الأفراد كانوا أبرز الفاعلين في ثورة 25 يناير وامتداداتها - تصوير بيشوي فايز- شارع محمد محمود

ردًا على مقال محمد نعيم.. أو نقد أسئلة التيه*

هكذا تحولت الجماعات إلى أفراد، ثم تم تعطيب الأيدلوجيات، بعد ذلك تم سحب وتدمير المصداقية، وسيتم تنصيب الحدث "ثورة يناير" ليحل محل المنهج والأيدلوجيا، كمرجع أساسي في تحديد الانحيازات.

في مبادرة – ليست الأولي من حيث موضوعها، وهي الدعوة إلي مراجعة المواقف والرؤى السياسية من الثورة المصرية، نشر الكاتب / محمد نعيم مقالاً في "مدى مصر" في 18 أكتوبر/ تشرين أول الجاري، تحت عنوان "أشباح يناير التي تنتظر النقد الذاتي والمراجعة"، وأوضح أن المقال جزءً من "كراس عن المشهد المصري الحالي"، وأنه مقدمة لكراسته التي اختار لها أن (تنشغل بالحديث عن النقد الذاتي وصعوباته وشروطه).

قدم نعيم في تلك المقدمة تصورًا منهجيًا لمساءلته لأفكار ومنظمات ووقائع الثورة. مقترحا فيها أسلوبا، وأسئلة، وإطارًا، وترتيبًا معينا. وقدم أُسسا لمنظوراته العامة، بما يكفي لمساءلتها هي نفسها، وتبيُّن إذا ما كانت تقترح نهجا قادرا على توليد معرفة. وإن كانت تلك الأسس قادرة على إنشاء بنية إجابات علمية، يمكن أن تكشف عن مناطق مجهولة أو مسكوت عنها، بما يضيء أمام قوى الثورة إعتامات المشهد.

إلى أي حد مست أسئلته الأمور الهامة في تعثر ودفع المسار الثوري، وغير ذلك مما يمليه فعلا المشهد المصري الحالي؟

بداية؛ ﻻ بد أن يلفت نظرك العنوان "أشباح يناير.." حيث يحيلك تلقائيا، ربما بلا قصد، إلى كتاب جاك دريدا الشهير: "أطياف ماركس". قد يكون ذلك نوعا من التصور أو الوهم بسبب تلك القرابة بين، الأطياف والأشباح. ومن ثم يكون النفاذ إلي المسرح النصي هو القادر على كشف اللعبة، أي النص ذاته، لنرَ هل يحاول نعيم فعلا استعارة دريدا، مستخدما منهج التفكيك في النظر إلى تعقيدات ومسارات وﻻعبين ثورة يناير؟ أم أنها مجرد عملية تقاطع عابرة بين مجازين؟

أطياف ماركس
إن أول ما نلاحظه حول النص أنه مراوغ، ﻻ ينفذ إلى ما يرغب في قوله بسهوله، وربما حتى ﻻ تعرف ما الذي يريد أن يقوله فعلا. هذه سمة تفكيكية أساسية، حيث ﻻ معنى للبحث عن معنى محدد. وحيث تطارد أشباح، ربما عليك أن تصرفها بينما استدعيت لإحضارها. هذا الأسلوب وسم إلى حد كبير كتاب الأطياف لدريدا. إنه يفتش من البداية عن إجابات لأسئلة (إما قُدمت إجابات لها بشكل مبتسر ومخل، أو خُنقت بذخيرة من قنابل الدخان السياسية والإعلامية التي أعمتها وهمَّشتها)، تماما كما كان دريدا يستجوب ماركس، بينما يقرر سلفا أنه ﻻ توجد إجابات نهائية مقبولة، وأن كل الإجابات محل استجواب، وأن تفكيك الإجابة فحسب هو مهمة منهجه.

هاجس أوليّ

(الإجهاز على الإرث الأيديولوجي، ابن عوالم ما بعد هزيمة يونيو 1967)

توقفت عند هذه العبارة في مقال محمد نعيم، ولفتني أن ما استوقفه ليست الناصرية وسلطتها العسكرية، بنت انقلاب 1952، ولا مفاهيم وقيم الستينات ونظامها الاقتصادي، بنت النظام الناصري. وليس أيدلوجيا الشمولية ومصادرة الكل بسم الصالح العام التي أنجبها ذات النظام.

