كيف نُعوّد أطفالنا على القراءة؟.. دروس من التجربة الإنجليزية

في كل عام، تعلن المكتبات العامة في إنجلترا عن تحدي القراءة خلال إجازة الصيف، وللتسجيل في هذا التحدي ما على الطفل إلا أن يذهب إلى أقرب مكتبة عامة، ويسجل اسمه واسم مدرسته، وكل هذا دون أي رسوم، بعد ذلك، يتوجب عليهأن يقرأ ستة كتبٍ من اختياره خلال ستة أسابيع من الإجازة كحد أدنى.

يقوم المتطوعون بالمكتبات، وأغلبهم من الشباب المهتمين بالقراءة، بالتأكد من قراءةِ الطفل للكتب عبر بعض الأسئلة، ويتركوا له المساحة والوقت للتعبير عن رأيه، يوجهون له أسئلة مثل: ما الجزء المفضل لك في الكتاب؟ هل كنت تتوقع النهاية؟ هل تريد تغيير أي حدث أو حوار بالكتاب؟ هل أعجبتك رسومات الكتاب وألوانه؟.

وعندما ينتهي الطفل من قراءة الكتب؛ تبعث المكتبة أسماء الأطفال الذين انتهوا من التحدي للمدرسة، التي بدورها توزع ميداليات رمزية وشهادات تقدير أمام جميع الطلاب في طابور الصباح أو في الفصل.

وبمناسبة مرور مائة عام على ميلاد الكاتب البريطاني الشهير "رولد دال"، فإن تحدي هذا العام جاء متأثرًا بكتبه سواء من خلال أنشطة الحكي في المكتبات، أو طبع مقتطفات من كتبه على استمارة التحدي، أو اختيار ضيوف الشرف لتحدي هذا العام، وهم ستة كتابِ أطفال معاصرين .

ويُعد دال من أهم كُتاب الأطفال في إنجلترا والعالم، وكتبه من أهم المراجع التي يُستعان بها لتدريس الأدب، والنحو، والتدريب علي القراءة، بالإضافة إلى أن بعض أعماله تم تحويلها لأفلامٍ مثل "تشارلي ومصنع الشوكولاتة" و"ماتيلدا"، أو لمسرحيات غنائية سواء على أشهر مسارح لندن أو المسارح المحلية أو الأنشطة المسرحية لطلاب المدارس.

ويتزامن تحدي العام الحالي مع عرض فيلم The Big Friendly Giant أو "العملاق الودود الكبير" في دور السينما، وتم اقتباس اسم التحدي منه "القراءة الكبيرة الودودة" The Big Friendly Read.

هذا النشاط، يحدث لأن هذه بلد تعي قيمة أدب الأطفال، وتسعى لخلق وعي بأهميته، لذلك، بمشاركة العديد من الجهات الخاصة والحكومية، وبمساعدة كاتب تميز بخياله الواسع وانحيازه التام للطفل، بخلاف روحه المرحة في الكتابة التي ساعدتها رسومات المبدع "كوينتين بلايك"، تم الإعلان على الموقع الرسمي للتحدي أن الأطفال قد انتهوا من قراءة ما يقرب من ستمائة الف كتاب.

مقارنة مُحبِطة

أرى كل هذا، ولا أستطيع منع نفسي من المقارنة بمشهد من زيارتي هذا الصيف لإحدى المكتبات القليلة المتخصصة في بيع كتب الأطفال في القاهرة؛ حيث أدركت، خلال زيارتي الثالثة لها على مدار العام، أنه لم تصدر عناوين جديدة في أدب الاطفال اللهم إلا عنوان أو اثنين إضافة إلى وجود بعض الكتب الجديدة من دور نشر خليجية.

شاركتني صديقتي المهتمة مثلي بحال أدب الأطفال في مصر نفس الملاحظة بعد زيارتها لمكتبة أخرى؛ حيث لم تجد الكتب دائمة التواجد والمحببة للأطفال كسلسلة "فرحانة" و"فيزو" نهائيًا، من الواضح أنه لم تتم إعادة طباعتها منذ فترة طويلة.

قلة الإصدارات الجديدة، وعدم طباعة الكتب الأكثر مبيعًا؛ تعد ظواهر جديدة تضاف للمشاكل المزمنة التي تعاني منها مصر في أدب الأطفال، فهناك أزمة تسويق، وأزمة طباعة تفاقمت مع زيادة أسعار الورق نتيجة لأزمة الدولار.

