دينيس بيركامب

هكذا ابتكر "بيركامب" التسجيل بالدوران

"هذا هدف لا يُصدق. لا نرى مثله إلا قليلًا" قال الفرنسي آرسين فينجر المدير الفني لآرسنال الإنجليزي تلك الجملة في الثاني من مارس/آذار عام 2002، حين سجل لاعبه الهولندي دينيس بيركامب هدفًا في شباك نيوكاسل بالدوري. واليوم، وبعد مرور 15 عامًا على المباراة، تبدو جملة المدرب الفرنسي كحقيقة لا تقبل الجدال إذ أننا لم نرَ، حتى يومنا هذا، شبيهًا لهذا الهدف.

كانت المنافسة في هذه الفترة من موسم (2001-2002) محتدمة بين آرسنال ونيوكاسل ومانشستر يونايتد وليفربول. سافر المدفعجية إلى الشمال الشرقي من البلاد لمواجهة نيوكاسل على ملعبه "سانت جيمس بارك" في واحدة من المباريات التي ستحسم بشكل واضح شكل المنافسة على لقب البريميرليج.

قبل 3 أشهر فقط من المباراة، التقى الفريقان في الدور الأول، وتعرض آرسنال لهزيمة قاسية على ملعبه بنتيجة (3-1). وحين حانت الفرصة للثأر كانت صفوف المدفعجية منقوصة بشكل واضح. الإصابة حرمتهم من 11 لاعبًا على رأسهم تيري هنري هداف آرسنال.


إضافة إلى ذلك، كان الفريق يعاني من إجهاد، حيث خاض مواجهة أوروبية قوية أمام باير ليفركوزن قبل مباراة نيوكاسل بأيام قليلة.

في غياب تيري هنري كانت التعليمات واضحة لمدافعي نيوكاسل.. "ممنوع دخول بيركامب لمنطقة الجزاء". تعرض الهولندي الأشقر الذي تجاوز 32 عامًا لرقابة لصيقة وقوية كلما اقترب من دفاعات الماكبيس. اليوناني نيكوس دابيزاس حرّم عليه دخول منطقة الجزاء أو حتى التواجد أمامها بمسافة قليلة. ما زال الهدف الخادع الذي سجله لاعب آرسنال قبل أيام في مرمى ليفركوزن حاضرًا في الأذهان.


كان الفريق اللندني في حاجة إلى خدمات هنري. بيركامب وحيد في المقدمة. يتحرك في مساحته المفضلة أمام منطقة جزاء الخصم ويتراجع لمنتصف الملعب ولا يجد العون الكافي.

في الدقيقة 11، قطع باتريك فييرا الكرة في منتصف ملعب آرسنال. مررها لبيركامب عند دائرة المنتصف، نظر الهولندي إلى أقصى اليسار وأرسل الكرة صوب روبرت بيريس ثم انطلق مسرعًا إلى منطقة الجزاء، عازمًا هذه المرة على اختراق الحصون والدفاعات.

يقول بيركامب في مذكراته الشخصية "السكون والسرعة": "انتظرتُ أن يمرر بيريس الكرة أمامي لكنها جاءت خلفي. لم أتوقع هذه التمريرة، فكرتُ، كيف ساتجاوز المدافعين؟".

عدّل بيركامب وضعيته، ظهره الآن للمرمى ويحول بينهما المدافع اليوناني الصلب، أمّا الكرة فكانت في طريقها إليه من أقصى الطرف الأيسر. في تلك الحالة كان بديهي أن يتسلم دينيس الكرة ويحاول تمريرها للاعب آخر يواجه المرمى، أو أن يحاول الركض بها إلى طرف الملعب ثم يراوغ لكن القرار كان مختلفًا.

يضيف بيركامب: "المدافع كان يتجه نحوي، والتمريرة كانت قوية. اتخذت قراري قبل أن تصلني الكرة بنحو 10 ياردات، سأقوم بالدوران حوله".

والمراوغة بالدوران حول الخصم غير شائعة في كرة القدم، ويمكن القول إنها حتى تاريخ هذه المباراة لم تكن معروفة. فهى لا تستند فقط على اندفاع المنافس بشكل يجعل تمرير الكرة ثم تسلمها من خلفه أمرًا يسيرًا، لكنها تقوم أيضًا على تحرك اللاعب في اتجاه معاكس للخصم في نفس وقت اندفاعه.

ماذا فعل بيركامب؟

في هذه الوضعية، يبدو الدوران حول اللاعب شبه مستحيل. كانت الكرة في طريقها إلى القدم اليمنى للاعب الهولندي، واستخدامها في هذا الموقف هو الحل الأسهل لأنها الأقرب للاتجاه الذي ينوي بيركامب الذهاب إليه بعد الاستدارة، لكنه وكما اتخذ قرارًا غير مسبوق، قرر أيضًا أن ينفذه بطريقة خاصة للغاية.

قام بيركامب أولاً بحجب الرؤية عن مدافع نيوكاسل، وقف أمامه قليلاً حتى لا يرى الكرة. ثم لمسها الهولندي بقدمه اليسرى وهو اختيار صعب وغير مضمون وغير متوقع أيضًا في تلك الحالة ومررها يمين المدافع، ثم انطلق هو لليسار.

للحظات لم يستوعب نيكوس دابيزاس ما حدث. همّ بالتوجه يسارًا حيثُ تحرك بيركامب لكنه فؤجي بالكرة تتجه إلي اليمين، وحين حاول الذهاب إليها اكتشف أمرًا آخر.

بيركامب لحظة الدوران حول لاعب نيوكاسل. المصدر: يوتيوب

كان بيركامب يعلم أن المسافة التي سيقطعها من خلف اللاعب حتى يصل للكرة تعادل تقريبًا ضعف المسافة بينها وبين الخصم، وحتى يضمن أن المدافع لن يسبقه، مرر الكرة إلى نفسه بطريقة مُقوّسة، بحيث تذهب إلى اليمين أولاً ثم تنحرف لليسار قليلاً، فتصبح خلف المدافع مباشرة.

استدار اللاعب اليوناني سريعًا نحو اليمين باتجاه الكرة التي بدت أقرب إليه، لكنه فوجئ بها تنحرف يسارًا لتصبح خلفه، أصبح غير قادر على لمسها، ومجرد المحاولة في هذه الوضعية قد تتسبب في إصابة قوية للقدم المُثبّتة على الأرض، وقبل أن يستدير مجددًا ظهر بيركامب وتسلم الكرة ثم وضعها بهدوء داخل الشباك.

صرخ معلّق المباراة إعجابًا بالهدف، ركض بيريس ولاعبو آرسنال صوب بيركامب الذي احتفل، كعادته، بهدوء كأنه لم يسجل واحدًا من أجمل الأهداف في تاريخ الكرة.

بعد المباراة، التي فاز بها آرسنال (2-0) قال سير بوبي روبسون مدرب نيوكاسل: "لا أيمكن أن ألوم أي مدافع بالعالم على هذا الهدف. كل ما نملكه أن نعترف أن بيركامب سجل هدفًا رائعًا. كل حركة كانت رائعة للغاية".

توّج آرسنال بلقب البريميرليج في نهاية المطاف، وتم اختيار هذا الهدف الأجمل بين كل أهداف الموسم. واختارته جماهير آرسنال لاحقًا أفضل هدف في تاريخ النادي بالدوري الإنجليزي.