محاكمة سقراط.. مؤيد الانقلاب العسكري على الديمقراطية

تظل محاكمة سقراط علامة سوداء في تاريخ أثينا التي تعلم منها العالم الديمقراطية، ولكن كتاب "محاكمة سقراط" يعرض للأسباب السياسية و الاجتماعية التي أدت إلى هذه المحاكمة، لنرى الأمر بمنظور جديد يختلف عن رؤية سقراط كشهيد لحرية التعبير.

أول ما يثير الاعجاب بكتاب "محاكمة سقراط" من تأليف آي. إف. ستون وترجمة نسيم مجلي هو الكاتب نفسه، فقد كان "ستون" صحفيًا مرموقًا وصاحب مجلة، وتُنشر مقالاته في صحف أمريكية كبيرة، حتى اضطر للتقاعد نتيجة لإصابته بذبحة صدرية واتجه بعدها الي دراسة حرية التعبير لاقتناعه بأهميتها القصوي في صلاح أي مجتمع، ومن دراسة ثورات الإنجليز في القرن السابع عشر وحركة الإصلاح البروتستانتي وصل إلى بذور حرية الفكر في أثينا القديمة التي ازدهرت فيها الديمقراطية و حرية التعبير، ونظرًا لعدم ثقته في ترجمات النصوص الأصلية للمصطلحات الاغريقية قرر "ستون" أن يتعلم اللغة اليونانية لدرجة كافية تمكنه من حل معضلات النصوص الأصلية، و مع بحثه حول "إعدام سقراط " قرر أن يكشف ما لم يقله أفلاطون عنه؛ وهو وجهة نظر الأثينيين والملابسات السياسية للحكم ولعلاقة سقراط بأثينا وبالديمقراطية.

غلاف كتاب "محاكمة سقراط"

سقراط وأثينا

كان الخلاف السياسي في أثينا هو الصراع بين أنصار حكم الأقلية وأنصار توسيع حق المواطنة كنظام ديمقراطي للأغلبية، بينما كان موقف سقراط هو الحكم ليس بواسطة الأقلية أو الأغلبية، و انما بواسطة "الشخص الذي يعرف"، فمثلما يلجأ المواطن العادي للخبراء في المجالات المختلفة كالزراعة والرياضة، فعلي المواطن أن يلجأ "لمن يعرف" حتي يحكم، وبالتالي أن يطيع من يحكم. واعتبر البعض تبني سقراط لهذا الرأي ردّة إلى الملكية. وبينما كانت المناصب في أثينا إما بالقرعة أو بالانتخاب لمدة عام فقط تحت مساءلة شعبية. وكان المواطنون يشاركون كمحلفين في القضاء. كان سقراط يتهكم على الديمقراطية، وفي السياق نفسه كانت "يوتوبيا" أفلاطون تجعل المواطن تحت رقابة مجلس يقوّمه و يمنعه من السفر للحفاظ على المجتمع من "التلوث الروحي".

ووفقًا لمذكرات المؤرخ "زينوفون" يحدد سقراط دعوته لحكم ملكي مقيد بالقانون، ومبدأه الأساسي في الحكم هو أن "مهمة الحاكم هي إصدار الأوامر وواجب المحكومين هو الطاعة". ولا يؤكد سقراط في أي مكان من كلامه على حق المواطنين في التخلص من الحاكم الذي يرفض النصيحة الجيدة، والذي قد يقتل أولئك الذين ينصحونه، و حجته هي أن مثل هذه الأفعال لن تجلب الأمان للحاكم، وستجعله ينتهي إلى الدمار السريع من تلقاء نفسه.

تهمة سقراط الكبرى

لم تصل إلينا قائمة كاملة بالاتهامات التي وُجهت لسقراط وأدت إلى إعدامه، و لكن توجد بعض الشذرات التي اقتبسها "زينوفون " في مذكراته، ومن ضمن الاتهامات المذكورة هي قيام سقراط بـ "إفساد الشباب"، وهو ما أعطى البعض انطباعًا بأن الاتهام متعلق بعلاقات سقراط المثلية، ولكن الكتاب يوضح أن عملية الاتصال الجنسي بين رجل و شاب لم تنبت له لحية كان فعلًا محترمًا على المستوي الاجتماعي عند قدماء الاغريق، وبالتالي فالمقصود من الاتهام، وفقًا لمذكرات "زينوفون"، هو أن سقراط "علّم رفاقه أن ينظروا بعين الاحتقار إلى قوانين أثينا، و كذلك دفعهم إلى ازدراء النظام الراسخ، كما دفعهم إلى استخدام العنف". واستشهد صاحب الاتهام بتلميذين لسقراط؛ أولهما كريتياس وهو القائد في ديكتاتورية الثلاثين المؤيدة لإسبرطة، والذي وصل الي قمة الجشع و العنف، وثانيهما ألكيبياديس الذي تفوق علي الجميع في الانحلال و البذاءة، ويضيف صاحب الاتهام أن سقراط تخير من شعر أشهر الشعراء فقرات استخدمها لتعليم أتباعه من الشباب أن يكونوا طغاة و أشرارًا، ويُرَجّح المؤلف أن يكون المقصود بالشعراء بندار وثيوجينيس، إذ ألّف بندار أغان كثيرة في مدح الطغاة المشهورين، أما ثيوجنيس فقد عبّر عن كراهية النبلاء للطبقة الوسطي الناشئة التي تتكون من الحرفيين و التجار الذين يطالبون بحق التصويت و المشاركة في الوظائف العامة.