إن النواتج الفكرية والأيدلوجية التي أنجبها وضع ما بعد 1967—في أفضل المقاربات هو— الانتقادات التي وُجِّهَت للسلطة، الشك في مشروعيتها ومشروعها، وانطلاق حركة احتجاجية جديدة بوسم اليسار، والمطالبة بإطلاق الحريات العامة، وكذا الدعوة إلى حرب وطنية وتشكيل جيش شعبي.. تلك هي أطر الأيدلوجيات التي خلقها ظروف ما بعد هزيمة 1967. الأهم من ذلك كله: أنه جرت مياه كثيرة منذ 1967، تجعل هذه الصيحة حربًا ضد أشباح أُخر.

نفهم وجود أسئلة أساسية تتعلق بجذر الموضوع أو أهم ملابساته، أما التأسيس فهو شأن آخر، هو مشروع أو فكرة؛ وليس سؤالا بأي حال.

أسئلة التيه

يقترح نعيم أن تلك الأسئلة التي سيقترحها هو (هي أسئلة طرحتها ثورة يناير المغدورة، سواء كانت أسئلة طرحتها أحداث الثورة أو شعاراتها). أكثر من ذلك فهو يقترح (أسئلة إضافية) يراها أقرب إلى لعنة لحقت بالثورة والثوريين. أشبه بعقاب أنزلته الأشباح بمن أحضرها. فهي ليست ناجمة مباشرة عن سياق وتناقضات الأحداث، أو مشكلات الشعار والواقع، بل هي (أسئلة إضافية فرضتها " النوائب والمصائب" .. الناتجة عن عدم الإجابة عن الأسئلة التأسيسية الأولى).

وبغض النظر عن دلالة مفردات مثل "النوائب والمصائب" التي ستتكرر في المقال ضمن بحث يتعلق بقضايا الثورة واستجوابها، فسنتوقف هنا عند اعتبار أسئلة ما "تأسيسية".

نفهم وجود أسئلة أساسية تتعلق بجذر الموضوع أو أهم ملابساته؛ أما التأسيس فهو شأن آخر، هو مشروع أو فكرة، وليس سؤالا بأي حال. فمثلا ليست مداولات واستجوابات أعضاء الأممية الأولي تأسيسًا، يمكن اعتبارها خطوة "قبل" تأسيسية.. استجلاء يجري بواسطة استجوابات نظرية وسياسية لحقيقة الوضع وشروطه، ممهدًا لخطوة "تأسيسية" تجسدت في بيان الأممية "البيان الشيوعي".

هكذا وفقًا للمقال: تعرضنا لعقاب فرض علينا أسئلة إضافية ذات طابع قدري "مصائب ونوائب"، وذلك لأننا تأخرنا في الإجابة عن الأسئلة الأولي. هذا العقاب سيستمر (طالما استمر إنكار إجابة أسئلة الثورة المركزية بالشكل العميق والصريح والحاسم والمطلوب).

نحن هنا أيضا في لبس: هل إنكار الإجابة- أم التأخر في تقديمها هو ما نُعَاقَب عليه؟

وكيف؟ ووفقا لأي معايير يمكن أن نقيس الإجابات، لنقرر ما إذا كانت بالشكل العميق والصريح والحاسم والمطلوب، أم لا؟ خاصة وأن أغلبها يخضع لتقديرات نسبية ومنظورات سياسية، ليست بالضرورة محل اتفاق من يُستَجوَب.

يقول الكاتب في صيغة جازمة (لا يمكن عزو الأمر للضربات الأمنية والسعار الفاشي الحالي وحسب).. أي أمر يقصده؛ ﻻ نعرف: أهو غياب الأسئلة، أم لعنة تأخر الإجابة، أم النوائب والمصائب؟

يجيب نعيم في لغة هاملتيه (لكل طرف نصيبه من المسؤولية عن مصيره، مهما كان مؤلمًا أو غير عادل).

حسنا.. سنحاول أن نفهم في وقت أخر، ولنمض قدما مع المقال.

لم يذكر المقال أسبابا لاستبعاد الجماهير كليا، دون حتى محاولة استقراء تجربتهم من سياق الأحداث والانعطافات، يستبعد الفاعل الأصلي والهام، دون أن يكلف خاطره أي جهد في مجرد الإطلال عليه.


على من نطرح الأسئلة

لقد رأينا أشباح الأسئلة، حيث ﻻ أسئلة حتى الآن، وهى تحوم حول أزمنة الثورة. الآن تطارد تلك الأشباح بشرا وتستجوبهم. المشكلة هي أن تلك الأسئلة -رغم أنها تحوم فوق أحداث شارك بها الملايين- لكن الاستجواب فيها لا يخضع له كل من شارك في تلك الأحداث.

