السيسي يتبرع لصندوق تحيا مصر

السيسي والاقتصاد.. مسرحية عبثية

هؤلاء الذين ينتظرون انتعاشة اقتصادية بينما يقبض السيسي على زمام الأمور، هم في الحقيقة: في انتظار جودو.

نشر بالإنجليزية في صحيفة ميدل إيست آي

التضحية المشروطة بالنصر كهدف بعيد المدى، هي قلب العقيدة العسكرية، والمحرك الرئيس لذهنية السيسي الاقتصادية. عندما تحدثت قبل أربعة أشهر مع خبراء اقتصاديين، حذروا من أن تخفيض العملة الذي تقوم به الحكومة المصرية سيفجِّر تضخمًا. لكن الرهان كان: هل سيتمكن السيسي من موازنة هذا الألم من خلال سياسات يمكنها تخفيف أثر الانفجار؟

خلال 16 أسبوعًا شهدت مصر ارتفاعًا في التضخم من 14% إلى ما يتخطى 30% في نهاية فبراير/ شباط المنقضي. وعلى الرغم من بعض الإيجابيات؛ مثلت الشهور الأربعة إثباتًا لكون إصلاحات السيسي في معظمها ضبابية وتنذر بالمزيد من المشاكل.

في مصر، مسرح العبث ليس شيئًا تشاهده وتستمتع به، لكنه شيء تحياه. هؤلاء الذين ينتظرون انتعاشة اقتصادية بينما يقبض السيسي على زمام الأمور، هم في الحقيقة: في انتظار جودو.

قبل نحو 6 أسابيع قالت دكتور فاطمة الأسيوطي الاقتصادية المصرية بغضب: "قفزات الأسعار تحرق الناس. لكن الحل لا يكمن في الدعم. هناك شيء يدعى سياسات مواجهة الانكماش، وتقع في نطاق اختصاص البنك المركزي ووزارة المالية. لو أنهما يدركان مسؤولياتهما". إذا ما أقدم النظام على المخاطرة بقرارات إصلاحية كتلك إذا ما فرضتها الظروف؛ ألا يعد من قبيل التقصير، ألا يجري اتخاذ الاحتياطات اللازمة لضمان ألا يعاني المجتمع غير المستقر بالفعل من المزيد من الإضطراب؟

التضخم كان مخاطرة مفهومة من قبل جميع الأطراف، ولكن تحدث إلى أي مصري، متعلم أو لا، من الطبقات الدنيا وأحيانًا من أبناء الطبقات الأعلى، وستجد أن قليلين جدًا لم يضربهم التضخم بعد.

في مصر، السياسة العاقلة أمر نادر تمامًا كاحتمالات سقوط الجليد.

وزير المالية المصري عمرو الجارحي لم ينف التضخم المتصاعد عندما طُلِب منه التعليق. ولكن لابد أنه من المنهك بالنسبة لمصري يتقاضى أقل من 3 دولار يوميًا، أن يرى وزيرًا يساوي سعر نظارته وحدها راتب ثلاثة أشهر ويمكن لسعر بذلته أن يطعم أسرة من 4 أفراد لستة أشهر يقول له: "نعتقد أن التضخم سيزداد في فبراير ومارس ولكن الأمور ستتحسن بعدها".

عمرو الجارحي - وزير المالية 

محاولات التخفيف من أثر الخوف لم تُجْدِ كثيرًا في إبطاء إيقاع قفزات أسعار المنتجات الغذائية والرعاية الصحية والمستلزمات المنزلية الضرورية. الآلهة المسيطرين على الاقتصاد يملكون عالم الأعمال، لديهم مخططات اقتصادية نموذجية، لديهم سبل المراوغة والابتزاز، لكنهم يفتقرون إلى الحصافة السياسية اللازمة للالتفاف على هذه المنطقة الخطرة.

وعوضًا عن العمل على تقديم صورة "التغيير له ثمن" التي ترتبط في ذهن العديدين بجملة ماري أنطوانيت الشهيرة "دعوهم يأكلوا الكيك"؛ فإن هؤلاء المسؤولين عن الاقتصاد في مصر وعلى رأسهم السيسي نفسه، عليهم أن يعترفوا بعمق الأزمة الاقتصادية التي تؤثر على عشرات الملايين يوميًا، وأن يضعوا ويتولوا تنفيذ خطة واضحة لمواجهتها. ولكن في مصر، السياسة العاقلة أمر نادر تمامًا كاحتمالات سقوط الجليد.