أما الخلاف الثاني بين سقراط و مدينته فكان متعلقًا بتعريف "الفضيلة"، و كان تعريف سقراط هو أن الفضيلة تساوي "المعرفة" ويصل سقراط الي أن المعرفة المطلقة لا سبيل إليها و هو ما يعني أن عامة الناس و أغلبيتهم لا يملكون الفضيلة أو المعرفة اللازمة لحكم أنفسهم ليصل سقراط إلى افتراضه الأساسي بأن المجتمع البشري ما هو إلا قطيع.

بينما كانت وجهة النظر الأثينية تؤمن بأن كل مواطن يملك الفضائل الأولية للحياة الاجتماعية و يمكنه أن يمتلك القدر الضروري من العقل , أي المنطق Logos الذي يستطيع به التمييز بين الصواب والخطأ.

الانقلاب علي الديمقراطية

ليس هناك دليل علي أن سقراط كان يدعو إلى قلب النظام الديمقراطي بالقوة و لكن ازدراء سقراط المستمر للديمقراطية الأثينية والسخرية من انتخاب من يُعيّنون في المناصب بالقرعة دفع تلاميذه لازدراء النظام القائم و ملأهم بمشاعر العنف.

جاء حكم الأقلية أو دكتاتورية الثلاثين التي حلت محل المجلس ف عام 404 ق.م بالتآمر مع حكام إسبرطة، وكان من بين الأرستقراطيين المتمردين لحساب الإسبرطيين المنتصرين كريتياس وخارميدس، والأول هو ابن عم أفلاطون و الثاني عمه، وكلاهما يظهران في محاورات أفلاطون كشخصيات لامعة جذابة، و علي علاقة مودة و صداقة مع سقراط.

كان سقراط يعظ الناس ويحضهم علي الانسحاب من الحياة السياسية للمدينة، وهو ما يعتبره ضرورة من أجل "الكمال الروحي"، ولكن الإغريق كانوا يؤمنون بواجب المواطن بالمشاركة الكاملة في حياة المدينة و شؤونها العامة.

لم يكن لسقراط موقف واضح من دكتاتورية الثلاثين، ولم يقم بالانضمام للمعتدلين أو الديمقراطيين في معارضتها، وهو ما جعل أنيتوس، أحد من قادوا تحالف المعتدلين و والديمقراطيين الذي قضى علي ديكتاتورية الثلاثين، واحدًا من أهم المدعين في محاكمة سقراط الذي لم يرحل مع طرد الدكتاتورية للفقراء و الديمقراطيين في البداية، ولم يهاجر مع المعتدلين من أبناء الطبقة الوسطى، بل ظل على ازدرائه للديمقراطية مما جعل الناس تخشى أن تعمل تعاليمه مرة أخرى على الإطاحة بالديموقراطية.

كان سقراط يزدري مجلس أثينا فهو في نظره مكون من اصحاب أعمال سوقية "مبيضو الأقمشة أو الإسكافية أو البنائين أو الحدادين أو الزراع أو التجار "، ينطق سقراط هذه الأسماء بازدراء شديد و ذلك علي الرغم من أن سقراط نفسه من أبناء الطبقة الوسطى، فقد كانت أمه تعمل قابلة، و كان والده قاطع أحجار، وكان سقراط يعيش علي ميراث قليل تركه أبوه. و لم يعمل سقراط بأي مهنة أو وظيفة، وكان يتباهى بكونه لا يطلب أجرًا من تلاميذه، وكان ذلك بالطبع من أسباب غضب زوجته التي يتم النظر إليها كامرأة سليطة اللسان بشعة الطباع دون النظر لمعاناتها كزوجة و أم لثلاثة أطفال تربيهم بمال قليل. كما كان سقراط معجبًا بأنظمة الحكم في إسبرطة و كريت والتي كانت معتمدة علي العبودية و الطبقة العسكرية الحاكمة، والتي كانت تضع قيودًا على سفر المواطنين الي الخارج منعًا لـ "التلوث الروحي".

المحاكمة

كان سقراط هدفًا لهجوم شعراء الكوميديا والمسرح، وظهرت شخصيته في مسرحيات مثل "السحب" و "الطيور" و ذلك دون أن يصل الأمر الي أي شكل من أشكال التهديد البدني و ذلك في اطار التسامح الأثيني , فما الذي دفع أثينا الى التحول الي المحاكمة والحكم بالإعدام، يجيب الكتاب علي ذلك بأن السبب الرئيسي هو الانقلابات و المؤامرات التي تمت ضد الديمقراطية بالتعاون مع العدو الإسبرطي، والتي حدثت في أعوام 411 و404 و401 قبل الميلاد، وهو ما جعل المدينة أقل تسامحًا مع آراء سقراط الكارهة للديمقراطية.

وأثناء المحاكمة كان سقراط يتوقع إدانة المحلفين، ولكنه لم يتوقع أن يكون عدد الأصوات متقاربة؛ إذ صوّت 280 صوتًا بالإدانة، و220 صوتًا بالبراءة. وكان من الممكن لسقراط، وفقًا للقانون، أن يختار نوع العقوبة بأن يطلب فرض غرامة أو النفي، و لكن يبدو أن سقراط رغب في تحدي المحكمة و في اختيار نهايته خاصة أنه تجاوز السبعين، و هو فيما يبدو سبب رفضه للهرب الذي كان ممكنًا بمساعدة تلاميذه، ليختار سقراط الانتحار بالسم.

بالطبع تظل محاكمة سقراط علامة سوداء في تاريخ أثينا التي تعلم منها العالم الديمقراطية، ولكن كتاب " محاكمة سقراط" يعرض للأسباب السياسية و الاجتماعية التي أدت إلى هذه المحاكمة، لنرى الأمر بمنظور جديد يختلف عن رؤية سقراط كشهيد لحرية التعبير و التفكير كفكرة مجردة.