يشير نعيم إلى أن (عملية المراجعة والنقد الذاتي) التي يدعو إليها، مسألة صعبة، و(من الخفة والتفاهة رهنها بامتلاك الإرادة والشجاعة فقط)، ذلك لأن أسئلة المراجعة والنقد الذاتي لها شرط محدد: (هو امتلاك تجربة تنظيمية وحركية وسياسية جماعية تترتب عليها أفعال وقرارات وانحيازات -وذلك حتى- يطلق صاحب النقد مراجعته منها).

يحدد المقال هنا نوع المُستَجوَبِين: (هم الجماعات المنظمة التي لها تجربة ما، ولها مرجعية ما، وتبنى مواقفها وانحيازاتها على ضوء أفكارها وتجربتها، وتنطلق من تلك الأرضية لنقد ومراجعة تصوراتها).

إنه يستبعد في مقاله شهود وفاعلين يمثلون الأغلبية الساحقة، الجمهور بكليته، والفاعلين الفرديين مهما امتلكوا من وعى أو تجربة.

محمد محمود - تصوير بيشوي فايز

لم يذكر المقال أسبابا لاستبعاد الجماهير كليا، دون حتى محاولة استقراء تجربتهم من سياق الأحداث والانعطافات، يستبعد الفاعل الأصلي والهام، دون أن يكلف خاطره أي جهد في مجرد الإطلال عليه.

إلا أنه ذكر أسبابا في استبعاده للفاعلين الأفراد (إنهم من أحاد الناس، مما يصعِّب بشدة الحديث باسم الجماعة أو التيار أو "الـ نحن").

لأن (في ظل وطأة الهزيمة وثقل آثارها على المستويات العامة أو الخاصة، يمكن للمراجعات الفردية أو الخاصة للنشطاء أو آحاد الثوار، أن تتحول إلى مناسبة لإنكار التجربة بمجملها؛ إما عن طريق إدانة الذات وجلد خياراتها مقابل تقديس التجربة بشكل شبه صوفي، أو العكس: إدانة المجموع والتجربة بالكلية، والنزوع للتطهر الغائي ولإثبات صحة وسلامة موقف الذات في كل محطة دخلها الفرد. أو اعتبار الانخراط في التجربة محض سذاجة ومراهقة من الأصل).

لكنه يقبل المراجعة الفردية إذا كان الفرد داخل تنظيم (حيث يستطيع الفرد تقييم تجربته داخل تنظيمه أو حركته ومراجعة مواقف قياداته، وكذا مراجعة مواقفه هو كقائد). بغض النظر عن عدم وضوح إذا ما كان المقصود: قائد داخل التنظيم، أم أنه قائد جماهيري؟ لا نعلم، ولم يوضح.

فالرواية الرسمية لدى الجماعة المنظمة تظل واحدة بخصوص كل مشهد عبرته الثورة، أما لدى الأفراد – ولو كانوا في تنظيم واحد- ﻻ يمكن أن تكون واحدة، لأنها تتعلق بزوايا مختلفة من المشهد الثوري، سكنها كل فرد أثناء الأحداث.

إنه يستبعد الأفراد بهدف توحيد الرواية عند الجماعات المنظمة.

هنا تُثار أسئلة ضرورية عن "توحيد الرواية" لنعرف المقصود منها. فهل هو يسعى لاستجواب منظمات، حيث الضمير "نحن" وحيث المرجعية والتجربة.. إلخ، ومن ثم يسعى للإجابة الرسمية المعبرة عن "كل أعضاء" الجماعة؟ أم أنه يستجوب أفراد داخل منظمات؟ هذا الأمر أيضا ملتبس في المقال. فالرواية الرسمية لدى الجماعة المنظمة تظل واحدة بخصوص كل مشهد عبرته الثورة، أما لدى الأفراد – ولو كانوا في تنظيم واحد- ﻻ يمكن أن تكون واحدة، لأنها تتعلق بزوايا مختلفة من المشهد الثوري، سكنها كل فرد أثناء الأحداث.

فعلى سبيل المثال يمكن في اليوم الواحد أن يكون فرد من التنظيم في مكان لم يشهد صدامات، والأخر عكسه. انطباع كل منهم عن أحداث اليوم سيكون مختلفا بالضرورة، وكذلك شهادته.

