فتحي قورة وقصة المونولوج

المذيع: لما بتسمع الراديو بتحس ان فيه أغاني كتيرة ممكن يتقال عليها مونولوجات؟

فتحي قورة: دا بقى يرجع إلى مقدمة المذيع، إذا المذيع قال أغنية تبقى أغنية، إذا قال مونولوج تبقى مونولوج.

هل فن المونولوج الفكاهي أو الساخر اختفى؟ هذا هو السؤال الذي تم طرحه على الشاعر الغنائي الكبير فتحي قورة في حديث إذاعي في السبعينيات من القرن العشرين، ولكن قبل أن نعرف إجابته يجب أولًا أن نفرق بين المونولوج الفكاهي أو الساخر والمونولوجات الغنائية.

المونولوج في الأصل كلمة لاتينية تعني "أداء أو خطاب منفرد"، ويمكن وصفه بالحديث الذاتي حيث يشرح المُغَنِّي حالته النفسية والأفكار التي تراوده في الأغنية، وظهر في الموسيقى العربية عام 1920 على يد سيد درويش بمونولوج "والله تستاهل يا قلبي"، مقتبسًا النوع من الأوبرا الإيطالية وأداء "الآريا" إذ يقف المغني الأوبرالي ليصف شعوره إلى الجمهور، وهو نفس ما نلاحظه في المونولوج المصري، الذي جاء مخالفًا لطبيعة الأغاني المصرية في تلك الفترة التي كانت تنحصر في "الأدوار" و"الطقاطيق" الغنائية، فجاء معتمدًا على عدم تقسيم الأغنية إلى مذهب ومقاطع مختلفة، وبذلك التكوين جاءت صعوبته التلحينية حيث كان واجبًا على الملحن أن يصنع لحنًا متماسكًا بدون تكرارات وبدون عودة إلى لازمة موسيقية معينة، وبدون هنك ورنك (أي تبادل الغناء والمقامات بين المغني والبطانة وهو ما تميزت به الأدوار) ورغم صعوبته التلحينية إلا أن فن المونولوج شهد ازدهارًا كبيرًا، بعدما قام الملحنين الكبار بتلحينه ومن أشهر هذه المونولوجات "إن كنت اسامح وانسى الأسية" لأم كلثوم عام 1928 من لحن محمد القصبجي والذي حقق نجاحًا تجاريًا كبيرًا.

في المقابل ظهرت في الثلاثينيات المونولوجات الفكاهية التي تعتمد على اللحن السريع، وعلى تكرار المذهب الأساسي بعد كل كوبليه، مما يجعلها أشبه بـالطقاطيق، التي كان يظهر بها بعض الأنغام داخل اللحن الأساسي للمقام، بدون اختلافات مقامية واضحة ورد بين المذهبجية والمغني مثل الأدوار، أو الاعتماد على عدم التكرار مثل المونولوج.

ولذلك جاء رد فتحي قورة مؤكدًا أن المونولوج لم يختف، بالعكس الذي اختفى هو الأغنية، وأضاف أن الأغنيات الحالية تعتمد فقط على ما يقوله المذيع هل هي أغنية أم مونولوج، لأن الأغاني الحالية تعتمد على اللحن السريع والأداء المونولوجستي الذي يعتمد على الفكاهة، مما يجعلها مجرد مونولوجات فكاهية متطورة، لم تصل إلى جودة المونولوجات العاطفية، رغم استخدامها لكلمات عاطفية.

ويدلل الشاعر الذي ألف كلمات أكثر من 6000 أغنية على كلامه بقدرته على كتابة العديد من المونولوجات الترفيهية "المقلوبة" على نفس وزن الأغاني العاطفية الحالية، بما فيها أغانيه شخصيًا، إذ أنه كتب بعضها للأفلام والبعض الآخر في برنامج بالإذاعة بعنوان "أغاني مقلوبة".

أعاد الإذاعي إبراهيم حفني اكتشاف تلك الأغاني من أرشيف الإذاعة المصرية، وعرضها في برنامج "أغنية مشهورة" على إذاعة الأغاني في رمضان عام 2008، وسجلها الدكتور حسن* ورفعها على منتدى "سماعي"، وتعرض المنصة عشرة مونولوجات منها، في محاولة لتوضيح معنى المونولوج الفكاهي، ومحاولة لإلقاء الضوء على "فتحي قورة" الذي لم يلق التكريم الذي يستحقه حتى الآن، رغم شهرة أغانيه، واستمرارها في الوجدان المصري حتى الآن، فهو مؤلف أغنية النجاح الأولى في مصر "وحياة قلبي وأفراحه" وأغنية الأفراح الأولى "دقوا المزاهر"، وهو أيضًا مؤلف الأغنية التي عادت للظهور مرة أخرى مؤخرًا "حبك شمعة وقلبي فانوس" لشكوكو بعد استخدامها في مسلسل أفراح القبة.