هناك، أيضًا، أزمة حقيقية وخطرة ودائرة مغلقة يجب أن يتم كسرها، فالفئات القليلة المهتمة بجعل القراءة جزءً أساسيا من حياة أولادها اليومية تهتمُ أكثر بالكتب الأجنبية

ونعاني أيضًا من عدم وجود مكتبات عامة نشطة في مختلف الأقاليم باستثناء القاهرة والإسكندرية وكبرى المحافظات، وعددها قليل لا يتناسب مع عدد الأطفال، بالإضافة إلى فقر شديد في الكتابة لليافعين وندرة الكتب "غير الخيالية" التي تقدم معلومات أو سيّر ذاتية وليست قصصية.

إن الأدب العربي غنيّ، به كل ما يحتاجه الطفل من خيال وصور، بالإضافة إلى قواعد النحو والشعر والبلاغة و الحكايات التراثية، ويثريه تنوع الخلفيات الثقافية لبلدان عدة تتحدث كلها لغة واحدة، لها تاريخ مبهر وساحر في فنون الحكي.

هناك، أيضًا، أزمة حقيقية وخطرة ودائرة مغلقة يجب أن يتم كسرها، فالفئات القليلة المهتمة بجعل القراءة جزءً أساسيا من حياة أولادها اليومية تهتمُ أكثر بالكتب الأجنبية، قد يكون هذا بغرض تقوية اللغة الاجنبية أو لتميز الكتب الأجنبية بتنوع موضوعاتها، أو بسبب علاقة الطفل باللغة العربية التي ساءت بسبب مناهج التعليم لاعتمادها علي الحفظ والدرجات، حيث أن التعارف الأول بين الطالب المصري والأدب من خلال دراسة منهج لم يتم تطوير محتواه أو طريقة تقديمه منذ فترة طويلة، فدروس القراءة في الصفوف الابتدائية الأولى تفتقر إلى الخيال والحبكة، والرسومات فقيرة جدًا.

وهناك أزمةُ بسبب ندرة كتاب ورسامي الأطفال، و هذا الأمر مجرد انعكاس لأزمة عدم الاهتمام بقراءة الأطفال، لأن هناك أجيال تعاني من ضعف اللغة والجهل بقواعد النحو وعدم القدرة علي الإبداع ليس فقط كتابيا لكن في شتي الفنون، و أكبر دليل ظهور تلك التماثيل الجديدة التي تُعد كارثة في تاريخ النحت المصري.

أرجو من الجميع الاهتمام بشراء الكتب العربية وقراءتها، وأن تجد دور النشر وسائل مبتكرة لتوسيع رقعة القراء الصغار؛ لأنّ هذا هو المخرج لأزمة التسويق، سواء بتنظيم مسابقات أو بوجود أنشطة أو فعاليات على مستوى رواد المكتبات المنتظمين، أو من خلال التواصل مع المدارس.

ويبقى على الدولة في وضعها الحالي التي لا تضع الأطفال عامة والكتب أو القراءة خاصة في خططها وأولوياتها، الدور الأكبر في بدء إدراك أهمية الاستثمار في الأطفال من خلال مبادرات واسعة على مستوى الجمهورية، ووضع تسهيلات لحل أزمة الورق والطباعة ودعم ورش الكتابة والإصدارات الأدبية الحالية؛ لأن الفجوة أصبحت أكبر مما نتخيل بين ما يجب أن يكون وبين الوضع الآن في مصر.

لا نتخيل أن نصبح بين عشية وضحاها مثل الدول الأوروبية ولا حتى العربية التي بدأت في إدراك أهمية هذا، فعلى سبيل المثال أطلقت الإمارات "تحدي القراءة العربي" العام الماضي، وكان التسجيل فيه يتم من خلال المدرسة، في إشارة صريحة لدور المدرسة في التشجيع على القراءة. نريد فقط أن تكون هناك بداية، أو خطة، أو محاولة تعدنا أن هناك أمل ما حتى ولو بعيد في إنقاذ هويتنا وثقافتنا.

الجهاز المخصص لإستعارة أو إعادة  الكتب، ويمكن للطفل استخدامه بسهولة دون الاعتماد على أحد، حيث يضع في البداية كارت عضويته داخل الجهاز ويُدخل تاريخ ميلاده والذي في نفس الوقت الرقم السري، ثم بعد ذلك يضع الكتب تحت الضوء الأزرق (فكل الكتب مسجلة بكود) ويسجل هذا في حسابه. ويمكنك طلب إيصال به أسماء الكتب وأقصى تاريخ يمكنك إعادة الكتب فيه، ويحدث نفس الشيء عند إعادة الكتب. ليس هذا فحسب فيمكنك استعارة أي كتاب من أي مكتبة في المقاطعة التي تسكن بها وإعادته لمكتبتك المحلية وليس للمكتبة التي استعرت منها.

واجهة إحدى المكتبات وقد تزينت برسومات أشهر روايات "رولد دال" مُعلِنة عن تحدي القراءة الصيفية. ​

الشهادة الرمزية التي يحصل عليها الطفل عند إتمام التحدي.