ولو تعلق الأمر بشهادة أفراد لما كان هناك معنى لاستبعاد غير المنظمين، بل قد تكون شهادتهم أكثر أهمية في بعض الأحوال، فضلا عن إغفاله إمكانية وجود أجنحة بتصورات مختلفة داخل التنظيم الواحد.

هل يريد الكاتب راوية أم وجهة نظر تتضمن تقييما ومراجعة؟

إن أشباح المقال تهيم بدون خريطة واضحة.

يقول (يظل مبتغى توحيد الرواية وتعضيد تماسكها هو الوقوف على إجابة أسئلة مثل "ماذا فعلنا؟" و"ماذا فعل الآخرون؟" و"ما الذي كان يمكن فعله ولم نفعله؟"، أو "ما الذي فعلناه ولم يجب فعله؟"، و هذا كله، رغم جوهريته وأهميته السياسية والتكتيكية، إلا أنه يفترض ابتداءً وجود أهداف متناغمة للحراك ومساراته).

نحن إذا أمام شهادة مستجوب عن نفسه:"ماذا فعلنا؟.. إلخ". وشهادته عن مجمل من هم غيره "ماذا فعل الآخرون؟" علما بأنه يستبعد من استجوابه –هنا على الأقل– فاعلين آخرين في منتهى الأهمية في التأثير على الأحداث وفى إنتاج الرواية (روايات الثورة المضادة متنوعة الضلال والانحطاط والجنون، وروايات الإخوان المسلمين المبتور بعضها والمأفون غالبها)

.

لكن الآخرين أيضا بالنسبة لكل جماعة منظمة، يشملون حتى من هم في امتداد معسكرهم العام: اليسار مثلا هل يشمل القوميون؟ الاشتراكيون الثوريون؟ التجمعيون؟... إلخ. هكذا؛ دون مؤشر يقود الشبح، أو إطار محدد لنوع الجماعات المستجوبة.

أشباح التفكيك الآن تحاصر الـ"نحن".. يجب تفكيك كل شيء كي تمرح الأشباح بحرية. حتى المنتمين لتجارب ولجماعات منظمة ممن يمكنهم الشروع في عملية المراجعة مباشرة؛ أصابتهم إحدى اللعنات.

لكن الآخرين أيضا بالنسبة لكل جماعة منظمة، يشملون حتى من هم في امتداد معسكرهم العام: اليسار مثلا هل يشمل القوميون؟ الاشتراكيون الثوريون؟ التجمعيون؟... إلخ. هكذا؛ دون مؤشر يقود الشبح، أو إطار محدد لنوع الجماعات المستجوبة.

نزلت الـ"نحن" إذن إلى مستوى حالة الأفراد. لقد انهالت عليهم لعنة الأسئلة قبل إنشاء الاستجواب (أصابتهم ضربات أيديولوجية وأسئلة وجودية تجعلهم في حال أشبه بحال الأفراد). إنهم مُستدعون بأيدلوجيات معطوبة ومصابة، أسئلة لاحقتهم قبل الاستجواب، ففككت الـ"نحن" إلى أفراد، وإن احتفظت لهم بحالة أفضل قليلا من الأفراد الآخرين.

مرة أخري نحن في التيه

فجأة يقرر شبح الاستجواب أن يكسر عنق كل المستجوبين قبل أن يستجوبهم، بعد الإطاحة بالجماهير، واستبعاد المشاركين الفرديين، يتم تفكيك الـ"نحن" وإعطاب الأيدلوجيات. ولا يكفي ذلك، فأشباح الاستجواب ترغب في المرح، ولا تستطيع الأشباح أن تمرح بين كائنات حية، وأماكن مأهولة بشخوص وأفكار؛ إنها تحتاج إلى خرابات، أو ستمارس هي تحطيم الأبنية والعقائد لتنشئ مسرحا تمرح فيه: (احتاج الأمر لكثير من الوقت والكوارث والنوائب، خلال تجربة الثورة وبعدها، لإدراك انحطاط مصداقية كل مستوى أيديولوجي، ظن الكافة أنه مرجعهم ودليلهم، ولإدراك تضعضُع حدوده، وكان الانكشاف الأيديولوجي للتيارات السياسية المصرية وهشاشة خيالها وتداعي عقيدتها، هو ما جعل من ثورة يناير المرجعَ الأمَّ لتأسيس الانحيازات في السياسة).