من الجدير بالذكر أن الشاعر فتحي قورة ولد في الشرقية عام 1919، وجاء إلى القاهرة ليعمل في عدة مجلات ساخرة منها "البعكوكة" وغيرها من المجلات، وبدأ إنتاجه في كتابة الأغنيات للأفلام مع المنتجتين ماري عز الدين وآسيا، ومن أشهر أغاني الأفلام غير الساخرة التي قام بتأليفها، أغنيات مثل "مال القمر ماله" لمحمد فوزي و"قلبي ومفتاحه" لفريد الأطرش، وقام أيضًا بكتابة أغنيات عاطفية كانت وما زالت من أكثر أسباب شهرة مغنييها مثل "ودع هواك" و"مابيسألش عليا أبدًا" لمحمد عبد المطلب، و"أمانة ياليل" لكارم محمود، و"إنشالله ماعدمك" لمحمد قنديل، و"على الحلوة والمرة" لعبد الغني السيد.

وارتبط اسمه بالعديد من الملحنين مثل محمود الشريف ولكن رفيقه المقرب كان منير مراد، الذي قام بتلحين المئات من الأغاني التي قام بتأليفها فتحي قورة، كما شاركه في مسيرة المونولوجات الفكاهية والاستعراضات الغنائية والتي نذكر منها "اسكتش الكورة" و"اسكتش ماحدش شاف" لمنير مراد، و"مين يقدر على قلبي" لليلى مراد.

عانى الشاعر فتحي قورة من مرض بعينيه في أواخر حياته وهو ما دفع أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب للمطالبة بعلاجه على نفقة الدولة، وهو ما تم لكن بعد فترة طويلة، فقد فيها الفنان بصره، ليقضي أواخر حياته كفيفًا، وفي عام 1977 يرحل الشاعر الذي وصفه الكاتب الكبير يحيى حقي بـ "بهلوان الوزن والقافية".

ونستمع عبر التسجيل التالي، للحوار الإذاعي المذكور في بداية الموضوع حول الأغنية والمونولوج ثم ننتقل في جولة عبر هذه الأغنيات المقلوبة:

حوار فتحي قورة عن فن المونولوج


عشر أغنيات مقلوبة لفتحي قورة

1 - الأغنية الأصلية: تراعيني قيراط، من تأليف حسين السيد وألحان وغناء محمد عبد الوهاب. والأغنية المقلوبة غناها فريد شوقي ويقول فيها "تراعيني قيراط أراعيك قيراطين، تلهفني قلم الهفك اتنين".


2 – الأغنية الأصلية: "اسأل مرة عليا" من تأليف علي السوهاجي وألحان سيد مكاوي وغناها محمد عبد المطلب. والأغنية المقلوبة: "اعزم مرة عليا قوللي طابخين إيه" وغناها سيد الملاح.


3 – الأغنية الأصلية: "أنا عندي مشكلة" من كلمات حسين السيد وألحان بليغ حمدي وغناء شادية. والأغنية المقلوبة: "أنا عندي الكلى وحياتي مفشكلة" غناء "رفيعة هانم" من برنامج ساعة لقلبك


4 - الأغنية الأصلية: "جفنه علم الغزل" من كلمات بشارة الخوري وألحان وغناء محمد عبد الوهاب. والأغنية المقلوبة: "كلته وقت ما وصل" غناء يوسف عوف.


5 - الأغنية الأصلية: "خي خي" من كلمات حسين السيد وألحان وغناء محمد عبد الوهاب. والأغنية المقلوبة: "أي أي" غناء عبد المنعم مدبولي.


6 - الأغنية الأصلية: "سيرة الحب" من كلمات مرسي جميل عزيز وألحان سيد مكاوي وغناء أم كلثوم. والأغنية المقلوبة: "طول عمري بحب البرد" غناء فيروز الصغيرة.


7 - الأغنية الأصلية: "قول لي حاجة" من كلمات حسين السيد وألحان محمد الموجي وغناء عبد الحليم حافظ. والأغنية المقلوبة: "شوف لي حاجة أي حاجة هات ماتستخسرش حاجة" غناء شكوكو.


8 - الأغنية الأصلية: "فلاح كان فايت بيغني" من كلمات حسين السيد وألحان منير مراد وغناء شريفة فاضل. والأغنية المقلوبة: "سفاح كان فايت بيغني" غناء جمالات زايد.


9 - الأغنية الأصلية: "حكيم عيون" من كلمات حسين السيد وألحان وغناء محمد الوهاب بمشاركة راقية إبراهيم. والأغنية المقلوبة: "حكيم بطون" غناء كمال الشناوي وعايدة هلال.


10 - الأغنية الأصلية: "خطابك كتير" من كلمات فتحي قورة وألحان منير مراد وغناء شادية. والأغنية المقلوبة: "خطابك كتير وقالولي ده جواز ولا بيع وشكولي" غناء وداد حمدي


ويمكنكم الاستماع إلى المزيد من الأغاني المقلوبة عبر البلاي ليست التالية:


*أذَن لنا الدكتور حسن مشكورًا بإعادة استخدام الأغاني التي سجلها ورفعها على منتدى سماعي.