"عيش" الناس و"كيك" الحكومة

إن مسست بخبزهم سيهددون عرشك.. درس لم يستوعبه السيسي ورجاله

هذه التركيبة السياسية المميتة التي تتسم بالانفصال التام عن الناس والتقصير في إعداد شبكة الضمان الاجتماعي اللازمة، كادت أن تتسبب في انفجار الموقف منذ أيام. فبينما يعاني الناس بالفعل من أسعار الاغذية التي زادت أكثر من 40%، قرر وزير التموين أن يقلل حصص الخبز التي يتصرف فيها أصحاب المخابز.

ورغم أن الخطوة كانت تستهدف تقويض قدرة ملاك المخابز على إعادة بيع الحصص المدعومة من الدقيق للحصول على مكاسب ضخمة، لكن كان لها أثر بالغ على هؤلاء الذين لم تزودهم الدولة ببطاقات الحصول على الدعم، فلم يتمكنوا من الحصول على الخبز.

الخطة بالأساس كانت تعتمد على خفض حجم الأرغفة المدعومة من 1000 إلى 4000 رغيف للمخبز، لتصل إلى 500 فقط. الخبز على لسان المصريين مكافئ للجذر العربي لكلمة "عيش" أي حياة. العيش ضرورة -حرفيا- في بلد يحيا 27% من سكانها تحت خط الفقر. خط الفقر ذاته يهدد بابتلاع ملايين أخرى كأثر مباشر لسياسات الإصلاح التي فرضها اتفاق صندوق النقد الدولي، وطبقها النظام بسذاجة بعد مرور الوقت المناسب لها سياسيًا واقتصاديًا. لذا، كان لابد أن يكون بديهيًا أن أي محاولة للمساس بدعم الخبز سيكون لها آثار هائلة. وقد انفجر بركان غضب الناس بالفعل.

اقرأ أيضًا: من الألف إلى الياء.. أسباب وتفاصيل احتجاجات الخبز في بَر مصر

خلال يومي 5 و6 مارس/ أذار سارت مظاهرات عفوية من جماهير عادية غير مسيسة، وانتشرت من كفر الشيخ في أقصى شمال البلاد إلى الجيزة بالقرب من العاصمة وفي قلب العاصمة نفسها، وكذا في المنيا جنوب البلاد وفي الأسكندرية المعروفة بكونها العاصمة التاريخية الثانية.

إن مسست بخبزهم سيهددون عرشك، هكذا كانت الأمور في 1977 عندما حكم السادات، ولا يزال الحال كما هو في هذه الأيام. ولنتذكر أنه في السبعينات كانت معدلات الحياة في مصر 56.2 عامًا، وبعد 37 عامًا – في 2014- ارتفع ذاك المعدل ليصل 71.12. هذا الارتفاع ترافق مع انفجار سكاني وصل معه عدد المصريين إلى 92 مليون نفس، ما يجعل الـ"عيش" وإدارة دعمه قضية وجود بالنسبة لأي نظام.


في أحد الأحياء السكندرية، أفصح المشهد عن الكثير، عندما وجدت الشرطة نفسها مُحاصرة من 100 سيدة محجبة ورجال من الطبقة العاملة يصرخون بجملة بسيطة ودالة: "عاوزين عيش. مش لاقيين ناكل". ومع تهديد الحياة، فلا قانون تظاهر بإمكانه أن يُخرِس هؤلاء المصريين. وعوضًا عن ذلك، خرج المئات في مظاهرات متعددة اجتاحوا الشوارع هاتفين "يسقط السيسي".

كان الموقف مرشحًا للانفجار. المتظاهرون حاصروا مكتب وزارة التموين بمنطقة السبع بنات بالأسكندرية، ما اضطر وكيل أول وزارة التموين بالمحافظة للهرب.

وبعد لحظات من ورود فيديوهات المظاهرات، تأكدت التقارير الإخبارية، سارع البوليس إلى مواضع المظاهرات؛ لا لإطلاق النار على المتظاهرين ولكن ليوزع حصص من الخبز المطلوب مجانًا. الحكومة تم تذكيرها أن هناك خطوط حمراء بإمكان الاقتراب منها أن يهدد استقرار النظام.

في العالم الموازي

خلال 15 ساعة من المظاهرات التي اندلعت بالتزامن تقريبًا في عدة محافظات، ألغى وزير التموين علي مصيلحي قراره وخططه الجاهزة لخفض الحصص. هذه المرة تم تفادي أزمة كبيرة وأُجهضت مواجهة محتملة، ولكن أزمة بنيوية وأيدولوجية لا تزال قائمة؛ فهناك نظام يتسم بالعنجهية والانفصال عن الواقع مستمر في تكرار ذات الأخطاء: غياب تام للشفافية في إدارة الحكم، إنعدام للحوار ولا حتى مجرد تظاهر بإرادة الديموقراطية.