هكذا تحولت الجماعات إلى أفراد –بأفضلية ما– ثم تم تعطيب الأيدلوجيات، بعد ذلك تم سحب أو تدمير المصداقية، وسيتم تنصيب الحدث "ثورة يناير" ليحل محل المنهج والأيدلوجيا، كمرجع أساسي في تحديد الانحيازات.

لسنا إذا أمام دعوة تُسائل فيها المناهج والمرجعيات نفسها، وتراجع دورها من منطلق أفكارها؛ لكننا أمام أفراد جُرِّدوا تماما من كل شيء. وكمن ولد فجأة في غمرة الأحداث؛ ستُقِرر له تجربة المشاركة كل ما يتعلق بتوجهاته أو انحيازاته (ثورة يناير المرجِع الأمَّ لتأسيس الانحيازات في السياسة). لاحظ أنه "لتأسيس" وليس "لمراجعة".

ننعطف الآن إلى حركة الأشباح في جولتها التالية.. إنها الآن تصنع نوعا من التحديد، فلا يمكن لشبح أن يمرح وهو يضرب في تيه بلا أي معالم، فتلك ستكون لعنة وليس مرحا. إذا ليبدأ التفكير في: "ما الذي سنراجعه؟" وهو سؤال يدعى إليه المُستجوَبين تحت مطارق أنهم تأخروا، وأنهم محطمين تماما تقريبا أو على وشك ذلك.

(هل نراجع مواقفنا السياسية وتكتيكاتنا الحركية على مقياس انحيازاتنا وثوابتنا الأيديولوجية، أم أن المراجعة، التي تفرض شروطَها قسوةُ الواقع ويعجز عنها الجميع، هي مراجعة لجوهر الانحيازات والثوابت وصدقيتها من الأصل؟).

إننا للمرة الثانية نرقص الرقصة الشبحية التي هدفها خلع كل شيء. إنه تحدٍ ماكر (يعجز عنه الجميع) ومراجعة (لجوهر الانحيازات والثوابت وصدقيتها من الأصل). هل نملك تلك الشجاعة التي يقترحها لمراجعة ما نعتبره ثوابت سواء في الأفكار أو الانحيازات، والشك في صدقيتها، لنتعرى تماما حتى نبدأ الرقص مع الأشباح في حفلتها الصاخبة؟

(ربما يذهب السؤال إلى أبعد من ذلك ليطرح شكوكًا بشأن وجود تلك الثوابت والانحيازات، ما يمنعها من استحقاق اسمها)

يقف العراف على رأس حفلة الأشباح ليمارس قسوة أشد على روح ضحايا أشباحه.. (أجد ذهني ووجداني يطرحان سؤالاً آخر هو: لماذا نراجع أنفسنا أصلًا لو كانت انحيازاتنا وتمثلاتنا الأيديولوجية يشوبها الافتقار للأصالة والصدقية بالشكل الذي تستحق معه مكابدة التأمل).

ثم يعلن: (هناك إجابة قاسية على السؤال الأول، تقول إنه لم يعد هناك ثمة شيء ليراجَع وإن مستوى التشظي والتفكك الأيديولوجي والوهن العقائدي للقوى الموجودة يتجاوز بكثير قدرتها على مراجعة ما كان لديها بالفعل)

(ظني أيضًا أن محك الاختيار لم يكن قسوة عالم ما بعد 30 يونيو 2013، بل كان ثورة يناير 2011 نفسها، والتي وجد الفاعلون السياسيون أنفسهم بعدها في حيرة بين أنساقاهم الأيديولوجية غير المختبرة، وبين جوهر انتماءاتهم الاجتماعية والطبقية التي تصوغ وعيهم الصادق بشأن ما يجرى حولهم وما يترتب عليه من مواقف).

قد تستحق تلك النقطة الأخيرة بعض النقاش. مدى التجانس بين حامل أيدلوجيا، وانتمائه الطبقي. وإن كانت نقطة كلاسيكية أثيرت منذ أكثر من 100 عام، ربما منذ ارتباط دكتور الفلسفة والحقوق ماركس، ونجل رجل الأعمال فريدريك انجلز بالفكر الاشتراكي. ومن ثم ﻻ معنى لإثارتها مجددا الآن، إلا ربما في حالات خاصة بأفراد محددين لم يحسموا أمر انحيازهم حسمًا فعليا.

