ميسي كشف عيوبنا ورحل

حين سأل عمرو أديب سؤالا طويلًا عريضًا لحاكم دبي محمد بن راشد، على هامش مؤتمر الحكومات قبل شهر واحد فقط، حول مدى ارتباط تقدم الدول بالثروات والنفط، رد عليه قائلًا : "الدول الغنية ليست هي التي تتقدم فقط، وعندي مثال لدولة كانت فقيرة وأصبح اقتصادها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وهي دولة الصين، وهناك أيضا اليابان وكوريا ليس لديهم نفط، ومع ذلك حققوا تقدمًا كبيرا فالنجاح له أرقام كبيرة والفشل له رقم واحد".

إذًا، فالمشكلة ليست مشكلة ثروات أو نفط أو حتى عدد السكان، وإنما في السلوك والتوجه، وهو ما يعيقنا في مصر عن تحقيق النجاح والتقدم. وأدللُ على ذلك بما حدث خلال زيارة النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي قبل أيام.


ورغم أن الزيارة كان غرضها الأساسي الترويج لعلاج مرضى فيروس سي، إلا أنها كشفت أننا كمصريين في حاجة ماسة إلى العلاج من أمراض أخرى أشد وأكثر خطورة، أمراض سلوكية بالأساس ولعلاجها لا بد لها من التشخيص الصحيح والاعتراف بها أولاً ثم البدء في معالجتها، أما دفن الرؤوس في الرمال فلن يجدي نفعاً بل سيقودنا إلى مزيد من التأخر والفشل.

وقبل البدء في الحديث عن تلك الأمراض التي كشفها ميسي في زيارته، لا بد من الإشادة بالفكرة في حد ذاتها، فقيام إحدى شركات الدواء بالتعاقد مع نجم عالمي بحجم ليونيل، وقيامها بتمويل الحدث مع بعض الشركات المصرية الأخرى في الحقيقة هو شيء يستحق منا كل التقدير والاحترام بل والتشجيع أيضاً لأنه سيعكس صورة جيدة لمصر أمام العالم كدولة آمنة، مستقرة، قادرة على توفير العلاج وتوفير خدمة سياحية ممتازة.

إلى هنا قد تبدو الأمور جيدة، ولكن غير الجيد ما هو آت، ولعل تواجدي كأحد الضيوف في حفل استقبال ميسي قد سمح لي بقراءة المشهد عن قرب، فالاحتفال والاحتفاء بميسي الذي تزامن مع لحظات وصوله أو حتى قبل الوصول، سرعان ما انقلب مع ختام الزيارة إلى انتقاد لاذع وصل لحد السباب للاعب برشلونة الإسباني، واتهامه بالتكبر والتعالي تارة ووصفه بأنه "عميل الصهاينة" تارة أخرى، وفي الحقيقة لا يعنيني ميسي ولا تصنيفه، ولكن ما يعنيني حقًا هو سلوكنا نحن كمصريين والذي يحتاج إلى كثير من المراجعة.

فميسي وخلال زيارته القصيرة التي لم تستغرق إلا 6 ساعات كشف عن بعض الأمراض السلوكية التي تعاني منها الشخصية المصرية، والتي قد تفسر إلى حد ما بعض أسباب الفشل والتأخر الذي نعاني منه في السنوات الأخيرة، وهو ما استعرضه في المشاهد الأربعة التالية:

المشهد الأول: نقض العهود

مبدئياً، كان واضحاً أن ميسي وفريقه لديهم فكرة مسبقة غير جيدة عن المصريين والتزامهم بشكل عام وعمرو أديب بشكل خاص، وهي الفكرة التي تأصلت بعد المشهد الأول.

فحين أتم ميسي الاتفاق على القدوم إلى مصر ضمن حملة " تور آند كيور "، كان الاتفاق أن يتم بث فعاليات الزيارة بشكل مسجل وليس على الهواء مباشرة، وذلك من أجل مراجعة المحتوى من قبل الفريق المختص بذلك قبل إعطاء الضوء الأخضر للإذاعة.

إلا أن ميسي فوجيء بأن الفعاليات سيتم إذاعتها على الهواء مباشرة، وهو ما رفضه بشكل قاطع خاصة فيما يخص الحوار الذي كان من المفترض أن يجريه مع أديب.