في هذه الأوساط، الديموقراطية مجرد قناع زائف، فاتفاق صندوق النقد أقره البرلمان المصري بعد 4 شهور من تطبيقه عمليًا! إذا استمر هذا الحال فعصابة السيسي لن تحتاج إلى أعداء، سيكونوا هم أعداء أنفسهم.

ورغم ما ينجم عن ذاك من آلام، عمدت الحكومة اتخاذ خطوات تستهدف اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر كي توقف النزيف الاقتصادي. وأبرز هذه الجهود كان مشروع قانون يمكنه أن يكون ذو جابية كبيرة للمستثمرين الأجانب.

هذا المشروع يسمح للشركات الأجنبية بتحويل أرباحها للخارج، ويضاعف من نسبة الموظفين الأجانب المسموح بهم من 10% إلى 20% من مجموع موظفي الشركة (رغم أن هذا لا يسهم في التخفيف من التزايد الحادث في معدلات البطالة بين المصريين)، كما أن المشروع يخفض من كم الإجراءات البيروقراطية التي يستلزمها إنشاء شركات في السوق المصري. ولكن، في مصر هناك دائمًا "لكن": هذا القانون لا يزيد قيد النقاش منذ ديسمبر/ كانون أول الماضي.

ورغم أن الحكومة ادعت النجاح والسيطرة على الأمور في الأسابيع القيلة التي تلت قرار التعويم في 3 نوفمبر/ تشرين ثان الماضي، إلا ان سعيها المتواصل لتقليص الفارق بين سعر الدولار الرسمي وسعره في السوق الموازية لم يكن سعيًا ناجحًا طوال الوقت، وربما بدأت في خسارة المعركة.

فبينما انخفض سعر الدولار وتحسن موقف الجنيه ليبلغ سعر الدولار الواحد 15.72 جنيهًا في فبراير/ شباط؛ قفز السعر في مارس/ أذار وسار في الإتجاه الخطر، فوصل في بداية الشهر إلى 16.3 جنيه، وبعد أسبوع واحد وصل إلى 18 جنيه مرة أخرى مع ترجيح بعض الخبراء أن رمضان الذي يلوح في الأفق وما يترفق معه من ارتفاع في الطلب، قد يصلا بسعر الدولار الواحد إلى 20 جنيهًا مصريًا.

وغني عن الذكر أن هناك ضخ واضح للدولار في المؤسسات المالية منذ "الإصلاح"، لكن ربما لا يكون هذا الضخ مكافئًا للحصول على ثقة المستثمر؛ قدرما هو فرصة للكسب السريع من تجار العملات الأجنبية.

التذبذب في السوق كان متوقعًا، ولكن بعد 12 أسبوعًا من الصدمة المبدئية التالية على قرار التعويم، فإن الاستقرار، او حتى مجرد صورة منه كان لابد أن يكون وشيكًا. ولكن؛ الحكومة والناس ينظرون معًا إلى عمق البرميل ممسكين بالمسدس محاولين اصطياد سمكة ما. فالدولار المستمر في الارتفاع سيستمر في إفساد حياة الملايين من المصريين الذين يُسحقون بصمت تحت وطأة التضخم، الذي لا يبدو أنه سيتراجع قريبًا، وكذلك تحت الحذاء الثقيل للبنك المركزي. والحكومة ستستمر في لوم الربيع العربي على التراجع الاقتصادي.

فطالما يستمر انعدام الإحساس بالمسؤولية عن هذا المستنقع الذي نغرق فيه؛ كيف يمكن أن ترتفع الثقة في هذه السياسة المالية لدى السوق المحلي والأجنبي؟

لقد تلقت شعبية السيسي ضربة هائلة في أعقاب التعويم والإصلاحات الاقتصادية. للمفاجأة، أرخى العسكري قبضته الحديدية القابضة على السلطة وأوقف تطبيق قانون التظاهر الذي لا يتسامح مع أي وقفة بسيطة. ومع تطورين آخرين في صالحه أولهما وصول رئيس أمريكي يراه "شخص رائع" إلى سدة الحكم، ودولة سعودية على شفا العودة إلى اتفاقية لتزويد مصر بالمواد البترولية التي يحتاجها النظام بشدة، وهي تطورات كفيلة بجعل السيسي يرى الصورة مشرقة.

لكنها لن تكون المرة الأولى التي يخطيء فيها الرئيس في قراءة الصورة الكاملة.