غير أنه من المؤكد أن أسئلة ثورة هي أمر أعقد من هذا بكثير: إن الأشباح تمارس فحسب قدر أكبر من التفكيك، حتى ﻻ يبقى حجر على حجر، وﻻ كيان في الكيان، وﻻ أيدلوجيا أو انحياز أيدلوجي. إنه صخب الحفلة الشبحية ﻻ غير.

حتى الآن ﻻ تقودنا الأشباح إلا إلى الفراغ، وحين اقتربت من ضرورة التجسد؛ قدمت جملة من الملاحظات البسيطة والأولية والمتداولة.

(أصحاب تصورات ليبرالية يسحقون قيم حرية الفرد والسوق والاختيار، وقوميين عربًا ينحازون لعملاء الإمبريالية ولأصدقاء إسرائيل، ويؤيدون بعنف محطمي الوجود والأقطار العربية من بابه، ووجدنا ماركسيين يعطلون أسئلة العدالة الاجتماعية والحرية لصالح الأمن والاستقرار وبقاء دولة يتصورنها مدنية بينما هي دولة دينية معاصرة، ووجدنا بالطبع إسلاميين يتماهون بانتهازية مع كل معنى وفكرة، بغية الوصول إلى سلطة لا يعرفون تحديدًا ماذا يريدون منها وفقًا لمازورة صبرهم الإسلامي الطويل).

وهي ملاحظات وليست أسئلة أو استجوابات، إلا أنها تدور على هامش الحدث، تطرح النتائج المرئية؛ لا القضايا الأكثر عمقا. تنقد انحرافات اليسار "الجزء المنحرف منه" وكأنه كل اليسار، والإسلامين وكأنهم الإخوان فحسب. وتندهش من تصرفات الليبراليين المصريين في سنوات 2011 وما بعدها، وكأن بينهم فولتير أو جاك روسو.

تلك الممارسات (كشفت وأطاحت بأسئلة الحُلي الأيديولوجية التي تعطى لأصحابها صورة وميزة المثقفين وأصحاب الحيثيات الأدبية في بلد جهول).

العراف ﻻ يطلق أشباحه باتجاه المُستَجوَبين.. إنه في الحقيقة لا يستجوب؛ بل يُجرِّد.. يشكك في كل الأيدلوجيات دون أن يقترب من أي أيدلوجيا فعلية، ويعلن من علياء عالمه أننا "في بلد جهول".

وقبل أن ينصرف عن حالة التجسد – التي لم تسفر عمليا سوي عن ملاحظات عادية ومرتبكة، يقترح إجابة أخيرة: (إجابة أخرى وأكثر عملية، وإن سكنتها معاني الذلة والهزيمة المضاعفة، وهى أن عملية المراجعة، إن لم تأت بإرادة أصحاب المشروع السياسي المهزوم لتجاوز عثراته نظرًا لتضعضعه وانتفاء معناه، فهي قد تأتى كنتيجة لقيام السلطة السياسية والأمنية بفتح نافذة ضيقة للحوار قد تؤدى إلى حلحلة عقلانية للوضع، لتخفيف القبضة وتحسين شروط القمع، وإن عملية المراجعة هي جزء من استحقاقات هذا القرار وشرط له. بمعنى آخر فإن الكرة في ملعب السلطة، وليست في ملعب المعارضة المحطمة).

"ستفتح السلطة نافذة حوار قد تؤدي لحلحلة عقلانية للوضع"

فيما يبدو أنه -فيما يري الكاتب– ستقود السلطة عملية المراجعة الأيدلوجية والانحيازات، ورغم أنه يعتصم بيناير كأساس للمراجعة والتحديد؛ فإن السلطة قد تفتح "نافذة ضيقة للحوار قد تؤدى إلى حلحلة عقلانية للوضع".. ولن نسأل كيف أو لماذا تهتم السلطة– بإيجاد "حلحلة عقلانية للوضع"، الأمر الذي سيضعها هي ابتداء موضع مساءلة، ما يجعله وضعًا غير عقلاني ومحل شك، رغم أنها تنتقم ومسيطرة وتعاقب .. إلخ.

يري الكاتب أن ذلك سيكون بهدف- (تخفيف القبضة وتحسين شروط القمع) نحن سنقف أمام تلك العبارة "تحسين شروط القمع" كمن يقف أمام طلسم قديم.. إنه يري أن قمع مصحوب بحوار تفرضه السلطة، هو قمع مُحَسَّن. لن نتوقف كثيرا هنا، فهو يضيف (إن عملية المراجعة هي جزء من استحقاقات هذا القرار وشرط له. بمعنى آخر فإن الكرة في ملعب السلطة، وليست في ملعب المعارضة المحطمة).

