتي، والأول ينافس في الدوري الإنجليزي الممتاز (البريميرليج) والثاني يلعب في دوري الدرجة الأولى (الشامبيونشيب).

وفي 2013 تُوج سوانزي بطلاً لكأس رابطة المحترفين الإنجليزية.

هذا التداخل، ذابت بسببه، في فترة سابقة، الحدود الفاصلة بين البلدين كرويًا، فقبل مونديال 2006 الذي أقيم في ألمانيا، طُرح استفتاءُ عام في ويلز عن إمكانية دعم المنتخب الإنجليزي في كأس العالم، وكشفت النتيجة أن 83% من المشاركين في الاستفتاء سيدعمون الإنجليز.

كانت الفوارق بين منتخب انجلترا وويلز كبيرة، وبينما ينجح الإنجليز في بلوغ منافسات المونديال وكأس أوروبا دون صعوبات بالغة كانت ويلز تكافح في التصفيات دون أن تقدم شيئًا يُذكر.

وشاركت ويلز في المونديال مرة واحدة عام 1958، قبل أن تتاح لها الفرصة للظهور في يورو 2016 التي احتضنتها فرنسا مؤخرًا.

القرعة، أوقعت انجلترا وويلز سويًا في مجموعة واحدة من كأس أوروبا، وبدت ويلز التي ذابت كرويا في جارتها، في حلة جديدة مختلفة عن تلك التي ارتدتها سابقًا حيث ضم منتخبها بعض النجوم البارزين.

قبل المباراة المنتظرة، اشتبكت جماهير المنتخبين، ثم أطلق جاريث بيل، أبرز لاعبي ويلز، تصريحًا استفزازيًا وقال: "لاعبو انجلترا مميزين، لكن لا أعتقد أن أحدًا منهم يستطيع اللعب في صفوف ويلز".

ردّ الإنجليز على بيل، أغلي لاعب في تاريخ كرة القدم، داخل الملعب وفازوا بصعوبة (2-1).

حجز المنتخبان مقعدين في الأدوار الإقصائية من البطولة (مرحلة خروج المغلوب) وكانت التوقعات تشير إلى قدرة إنجلترا على الوصول لمراحل متقدمة، خاصة بعدما أوقعتها القرعة مع منتخب ضعيف في دور الـ16 هو المنتخب الأيسلندي، لكّن لاعبي انجلترا خيّبوا، كعادتهم، توقعات أنصارهم، وخسروا (2-1) في واحدة من أكبر مفاجآت البطولة.

ويلز، كانت على موعد مع إحدى جاراتها في دور الـ16 منتخب أيرلندا الشمالية، تفوقت عليه (1-0) لتنتقل إلى ربع النهائي وتواجه منافسًا صعبة هو منتخب بلجيكا، قبل أن تتفوق عليه (3-1) وفي نصف النهائي كانت آخر محطاتها أمام البرتغال حين خسرت (2-0).

وتشبه رحلة ويلز في كأس أوروبا إلى حد كبير مشوار ليستر سيتي بطل النسخة الماضية من الدوري الإنجليزي، فريق لا يضم ألمع الأسماء، ولا يعد مرشحًا لتحقيق نتائج متميزة لكنه ينجح بأدائه الجماعي في بلوغ هدفه وينتزع اللقب من الكبار.

استغلت ويلز اليورو لإعلان قدرتها على تخطي جارها الإنجليزي الذي احتضن مواهبها الكروية خلال السنوات الماضية، ورغم خسارتها في المباراة التي جمعتهما في مرحلة المجموعات إلا أنها نجحت في الوصول لنصف النهائي بينما ودعت انجلترا البطولة من دور الـ16.

واستمرت توابع نتائج اليورو، حيث صدر التصنيف الدوري للفيفا مؤخرًا معلناً تقدم ويلز لأفضل تصنيف لها عبر التاريخ لتحتل المركز الـ11 عالميًا بينما تراجعت انجلترا للمركز الـ13.

ورغم المناوشات التي شهدتها اليورو، تعود ويلز وإنجلترا بعد أيام للتحالف مجددًا تحت لواء "بريطانيا العظمي" خلال دورة الألعاب الاوليمبية في ريو دي جانيرو، حيث أن اللجنة الأوليمبية لا تعترف إلا ببريطانيا ككُتلة واحدة، أما ذلك التفرُّق والشتات، رياضيًا، فلا نجده إلا في كرة القدم والرجبي.