فللأسف الشديد الجانب المصري نقض العهد، وهو ما يعطي صورة سيئة للغاية عن السلوك المصري.

ميسي خلال زيارته لمصر

المشهد الثاني: الفهلوة

تم إقناع ميسي وفريقه أخيراً بأن الحوار سيتم إذاعته مسجلاً كما كان متفقاً عليه، وفي نفس الوقت أراد الجانب المصري أن يخدع ميسي مستخدما سلاح " الفهلوة "، فلم يُقدم على إذاعة الحوار على الهواء على قناتي On Sports و On E، ولكنه قام بالإذاعة على الهواء مباشرة على ON Live، ومن كان يتابعها بالتأكيد اكتشف ذلك الأمر، لكنّ غالبية المشاهدين كانوا يتابعون ON E.

بالطبع تلقى الفريق المرافق لميسي اتصالات خارجية من إسبانيا تفيد بالإذاعة المباشرة، وهو ما دعاهم لإيقاف التصوير وقطع البث، لينسحب ميسي وتبدأ مشكلة كبيرة بين الجانبين بسبب خداع الجانب المصري لميسي وفريقه.

المشهد الثالث: التسول

للأسف الشديد فكرة التسول ليست مقتصرة فقط على الفقراء والمهمشين والذين قد يضايقونك وأنت تقود سيارتك، أو أثناء تجولك ببعض الطرقات والميادين، وإنما بات التسول فكرة وسلوك لدى قطاع كبير، يستخدمونه بطرق مختلفة كلما احتاجوا لذلك.

فبعد عودة ميسي لإجراء الحوار، وقبل الختام فوجيء بطلب غريب جداً من عمرو أديب.

طالب أديب ميسي بأن يقول " أنا أحب مصر " بالإنجليزية لكي يراه العالم وهو يقول ذلك، في مشهد مؤسف لا يقلل من عمرو أديب نفسه، وإنما من مصر كدولة كبيرة لها تاريخ عظيم، وكان من الممكن أن يحصل أديب على ما يريد بطريقة مختلفة وأفضل إذا ما سأله "هل أحببت مصر أو هل أعجبتك مصر " على سبيل المثال لا الحصر.

الغريب أن ميسي قالها بالفعل باللغة الإسبانية " Amo Egipto "، ليعيد عمرو طلبها مرة أخرى باللغة الإنجليزية !!

ميسي رفض تكرار الجملة بالإنجليزية وهو حقه بالمناسبة، ولا يمكن إجباره على حب مصر أو كرهها، والخطأ علينا نحن بكل أسف.


المشهد الرابع: الهرجلة

"الهرجلة" أو غياب التنظيم منتشر بين أوساط المصريين جميعاً، حتى بين كبار المسؤولين في الدولة. وأعتقد أن المشهد الرابع تابعه كثيرون على الشاشات. فحين كنت في قاعة استقبال ميسي، كانت القاعة تعج بالمدعوين، كانت أشبه بالفرح الشعبي. كثير من الحاضرين لم يجدوا أماكن للجلوس داخل القاعة. وهناك من قرر اصطحاب أطفاله معه ليروا ميسي عن قرب، فكانت النتيجة المنطقية رفض النجم الأرجنتيني النزول للقاعة في ظل هذا المشهد العبثي.

وفي نهاية الأمر وبعد عدة محاولات نزل ميسي إلى القاعة دون أن يلقي كلمته التي كانت مقررة ضمن البرنامج ويرحل بعدها سريعاً إلى بلاده.

..بالطبع نحن كمصريين لدينا الكثير من الصفات الحميدة.. لا يضاهينا أحد في "الجدعنة" و"الشهامة" وغيرها من الصفات، ولكن إذا دفنّا رؤوسنا في الرمال وتجاهلنا عيوبنا ومشاكلنا فلن نتقدم أبداً، خصوصاً وأن تلك المواقف حدثت في وقت قليل للغاية، وأتساءلُ كثيرًا: ماذا كان سيحدث لو كانت مدة الزيارة 6 أيام وليس 6 ساعات فقط؟