يبدو أن مخيلة العراف استدعت حال الجماعات الإسلامية في سجون مبارك في التسعينات، حيث فرضت الدولة فعلا عليهم القيام بمراجعات فكرية، وحسنت شروط حياة المراجعين "داخل السجون". كانت الكرة فعلا في ملعب السلطة، لكن لم تكن نافذة ضيقة، بل كانت بوسع ساحات السجون، وأحيانا الإعلام. ولم يحدث أن خفت القبضة الأمنية بسببها. ولكن ما وجه المقارنة بين أوضاع التسعينات، ومجمل سياق ثورة يناير؟ من أين اشتق خيال العراف تلك النبوءة السياسية في ظل ديكتاتورية عسكرية سافرة، ﻻ يرغب رمزها الأعلى في سماع صوت أحد سواه، ولو كان عضوا فى سلطته؟

بعد أن أجهزت الأشباح على كل الفاعلين – جمهورا وأفرادا وجماعات وأيدلوجيات وبنى تنظيمية، ﻻ يتبقى لنا سوي الحدث مجردا " ثورة يناير" الذي اعتصم به العراف باعتباره - المرجعَ الأمَّ لتأسيس الانحيازات في السياسة- بغض النظر عن مشكلة الصياغة ومدلولاتها.

الأشباح ترغب في التجول الحر، في التحرر التام من التنظيم والأيدلوجية والانحيازات المسبقة والجمهور، ومن ثم فالحدث يقيدها بصورة ما. إنها تطالب العراف بإطلاقها صوب الحدث/الثورة.. وتحمل معولها لفكه وهدمه هو الآخر، وليس أمام العراف التفكيكي سوى الاستجابة لأشباحه.

هكذا يتلو نبؤته التالية: يناير نفسها تحتاج لمراجعة!

إن نقطة انطلاقه الأولي صارت هدفا لأشباح هدمه الآن، قد يكون صحيحا أن (يناير نفسها تحتاج لمراجعة) إذا كان ذلك بهدف فهم أعمق لمسارها، مشكلاتها وعقباتها، تناقضاتها، واستخلاص دروسها السياسية والاجتماعية. لكن ليس ذلك ما ترغبه أشباح التفكيك؛ إنها تقدم أولا مدخلا مراوغًا (لكون يناير بتداعياتها أصبحت من وجهة نظري هي المرجع التأسيسي للسياسة والاجتماع في مصر)

وهو قول في منتهى الإرباك، إن نظرنا إليه من وجهة نظر علمي الاجتماع أو السياسة، كأن نيزكا سقط على الكرة الأرضية أعاد رسم قوانين الطبيعة فيها، وليست ثورة سبقتها ثورات تشبهها من النواحي الجوهرية في أغلب معطياتها. وبدلا من أن تقوم العلوم بتطبيق واختبار مفاهيمها على حدث الثورة، ستُحوِّل الحدث إلى مرجع "فوق علمي" لتأسيس تلك العلوم؟

التأصيل الفلسفي المقترح ﻻ يحدث في لحظة الثورة. الثورة تطبق برامج ولا تقعد لتنظير الأمر وفلسفته. والمنطقي والعملي أن قضية تلح على جمهورها تكون قد تعرضت لنقاشات وتأصيل قبل أن تقترب من التطبيق بسنوات عديدة.

وذلك لأن يناير –كما يري– طرحت فيوضا من الأسئلة مثل: (أسئلة كعلاقة الحرية بالأمن وتناقضاتها، وحدود تصورات الحرية كجوهر وممارسة، ومَنْ الجدير بها، أو أسئلة الملكية وعلاقاتها وتوزيع الثروة. تلك التي قُتلت بالصمت أو بالضجيج، أو أسئلة الفجوات الجهوية وآثارها على الاجتماع العام، أو أسئلة عما يريد هذا المجتمع من نسائه غير ملاحقتهن بالإدانة، أو أسئلة الفساد وحدود محاربته، وبالطبع أسئلة مواقع الدين والجيش الملتبسة داخل الدولة، وفى أذهان الناس أيضًا. كل ما سبق كان بعضًا من أسئلة طرحتها يناير بإلحاح شديد الوطأة، يختلف عن أي طرح سابق لها في زمن آخر، و كان طرحًا يتطلب إجابة حاسمة كمرشد ودليل عمل، ويتطلب أيضًا، وبنفس القدر، تأصيلًا فلسفيًا يتجاوز البرامجية السياسية).

يبدو أن العراف يلعب علي ضعف ذاكرة الجمهور، فكل الأسئلة التي اقترحها كمثال قد قتلت بحثا ونقاشا قبل "يناير 2011" ربما بعقدين على أقل تقدير، وطبعا في سياق ثورة تكون ذات الأسئلة أكثر إلحاحا لأنها اقرب إلى التجسد في مؤسسات أو قوانين، هذا أمر أقل من بديهي في كل الثورات. وﻻ يعنى أنها كانت أسئلة غائبة أو أن جوهرها اختلف.

شاب المدرعة  - تصوير طارق وجيه 

إلا أن التأصيل الفلسفي المقترح ﻻ يحدث في لحظة الثورة. الثورة تطبق برامج ولا تقعد لتنظير الأمر وفلسفته. والمنطقي والعملي أن قضية تلح على جمهورها تكون قد تعرضت لنقاشات وتأصيل قبل أن تقترب من التطبيق بسنوات عديدة. ناهيك هنا عن أن الأسئلة طرحت بقدر ملحوظ من التبسيط أو السطحية: (ماذا يريد المجتمع من نسائه غير ملاحقتهن بالإدانة، أو الفساد وحدود محاربته).

بالنظر إلى الثورة/الحدث/المرجع المؤسس فهي (تجربة فتية مبتورة كانت بمثابة الحجر الذي هوى من أعلى على معابد الطين الآسن، ولكنها كانت هي الأخرى حجر طفل من طين، ما أن وقع في النهر حتى بدأ في الذوبان.. حطمت ثورة يناير القديمَ، وكشفت حقيقة كونه فراغًا تافهًا، ثم ما لبثت هي نفسها أن أصبحت فراغًا). طبعا بعد أن تم هدم الفاعلين والأفكار والتنظيمات والأيدلوجيات، وكل ذلك بسم الثورة. وفي الطريق تم تفكيك وتحطيم الثورة نفسها وتحويلها إلى فراغ، أو حجر طفلي ذاب وتحلل في الماء.

تبقي ملاحظتان هامتان؛ الأولى: أن المقال موجه إلى قوى الثورة، وفي ذات الوقت إلى الدولة التي تقع في حكم الثورة المضادة فعليا، دون تباين أو تمايز. كحكيم للأمة يظهر العراف، يخاطب الجميع.. كل التيارات والتنظيمات، يستبعد من شاء خوفا من اختلال روايته. ويطرح الأسئلة الشبحية على الجميع، ثورة ودولة معا: (التحقق في أسئلة يناير التي طُرحت كأساس لتأسيس جديد، والسعي لإجابتها، وفى هذا الصدد فالكل متساو بين ثورة ودولة، لأن أسئلة يناير طرحها الواقع على الجميع بحد سواء) هكذا الكل متساو أمام حكمته ومحكمته.

إنها الأسئلة ذاتها.. طرحها الواقع على الجميع على حد سواء. فهل نسجد شكرا أم نقول آمين؟

الملاحظة الثانية: هي اعتذار لدريدا وكل منظرين التفكيكية، الذين كانوا انعكاسا حقيقيا لأزمة مست الحداثة الرأسمالية، وعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي كان يتفكك بصورة متسارعة. وقد عبروا عن حيرة منهجية في كتاباتهم. كانت "أطياف ماركس" تضطر لملامسة اللحم والأسئلة العميقة، وحاولت بالفعل أن تهدم الأيدلوجيات. لم تنجح في المحاولة العملية فانصرفت بعدما لاقته من نقد، وتركت مسرح التاريخ لفاعلين يستكملون تجربتهم.

لكن الأشباح التي نراها هنا علت حتى لامست السماء، ومن ثم قدمت"من أعلى" تعميما ميتافيزيقيا للأيدلوجيات، دون أن تجرؤ على الاقتراب من مكونات أيا منها. بالغت في التفكيك دون أن تفكك شيئا واحد، لأنها لم تمس لحم حي واحد، سواء تنظيمي أو أيدلوجي، أهدرت كل ما حولها في التاريخ وفى الواقع، وتبقت لها حفلتها الخاصة، تمرح فيها مع نفسها.


* جميع الجمل بين قوسين مقتطفه من مقال نعيم.